عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن المواضيع المنقولة من الانترنت وأخبار الصحف اليومية و الوطن.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 02-01-2009, 04:54 PM   #1
Banned
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
البلد: في قلب من أحبني
المشاركات: 597
قوة التقييم: 0
رجلآ طيب في زمن سيء is on a distinguished road
الإنســـــان سيـد هـذا الكـــــــون

سطح الإنســـــان سيـد هـذا الكـــــــون

من حق الإنسان أن يعجب من نفسه وهو يجيل النظر في كل شيء من حوله ، يبحث عن السعادة في كل شيء وينسى أنها في داخله ، يسعى للتعرف على هذا الكون ، وحل رموزه ، وكشف أسراره ، في نفس الوقت الذي يزداد فيه بعداً عن ذاته وتناقضاً مع الطبيعة ، وإفساداً لها 0 فلإنسان حينما يتعرف إلى نفسه ويكشف غموضها ويزيل أشكالها لن يجد تناقضاً مشكلاً في الكون ، فالإشكال والغموض عند من يملك آلية المعرفة ، وليس لأحد من المخلوقات ذلك إلا للإنسان 000 إذ الإشكال منه وإليه وبمعالجـة مشكلـة الإنسـان لنفسـه ، بالتعـرف إليهــا معالجة لكل إشكالية قائمة في الكون 0
لأن الغموض يكمن في جهالة الإنسان ، سواء أكان باتجاه نفسه، أم باتجـاه الأشيـاء من حولـه ، وحينمـا يتمكـن الإنسان من إزالة الغموض عن نفسه، تتحصل له المعرفة، وهي غاية وجوده0
وإنسان اليوم كما يصفه رينيه دبو :
" ليس فقط غريباً عن أخيـه الإنسـان وعن الطبيعـة ، بل الأهـم بكثيـر أنـه غريب معزول عن أعماق ذاته "
فمن الواضح أن قفزة نوعية بعيدة المدى تحققت في مجـال علـوم الجمـاد فمنـذ القـرن السابـع عشـر اهتـم العلـم بصورة أولية بوصف ذرات المادة والظواهر الطبيعية 0
وكان ديموقراطيس في القرن الخامس قبل الميلاد ورينيه ديكارت في القرن السابع عشر قائليـن بتقسيـم المـواد والأحداث بحسب عناصرها وتفاعلاتها الأولية ، باعتبارها طريقاً للمعرفة 0
إن أكثر مشاكل الإنسانية إلحاحاً هي العلاقات والاتصالات وتغييرات الميول والاتجاهات ، وهـذا مـا يستدعـي دراسة واعدة لا من الناحية البيولوجية والشكلية فحسب وإنما من خلال الهدف الذي وجد من أجله 0
وهذا ما انتبه إليه أرسطوا في القرن الرابع قبل الميلاد عندما قال :
" إن طبيعة الإنسان ليست فيما ولد عليه ، بل في الغاية التي ولد من أجلها "
لذلك لن أقف هنا مع قصة الخليفة وما دار حولها من جدل مكتفياً ببيان السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه القائل :
" ما أشهدتم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً "
لأن مكتشفات العلم وحقائقه لا تقبل ( بالظن والتخمين ) والعلم معرفـة الأمـر على ما هـو عليـه في الواقـع وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً 0 فالنشوئيون والدارونيون يعتمدون الظن والتخمين ويقولـون بالنشـوء والإرتقـاء وإن الإنسان مر بأحقاب جيولوجية سحيقة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن وهم بذلك يخالفون حقائق القرآن 0
فاكتشاف العلماء لعنصر Dna وتعرفهم على عالم الجينات وخصائص هذا العلم وكيف أن صبغيات الإنسان تتكون من اثنين وعشرين زوجاً إضافة إلى Xy المختصين بتحديد النوع ذكر أو أنثى فيكون مجموع صبغيات الإنسان ست وأربعون صبغياً وهي عند القردة ثمانية وأربعون صبغياً، وإن الانتقال من نوع إلى آخر يستحيل علمياً بناءً على هذه الحقائق الثابتة والطفرة مميتة ولا تنتقل للأجيال بالتوارث 0
