عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 03-10-2004, 01:36 PM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
نهاية الاستبداد

--------------------------------------------------------------------------------
برهان غليون*
عاد مصطلح الاستبداد الذي شغل مفكري النهضة الأولى في القرن التاسع عشر كما تجلى ذلك في كتاب عبدالرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ليحتل موقعا متميزا في تجديد الفكر السياسي العربي المعاصر. وهو منذ عقدين الموضوع الرئيسي لندوات متعددة كان آخر ما حضرت منها الحلقة الدراسية التي نظمها في مدينة أكسفورد البريطانية (28 أغسطس 2004) مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية. وقد أثارت عندي النقاشات التي دارت في هذه الندوة وهي لا تختلف كثيرا عما يجري عموما في الندوات العديدة الأخرى ملاحظتين: الأولى أننا لا نزال نتحدث عن الاستبداد بصورة عمومية كما لو كان ماهية قائمة بذاتها لا تاريخ لها ولا تفاصيل في الوقت الذي يستدعي فيه الأمر اليوم، أكثر من أي حقبة سابقة، التمييز بين أشكال النظم المستبدة المختلفة ودراسة كل منها بطريقة علمية وتبين، في كل حالة على حدة، العوامل الخاصة التي تساعد على نشوئها وزوالها، أي ألا ننظر إليها كما لو كانت نسيجا واحدا. والملاحظة الثانية هي أننا نتحدث اليوم عن الاستبداد ونبالغ في ربطه بصورة اعتباطية بمصادرنا التراثية الثقافية والتاريخية كما لو كان طبيعة ثانية لنا، أو إرثا بيولوجيا لا يمكن التحرر منه، في الوقت الذي وصلت فيه نظم الاستبداد عندنا وعند غيرنا من الشعوب إلى نهاية الشوط، وهي تعيش اليوم بالفعل أزمة تاريخية تدينها بعدم القدرة على إعادة إنتاج نفسها وتفرض عليها تعديلات تبدو سطحية لكنها ستكون حاسمة على مصيرها في المستقبل.
ليس الاستبداد نظاما واحدا ولا ينبع من خصائص ثقافية أو إنتروبولوجية تدين هذا المجتمع أو ذاك. وليس للاستبداد قوام واحد وآليات متماثلة. وفي البلاد العربية يمكن تقسيم الاستبداد على الأقل إلى شعبتين متباينتي المنشأ والمآل معا. الأولى شعبة الاستبداد الأبوي القائم على استثمار نمط الشرعية التي أطلق عليها ماكس فيبر الشرعية التقليدية. وهو نمط يقوم على إلحاق الزعامة التقليدية المجتمع بها من خلال العلاقات الشخصية والعصبية وتقديس القيم التقليدية. ولا يستند في آلياته الرئيسية على العنف والقمع اليومي والدائم الموجه للفرد ولكنه يقوم على استثمار قوة الشوكة التابعة للعصبية الحاكمة والتي تمثل انتصارها التاريخي وقدرتها على عقد التحالفات متعددة المستويات مع العصبيات الأخرى، الخارجية منها والداخلية. وهو نمط من الاستبداد مختلف نوعيا في مصادر شرعيته وآليات عمله عن نمط الاستبداد التسلطي والشمولي الحديث الذي عرفته العديد من بلدان العالم ومنها بعض البلدان العربية والذي يعيش اليوم أزمة متفجرة بسبب تفاقم تناقضاته الداخلية وتناقض النتائج التي أسفر عنها مع أهدافه الأولية. وهكذا يتحول هذا النظام الذي ولد في العصر الحديث واستلهم في منطق نشوئه وعمله مبدأ الفاعلية والإنجاز الأقصى إلى أكثر أنماط الحكم جمودا حتى لم يعد هناك غاية يبرر بها وجوده سوى الحفاظ على الأمن والاستقرار وتخليد النخب الحاكمة في مواقعها وتأمينها على مصالحها. وهو لا يتورع في سبيل ذلك عن استخدام أي وسيلة لتحقيق السيطرة الشاملة، من تفكيك المجتمعات وحل عرى التواصل فيها وتحطيم جميع العصبيات وأشكال التلاحم التقليدية والتحكم المباشر بعمل المنظمات والمؤسسات الحكومية والمدنية الحديثة وتعقيم الشعوب والمجتمعات، أي قتل كل ما تنطوي عليه من وعي حي وإرادة مستقلة وديناميات وتوترات ودوافع وعواطف وأفكار وقيم وسلوكات إيجابية وخلاقة تشجع على التأمل والتفكير الموضوعي والنقدي وعلى التفاعل والتواصل بين الأفراد والجماعات وعلى إبداع أشكال متجددة للتعاون والتنظيم والعمل لا بد منها لانتظام أي حياة اجتماعية إنسانية طبيعية وسليمة. وهذا النظام الذي أطلقت عليه الأدبيات العلمية اسم نظام التعبئة الجماهيرية هو الذي نشأ في سياق الفكرة الثورية، القومية والشيوعية، التي كانت تعتبر التعددية السياسية والفكرية والحريات الفردية والحوارات والنقاشات الوطنية التي طورتها الحقبة الليبرالية - على طريق بناء نظام اجتماعي سياسي قائم على المشاركة وقابل للإصلاح والتعديل من الداخل وبوسائل سلمية انتخابية - باعتباره نوعا من الترف الذي لا يمكن للمجتمعات الفقيرة أو تلك التي تريد النجاح في معركة التنافس والحداثة أن تقدمه لنفسها. وكان الاعتقاد قويا في العقود السالفة بأن مثل هذا النظام هو الأفضل للشعوب النامية لأنه يوفر الجهد والوقت اللازمين لتحقيق قفزة استثنائية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولبناء الوطنية الحديثة على أنقاض مجتمعات قرسطوية مفككة وانقسامية. وهو ما يتضمنه مفهوم الثورة أو ما كان يصبو إلى تمثيله.
وقد قامت هذه الفلسفة على الاعتقاد بحتمية التحول التاريخي في اتجاه الاشتراكية ومن قبل الشيوعية وبالأهمية القصوى في ربح معركة التحول هذه لبناء نخبة طليعية قيادية موحدة وملهمة ومختارة، مالكة للحقيقة التاريخية وممثلة لمصالح المجتمع بأكمله، تأخذ على عاتقها توجيه الشعب المفتقر للوعي والوحدة والاتجاه كما توجه الآلة بالريموت كنترول وصبه في قالب واحد ليصبح كتلة واحدة تتحكم بها النخبة الطليعية وتحركها عن طريق وسائل إعلام وأدوات سياسية وإدارية تابعة للدولة ومحتكرة من قبل السلطة العمومية أو الحزب الواحد الذي يتحكم بها. لكن سرعان ما انهار وهم التحول التاريخي والتغيير المنشود وتحولت الفكرة الطليعية إلى ذريعة ومبرر للاحتفاظ بالسلطة وما أصبح يرتبط بها من سيطرة لا سابق لها في التاريخ على موارد البلاد المادية والسياسية والمعنوية من قبل نخبة كرست نفسها قيادة أبدية، وبالتالي فوق إنسانية وغير خاضعة للنقاش أو للحساب، وأعادت بناء الدولة والمؤسسات والقوانين والعلاقات العامة على مشيئتها وحسب ما يضمن استمرارها وبقاءها إلى ما لانهاية، أي بصورة تضمن السيطرة الكلية على هذه الموارد واحتكار الاستفادة منها واستخدامها.

* مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 01:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19