عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 03-04-2004, 11:37 PM   #1
عضو مبدع
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
البلد: خيمة على ضفاف "وادي العجمان"
المشاركات: 1,799
قوة التقييم: 0
العجمي2003 is on a distinguished road
امرأة في ذاكرتي "الشيخ الطريري وبلدة دخنة"

امرأة في ذاكرتي "الشيخ الطريري وبلدة دخنة"

امرأة في ذاكرتي..!

د.عبدالوهاب الناصر الطريري

سألتني أن أكتب لك شيئًا من ذكرياتي مع المرأة، وما كنت أحسب مسألتك ستثير من كوامن الشعور، وخوافي الوجدان ما أثارت.

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما

أطار بليلى طائرًا كان في صدري

لقد استثرت ذكريات أعادتني إلى صبا الصبا وبدوات الشباب. وبيت من الطين في شويرع مسدود منشعب من سكك (دخنة) ودروبها.

وكانت دويرتنا هذه وإن ضاقت عن كثير من وسائل الترف إلا أن حجرها المتقاربة الجدر كانت مستودعًا لألوان من السعادة والإبهاج، تمتعنا فيها واستمتعنا، ثم فقدناها وما نسيناها. وكنا نعيش في اليوم (24) ساعة بكمالها، لا يقتل من ساعات نهارنا إرهاق العمل وتعقيد الحياة، ولا يسرق من ساعات ليلنا طول السهر، فكان نهارنا معاشًا، ونومنا سباتا.

وكانت تلك المرأة تُفتِّق لنا أفواف الإيناس مع ساعات البكور، وتهدهدها لنا عند الإمساء، حتى لو فقدت الأُنس لوجدته ثاويًا في دارنا لا يبرح، وكانت طفولتنا مشدودة إليها بحب وإعجاب يكبر معنا كلما كبرنا، كانت جدتي التي لم تطفئ السنين وضاءتها، ولم تَذْبل نضرة النعيم في محياها تعيش وتعيش بنا معها جوًا عجيبًا من السكينة والسكون وطمأنينة النفس.

>> كان لها في النهار سبح طويل، يتنفس الصبح فتدب في البيت الحياة، فما كنا عرفنا بعدُ إغماءة الصباح وسكرات الضحى، فيبدأ يومنا معها بالتطهر وتنشر مصحفها وهو المصحف ذاته الذي تعلمت فيه قراءة القرآن أول ما تعلمته فصحبته أزيد من ستين سنة حالة مرتحلة من أوله إلى آخره، فتنصرم ساعات الضحى ولها دوي بالقرآن، حتى إني لأظن اليوم أنها كانت تختم القرآن كل ثلاث، فكان بيتنا منورًا بالقرآن، معطرًا بالذكر كأنما تتنزل السكينة، على جنباته، حتى إذا استعر النهار قامت لتصلي صلاة الأوابين وتتهيأ بعدها لصلاة الظهر، وكانت تؤدي الصلاة باحتفاء عجيب، فمصلاها في حجرتها حمى مصان تعتني بتطهيره وتطييبه إلى حد المبالغة، ولها ثوب سابغ للصلاة يتدلى سواكها من جيبه، فإذا وقفت لصلاتها رأينا حالاً من التهيؤ تشعر أنها مقبلة على أمر عظيم، ثم تترسل في أداء الرواتب بطمأنينة وأناة حتى إنا لنخرج للصلاة في المسجد ثم نعود وهي لما تنته من صلاتها بعد.

أما قبل صلاة العصر فإني أخف إليها بنسخة قديمة صفراء من كتاب (رياض الصالحين) اقرأ عليها أبوابًا منه لا أدري كيف كانت قراءة الصبي حينها، لكني أدري أنها تستمع الحديث وكأنها تعيشه مرأى ومسمعًا، فإذا أُذِّن لصلاة العصر فزعت إلى صلاتها ثم نشرت مصحفها وشرعت في دوي محبب مع آيات القرآن إلى أن تختنق آخر ساعات النهار.

فإذا صلت صلاة المغرب فقلما تخلع ثوب صلاتها ولكن ترفع أكمامه وتستند إلى الجدار وتبدأ قراءة محفوظها من القرآن، وغالبًا ما تبدأ بسورة الملك فما بعدها، إلا ليلة الجمعة فتقرأ سورة الكهف، فإذا أذن العشاء فإذا هي على تهيئها قامت فصلت العشاء ثم أتبعتها قدرًا من ناشئة الليل، وما هي إلا سويعة أو بعضها حتى يلف البيت سكون حبيب.

فقد كان ليلنا ليلاً على الحقيقة تحضننا مضاجعنا في ساعاته الأول، فإذا كان ثلث الليل الآخر صلصلت ساعة كبيرة تعلن موعد صلاة التهجد لأهل قيام الليل، وكانت هي المعنية من بيننا بذاك الرنين.

فيا كم استيقظت في الهزيع الأخير من الليل فأراها واقفة تصلي فأتوثب للقيام ظنًا مني أنها تصلي صلاة الفجر فتشير إليّ أن نم فلم يؤذن الفجر بعد، فأعود إلى نومي وتعود هي إلى صلاتها.

ويا كم رأيت لغوب الصيام على شفتيها وهي تقطع نهارًا حارًا بعيد ما بين الطرفين، لم تزرنا فيه وسائل التكييف إلا مروحة معلقة في السقف تحرك الهواء الساكن ليتحول إلى سموم لافح.

فيا لله من أيام مضت معها كانت مدرسةُ القدوة ماثلةً لنا من حالها، صلاةٌ بجلال، وصيام بمكابدة، وتلاوة بتلذذ، وعبادة بتأله، ولهج بالذكر، وأوقات معمورة بالخير.

وكانت بركةً علينا أهل ذاك البيت بدعائها، وصلاتها، وتلاوتها، وذكرها. وكأنما كانت تشع على نفوسنا من سكينة روحها وطمأنينة نفسها دفقًا من السعادة والإيناس، وهناء العيش، وطيب الحياة.

ثم فقدتها وأنا أدلف إلى سنوات المراهقة ونشوة الشباب، فلا أنسى تلك الوحشة التي أظلمت لها نفسي يوم خلت منها دارنا فكأنما أخذت معها شعبة من قلوبنا.

ثم انقضت تلك السنون

وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام

واليوم وقد تقصفت بعدها الأيام، وتدافعت السنون، وأبعدنا عنها نحو من ربع قرن لازالت لوعة فقدها حية في نفسي، ومشاهدها ماثلة أمامي، وعظة حالها بالغة في قلبي أذكرها اليوم فأذكر امرأة أحسب أن أبا نعيم لو أدركها لجعلها في (حلية الأولياء)، أو ابن الجوزي عاصرها لأدرجها في (صفوة الصفوة).

أذكرها فأذكر أنها بذاك النسك والتأله، كانت من أهنأ الناس عيشًا، وأطيبهم نفسًا، وإن كان حظها من رفاهية الحياة جد قليل.

أذكرها فأذكر تلك الأيام الجميلة في البيوت العتيقة، مع اجتماع الشمل، والتفاف الأهل، وقوة الأواصر، واتساع أوقات الحياة.

فهذه "يا أبا رناد" بعض ذكرياتي مع المرأة مع جدتي أم ناصر فاطمة بنت عبدالله الرومي -رحمها الله- وجمعنا بها في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

http://www.arabicmagazine.com/inner2...der=3&num=3343
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
العجمي2003 غير متصل  

 
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 06:34 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19