وهـذا لا ينفـي التطـور داخـل النوع وهو حصـراً عند الإنسـان لأن الأمـر مرتبـط بالإدراك ، وهو ما أشار إليه
ستيل دي كولانج بقوله :
"لا يكن أن نرد التطور في الأنظمة إلى المصادفة أو القوة وحدها ذلك شيئاً ما في داخلنا يتغير باستمرار وهو إدراكنا، وبسببه تكون الأنظمة والقوانين عرضه للتغيير والتبديل "
لنعد إلى لأصل الذي أردناه منطلقاً وهو قول الله تعالى ف سورة (ص):
" وإذ قال ربك لملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويت ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين "

لنبحث عن الإنسان في الإنسان 00 في غايته التي خلق من أجلها 00 عن السر في سجود الملائكة له 00 عن طبيعة ذلك السجود 00 هل هو سجود مؤقت انتهى في حينه 00 أم أنه أمر دائم مادام الإنسان يملك السر الذي سجدت له الملائكة 00
إن قيمة أي شيء تتحدد في الغاية من وجوده ، وإن المساس في الغاية مساس في الوجـود ذاتـه ، وكلما أقتـرب الإنسان من الغاية اكتمل وجوده وكلما ابتعد عن الغاية انتقص وجوده، وهذا ما يفسر لنا جمع الإنسان للنقيضين فهو كريم بخيل ، عالم جاهل ، غفور منتقم ، رحيم جبار00
فإن التناقض يرجع إلى وصف واحد وهو الاستعداد الذي يجعل الإنسان أهـلاً للتراقـي إلى أحسن تقويـم وأهـلاً للتدهور حتى يصل إلى أسفل سافلين وصدق الله العظيم :
" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين "
إن التناقض المذهل في الوصف دليل على المساحة الواسعة في الاستعداد لتشمل الجنس كله منـذ فجـر الخليقـة وإلى أن ينفخ في الصور وليجد كل إنسان وصفه في ساحة الخلق0
ترى هل إنسان أحسن تقويم ، هو نفسه إنسـان أسفل سافليـن وما الرابط بينهما في مسمى الإنسـان فكلاهمـا في العرف والشكل إنسان :
فإنسان أسفل السافلين هو إنسان الحيوان 0
وإنسان أحسن تقويم هو إنسان الكامل 0
فدل على أن الإنسان نوع في جنس الخلق وهو بدوره جنـس بعيـد في الخلـق ينطـوي على أنـواع بينتهـا سـورة البقرة حيث أفادت أن من النـاس مؤمـن وكافـر ومنافـق وأوضحـت صفـات كل نـوع من هذه الأنـواع وجـاءت سورة فاطر تفصل أنواع المؤمن إلى :
1- ظالم لنفسه 2- ومقتصد 3- وسابق في الخيرات 0
قال تعالى :
" ثم أورثنا الكتاب اللذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق في الخيرات بإذن الله ، ذلك هو الفضل الكبير "
فإنسان أحسن تقويم 00 هم المصطفون الأخيار 0
فلنقف عند حد الإنسان وتعريفه، إذ أن حد الرسم يختلف عن حد الاسم وكل منهما بخصوصيته يشير إلى الغاية التي بها يعرف 0
فمن حده من قبل الاسم رأى اشتقاقه من الأنس فهو مصـدر أنس ، وأنسـه في ظهوره بنقيض الجن الذي اختفى عن العيان كما أخبر بذلك القرآن فقال :
" إنه يراكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم "
قال محمد بن عرفه الواسطي سمَّى الإنسيون لأنهـم يؤنسـون أي يورن، وسُمـي الجن جناً لأنهـم مجنونـون عن رؤية الناس أي متاوارون 0
ومن حده برسمه ميزة بالنطق فعرفة بأنه :" حيوان ناطق "، ومن عرفه من خلال موقعه في الوجود قال :
" الإنسان هو محور الوجود المشهود ، ومنطلق التكليف العهود "
وعرفه بعضهم بأنه " كائن حي ، حساس ، مفكر "
والذي أراه أن الإنسان نوع من جنس الخلق وجد بالاضطرار وتميز عن سائر المخلوقات بالاقتـدار والاختيـار فاجتمع مع كل المخلوقات في عبودية الاضطرار :
" إن كل من السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبداً "
واشترك مع الجان بخلاف سائر المخلوقات " بالاختيار" ليكون معهـم مؤهـل للتكليـف ، ولينفـرد الإنسـان بعـد ذلك وحده من دون الخلائق بالتشريف إذ تمييز " بالاقتدار " 0

وهيئ بذلك للخلافة لكونه المخلوق الوحيد الذي خُلق على الصورة00 فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم وأحمد في المسند بألفاظ مختلفة :
" أن الله خلق آدم على صورته "
أي من حيث الصفات قال القرطبي في تفسير قوله تعالى :
" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم "
ووقع البيان بقوله :
" إن الله خلق آدم على صورته يعني على صفاته"
وهذا سر الاقتدار الذي أهل الإنسان للخلافة وجعله يشعر بالاستعداد لحمل الأمانة فهو يشترك في صفة الإرادة والعلم والقوة والرحمة والسمع والبصر وغيرها من الصفات الأخرى يقول صاحب الأحكام بن العربي المالكي
" ليس له خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حياً، عالماً، قادراً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً ، وهذه صفات الرب جلَّ وعلا "
وليس لأي من هذه المخلوقات هذا الاستعداد، لذلك أعرضت عن حمل الأمانة - لا استنكاراً ولا استكباراً - إنما إشفاقاً كونها لا تملك الاستعداد أصـلاً ، لذلك لم يكن إباؤهـن معصيـة كإبـاء إبليـس السجـود لآدم ، فإنـه رفـض استكباراً وكان رفضها استصغاراً وهي لا تعرف الخيار حتى رفض، وإنما كان العرض بالتقابل مع الإنسان، ليظهر الله مكانته وسيادته على كامل المخلوقات 00
يقول الإمام الفخر الرازي :
وأعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض، لأن الأرض والجبل والسمـاء كلهـا علـى ما خلقت عليه: الجبل لا يطلب من السير ، الأرض لا يطلـب منـها الصعـود ولا من السمـاء الهبـوط، ولا مـن الملائكة، لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء، لكن ذلك لهم كالأكـل والشـرب لنـا، فيسبحـون الليل والنهار لا يفترون، كما يشغل الإنسان بأمر موافق لطبعه 0
وصدق الله القائل :
" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، (لأنه مؤهل للخلافة)، إنه كان ظلوماً، (لنفسه إذا لم يقم بحقها)، جهولاً، (إذ نسب الأمر إليه) "
لذلك وجب على الإنسان أن يتعرف على نفسه فإن الفلاح لمن زكاها، والخيبة لمن دساها
" ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها "
فمعرفة النفس تشكل حقيقة المعرفة وهي سر السعادة ، والأصل في الخلافة 0
وبذلك ندرك فهم الحديث المشهور على الألسنة :
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
والتحقيق أنه ليس من كـلام النبي صلى الله عليه وسلـم بل هو من قـول / يحيى بن معاذ الرازي / وهو صحيـح المعنى :
فمن عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم 0
ومن عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة 0
ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم 0
ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز 0
ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة 0
ومن عرف هذا عرف إن استعداده استعارة، ووجوده سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جـاءه لم يجـده شيئاً ووجد الله عنده عندها يتحقق ويتذوق :
( كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان )

لذلك جانب الصواب في قرن الإنسان بالطبيعة ، وجعل معرفـة الكون طريقـاً لمعرفـة الإنسـان بل العكـس هـو الصواب :
" فمعرفة الإنسان لنفسه هي الطريق الأمثل والأوحد لمعرفة الكون "
واكتشاف الإنسان لقوانين الطبيعة، واطلاعه على بعض أسرارها، وحله لرموزها، لا يشكل ذلك معرفة ، ومـا بين الاكتشاف والمعرفة مخاوف يهلك دونها المتنطعون0
فالمعرفة سعادة وكمال تمنح الإنسان توازناً ما بين ذاته والأشياء، وما بين الأشياء بعضها بعضاً 0
والاكتشاف بغير معرفة إخلال بهذا التوازن، وإفساد لعلاقة التكامل المثبوتة في الخلق :
(( وكل شيءٍ عنده بمقدار ))
ولعل فيما يشهده العالم المعاصر من مخاوف تهدد بقائه واستمراره نتيجـة تدخل الإنسـان في الطبيعـة وإفسـاده لنظامها وإخلاله بتوازنها بسبب جهله ونقص معرفته بالرغم من اكتشافاتـه وتقدمـه الظاهـر في شتـى مجـالات العلوم وتأخره في مجال علوم البشر 0
وهذا ما انتبه إليه اليكسيس كاريل في كتابه القيم " الإنسان ذلك المجهول" ، يقول :
يجب أن يكون الإنسان مقياساً لكل شيء ولكن الواقع عكس ذلك فهو غريب في العالم الذي ابتدعه
ما قيمة كل هذه المكتشفات إذا لم تنعكس على البشرية سعادة ورخـاء، ما معنى أن يصـل الإنسـان إلى المريـخ ويزحف نحو زحل وغيره من الكواكب والمجرات، وهو قلق خائف مضطرب غير ثابت على سطح الأرض0
إذا كانت أولوية القرن القادم تنصب على التنمية باعتبارها الهاجس الأكبر لـدى الأنظمـة والشعـوب لدفـع شبـح الخوف وتحقيق الرخاء المنشود، فإن الإنسان يشكل الركن الأهم في العملية التنموية، وفي كل دقيقة تمر يسقط خمسة أطفال جوعاً في العالم، يقابلها في نفس الوقت ملايين الدولارات تنفق على أسلحة الدمار الشامل 00
إذاً أين هي مكانة الإنسان وقيمته في هذا العالم، وقد تحول إلى شمعة تكشف ما حولها، وتحرق نفسها0 0
أين هي المعرفة التي تؤكد وحدة الإنسان في نظرية صراع الحضارات عند هينتغتون وفوكايوما، على الرغم من كل ما وصل إليه الإنسان من اكتشافات، والإنسانية أسرة واحدة من فجرها وإلى انتهـاء عمرهـا، كلهـا لآدم وآدم من تــراب 0
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير "
وصدق القائل في سورة يونس :
" وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون"
وفي سورة البقرة قوله :
" كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين "
وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود في سنته عن زيد بن أرقم قال :
(( كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاه/ اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك ، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك ،اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة / ))
إن تعاسة إنسان اليوم وقد أحكم سيطرته على الطبيعة والكون تكمن في نسيانه لنفسه 0
" نسوا الله فأنساهم نفسهم "
وحينما ينسى الإنسان نفسه يهلك تحت أنقـاض جهوده لأنه شغـل نفسـه عن نفسـه " عن ما خلق الله " همه أن يقهر الطبيعة ويذلها ويحسب أنه بالغ أمره، يهدم وهو يتصور البناء، يفسد وهو يتوهم الإصلاح، وهذا ما انتبه إليه النقاد أمثال رينيه دوبو عندما قال :
((ولن نستطيع تغيير العلم، ما لم نبعد عن ذهننا الفكرة القائلة: إن أهداف الإنسانية هي قهر الطبيعة ، وإخضاع العقل الإنساني ))
ولو أمعن الإنسان النظر وانكفأ إلى ذاته لأدرك التوازن والتكامل في الكون، لا التناظر والتناقض، وهذه أبلغ المفارقات بين تصور المؤمن وغير المؤمن 00
فالعارف يشهد أنها مذللة له، مخلوقه من أجله، وما عليه إلا أن ينتبه من غفلته، ويسعى إلى غايته ليشهد0
(( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ))
وقد ورد في الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يقول :
" يا بن آدم خلقتك من أجلي فلا تلعب، وخلقتها – أي الدنيا – من أجلك فلا تتعب، فبحقي لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له "
وقد أخرج القضاعي عن ابن مسعود رضي الله عنه :
(( يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه ))
فارق كبير بين أن تكون مطلوباً أو تكون طالباً، فإن أعرضت عنها جاءتك صاغرة راغبة،وإن أعرضت عنه إليها، أتعبتك حتى توردك موارد الهلاك، ثم لا يكون لك منها إلا ما قد كتب لك00
قال أهل العبادة لمن أعرض عنها :
كل من نلقاه يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن ؟
وقال خاتمة محققي هذا الزمان 00 سيدي محمد بم أحمد النبهان:
" لا بل لمن عرفها، ولن يعرفها من جهل نفسه، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، فهو سيد هذا الكون بالمعرفة، وبها تحققت له عبودية الاختيار "
قال صاحب الفتح :
الترك زهد ، والأخذ معرفة ، والزاهد غلام العارف 0
فالإنسان: ديسك الوجود في علم الأتمتة، ومنه يعرف ماضيه وفيه حاضرة وبه مستقبله00
يقول مدينة باب العلم سيدنا علي رضي الله عنه :
دواؤك فيك وما تبصـــــــر دواؤك منك وما تشــــــعر
وتحسب أنك جرماً صغيراً وفيك انطوى العالم الأكبر
فالإنسان مختصر هذا الكون جمعت فيه عناصر الطبيعة الترابية والهوائية والمائية والنارية، فهو جمع ذلك 0
قال الراغب الأصفهاني في " تفصيل النشأتين ":
((الإنسان قد جمع فيه قوة العالم وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه ))
وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله:
" الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين "
وقد جمع الله في الإنسان قوى بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوناته000
إن المختصر من الكتاب هو الذي قل لفظه واستوفى معناه والإنسان هكذا000
ويقول في موطن آخر:
" وإن نفس الإنسان مجمع الموجودات ، فمن عرفها فقد عرف الموجودات "
ولذلك قال الله تعالى :
" أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ، وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون "
تنبيهاً على أنهم لو تدبروا أنفسهم وعرفوها عرفوا بمعرفتها حقائق الموجـودات فانيهـا وباقيهـا ، وعرفـوا بهـا حقيقة السموات والأرض ،ولما أنكروا البعث الذي هو لقاء ربهم 00 قال تعالى :
((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ))
وقال تعالى:
(( وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ))
لذلك كان لا بد لنا أن تعرف إلى الإنسان من خلال موجودة، لنرى المطابقة ما بين القول والفعل، فالقرآن كلام الله ، والإنسان فعل الله ، والمطابقة ما بين القول والفعل قائمة 00
فالإنسان الكامل هو القرآن الناطق لأنه الخليفة ، وقد ورد مثل ذلك على لسان أمير المؤمنيـن سيدنـا علي كـرم الله وجهه عندما قال :
(( هذا القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق ))
ويؤكد هذا ما ورد في الحديث الصحيح ( رواة البيهيقي )0
سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :
(( كان خلقه القرآن ، يرضى لرضاه ، ويغضب لغضبه ))
فالقرآن هو المنهج النظري00 ولا بد له من معيار يؤكد واقعيته وصلاحيته 00
وباعتبار أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديـه ولا من خلفـه ، وجب أن يكـون معيـاره المقابـل كذلك لا يأتيـه الباطل من بين يديه ولا من خلفـه، وليـس ذلك إلا للنبـي صلـى الله عليـه وسلـم باعتبـاره الإنسـان الكامـل وهـو الخليفة الأكمل لذلك جعله الله أسوة للعالمين 0
(( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ))
قرن الله طاعة نبيه بطاعته، ومعصيته نبيه بمعصيته ، ورضاه برضاه ، فقال :
(( إن اللذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم ))
لذلك جاب الصواب وأخطأ الطريق من توهم الخطأ في المعيار ونسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك في أمر دين أو أمر دنيا، لأن نسبة الخطأ إلى المعيار تلحق الخطأ بالمنهج00 والنبي صلى الله عليه وسلم أسـوة لنـا في كل شـيء واتباعـه عبـاده وقربـه وكمـال في أمـر دنيـا أو أمـر ديـن اللهـم ما لـم يكـن الأمـر مـن خصوصياته صلوات الله وسلامه عليه 00
إن التعرف على المعيار – القدوة والأسوة – يمنحنا رائزاً مقياساً عملياً لدراسة الإنسان 00
إن القرآن الكريم الذي هو كتاب الإنسان من قبل خالقة، يعتبر المنطلق النظري الثابت للإنسان، ونستطيع من خلاله استخراج الصورة الكاملة بدقائقها وخصائصها لسيد المخلوقات، الذي أراده الله في الأرض خليفة 0
لقد عرض القرآن للإنسان ببضع وسنتين آيه تشكـل بمجموعهـا لوحـه كاملـة واضحـة المعالـم للخلـق مظهـرة خصائص الإنسان في أطواره ولعل مما يؤنس له الإشـارة إلى أن ذكـر الإنسـان ورد ثلاث وستـون مـرة، وأن عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث وستين سنة 0
وفي ذلك إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم، هو إنسان القرآن، الذي أراده الله نموذجاً أكمل للبشرية على امتداد أزمنتها 0
لذلك قال عن نفسه صلـوات الله وسلامـه عليـه في الحديـث الذي رواه الإمـام مسلـم في صحيحـه وابن ماجـــة فـي سنته والإمام أحمد في مسنده :
(( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ))
فإذا كان الإنسان الكامل هو المقصود في الخلق وهو سيد الكون لكونه الخليفة فإن سيد السادات على الإطلاق هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقاً وخُلقاً ويبقـى لنا أن نتسـاءل بمـا كـانت السيـادة للإنسـان وكيف أنه من المجمع عليه عند أهل العلم قاطبة إن أول سورة نزلت من كتاب الله تعالى سورة العلق :
" اقرأ باسم ربك الذي خلق "
وأن الخطاب بإقرأ موجه إلى الإنسان بشخص النبي عليه الصلاة والسلام باعتباره الأنموذج الأكمل للإنسان، لأن كل قراءة لا تتجه نحو الأسوة،لا تحقق الغرض ولا تبلغ بصاحبها الهدف ، فالخطاب بإقرأ لمن يملك أهلية القراءة، واستعداد المعرفة، وليس ذلك إلا للإنسان الذي خلق على صورة الرحمن والأمر بالقراءة (نص ) في النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره الخلق وكونه المثل الأكمل و(ظاهر)في غيره من بني الإنسان لكن المفعول به – المقروء – محذوف هاهنا ، وحذف المعمول كما يقول الأصوليون يؤذون بالعموم 0
فيكون التوجيه أقرأ – كل شيء في الكـون حاضرة وماضيـة ومستقبلـة ، ولا أعتقـد أن البشريـة عبـر تاريخهـا الطويل شهدت دعوة للقراءة والمعرفة كما شهدته مع تفتح البشرية بإشراق فجر الإسلام 0
على الإنسان أن يقرأ كل شيء، إنما اسم ربك إذ ما من شيء لهذا الوجود لا يقرأ من قبل الإنسان إذا كمـل ، أو ليس هو خليفة 00 وللخليفة حكم مستخلفه 0
( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم )
(من أطاع الرسول فقد أطاع الله ) ، ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )
إن للفظة الرب هنا دلالة يجـب أن نقف عندهـا ونحن نـدرس الإنسـان00 لمـاذا قـال باسـم ربـك والـرب هاهنـا مضافاً والكاف للنبي الخليفة (( الرسول – الإنسان الكامل ))
ففي هذا بيان أن علاقة الإنسان بالله علاقـة تربيـة ، وأن الإنسـان بالتربيـة والتذكيـة يحصـل كمالـه عن طريـق المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن التربية مع المعرفة من خلال الأسـوة ، طريـق الإنسـان لمعرفـة ذاتـه، وتحقيق وجوده، ليكون سيد هذا الكون فالسيادة لا تعني القهر والإذلال ، بل سيـادة اختصـاص ورحمـة ، فسيـد الكائنات على الإطلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( رحمة للعالمين ) ( ورحيم بالمؤمنين )، ون أسترسل في بيان هذا المقام فإنه ثمرة عبودية خالصة يتذوقها أهل الكمال 0
أسأل الله أن يبلغنا ذلك، وإنما أريد التأكيـد على أول سـورة نزلـت في القـرآن من أول كلمـة فيها تشيـر إلى هذه السيادة الإنسانية :
( أقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق لإنسان من علق )
إن تخصيص الإنسان هاهنا من بين سائر المخلوقات، وهو كائن صغير بالنسبة إلى الجبال والسمـاء والحيـوان إشارة واضحة إلى مكانة هذا الإنسان، وارتقاء نوعي فـي تصـور إنسـان ذلك الزمان ليعلـم أنـه المقصـود فــي الخلق، وأن كل شيء بعد ذلك خلق من أجله، ( الذي خلق ما في الأرض جميعاً ) ما عليه أن يعرف لماذا خلق:
(أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم )
فالإنسان الذي خلق من علقه علمه ربه ما لم يعلم أنه السر الذي سجدت له الملائكة، علمه ليحقق له الخلافة:
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيه ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم* قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)
فدل على أن سجود الملائكة تحصل بعد اطلاع الملائكة على أثر تلك النفحة 0
( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )
وبها برز استعداد ذلك المخلوق الخليفة بعد أن قال أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال:
" ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"
( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) والسجـود بوضـع الجبهـة على الأرض عبـادة ولا يتوجـه بهـا إلا لله وبمعنـاه المجازي الخضوع والانقياد وهو المعنى الذي أشارت إليه الآية بخلاف ما ذهب إليه المعتزلـة من أن السجـود كان على حقيقته هو موجه إلى الله وآدم بمثابة القبلة في التوجه إليه 0
والرأي الأول هو رأي جمهور العلماء لأن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود ، وأن كنت لا أوافق من قال بأن السجود بمعنـاه الحقيقـي عبـادة أنزه الملائكـة عن فعلها لكونها لغير الله شرك 00
والحقيقة أنها شرك لو لم يأمر بها الشارع، فإذا كان من تحولت إلى عبادة وطاعـة وقربـى، وهو مـا أشـار إليـه المعتزلة في فهم السجود لآدم، ويبقى بعد ذلك الحديث عن الإنسان (السر ) الذي يكابـد الإنسـان لكشفـه ما بقـي الإنسان على سطح الأرض 000
رجلآ طيب في زمن سيء غير متصل   الرد باقتباس

 
قديم(ـة) 29-03-2009, 10:56 PM   #2
عضو ذهبي
 
صورة الجنرال x الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 2,075
قوة التقييم: 0
الجنرال x is on a distinguished road
بصراحة مواضيعك شيقة

وتستحق التثبيت

و دمت بخير عزيزي
الجنرال x غير متصل   الرد باقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
لـمـاذا يـأبـى الانـسـان إلا أن يـكـون ظـلـومًـا جـهـولا ام الغااااالين المنتدى الدعوي و الأسرة والمجتمع 2 04-11-2008 03:53 PM


الساعة الآن +3: 10:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19