قوانين الكتابة في الرس اكس بي

         
         
         
         

 

 
 


 

أهلا هلا باللي لفوا من عنيزة أهلا هلا ماهل همال الأمطار
محافظ وأهالي الرس يحتفون بمحافظ وأهالي عنيزة تغطية مصورة
أهلا هلا باللي لفونا من عنــيزة ( صور من استقبال محافظ وأهالي عنيزة )
تغطية منتديات الرس أكس بي لزيارة أهالي محافظة عنيزة لمحافظة الرس
خالد بن محمد الحناكي جهود جبارة لإنجاح زيارة عنيزة للرس

 

مسابقة الرحلات لشهر ذو الحجة.. برعاية مركز الرشيد للاواني المنزلية

مســابقة الطــبخ برعاية محلات رومانس للمفارش


عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى الدعوي والقضايا الاسلامية

الإشعارات

المنتدى الدعوي والقضايا الاسلامية المواضيع والقضايا الإسلامية وعلوم الشريعة وما يتعلق بذلك على منهج أهل السنه والجماعة فقط.


موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم 11-10-2004, 01:20 PM   #1
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ سالم الصقيه
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 5,091
قوة التقييم: 11 سالم الصقيه is on a distinguished road

مقاصد الشريعة من الجناية إلى الرعاية

عبد الله بن بجاد العتيبي

مقاصد الشريعة من الجناية إلى الرعاية

التاريخ: الاثنين 2004/10/11 م


كانت لحظة إشراق الوحي الإلهي في الجزيرة العربية لحظة استثنائية في تاريخ أمة العرب والعالم أجمع، لقد قلبت تلك الرسالة الإلهية العالم بعدها رأساً على عقب فلم يعد العالم بعدها كما كان قبلها، فمنهجيات التفكير وسلوكيات البشر وتزكية النفوس التي جاء بها الوحي الإلهي ظلت حاضرة بقوة في بناء المجتمع والتاريخ المسلم حتى يومنا هذا .
لقد كان التعامل مع هذا الوحي خاضعا بحكم الطبيعة البشرية إلى قدرات البشر وإبداعاتهم في تمثّل النص الشرعي وتطبيقه على الواقع كما في حالات كثير من العلماء الباحثين عن مراد الشارع وتنزيله على الوقائع القائمة والمستجدة، كما كانت هناك محاولات حثيثة لتطويع هذا النص الشرعي لأهواء البشر ورغباتهم، ولا أدل على ذلك من تاريخ الصراعات المذهبية والكلامية وتاريخ المعارك السياسية في الإسلام ،حيث يظهر جليا مدى الخلل الحادث من جرّاء توظيف النص الشرعي لخدمة أهواء بشرية محددة سلفا جلب النص قسرا ليمنحها المشروعية المطلوبة في المجتمع المسلم .
لقد اختلفت -كما هو معلوم- مناهج العلماء والفقهاء في ضبط عملية الاستنباط الشرعي والتقعيد الفقهي لمحتوى النص ودلالاته الحرفية حينا والعامة حينا آخر ،أي باعتبار الجزئي والكلي، وتشكلت على ذلك مدارس فقهية معروفة في تاريخ الفقه الإسلامي .
لكن الذي ظلّ غائبا لمدة طويلة عن المشهد الفقهي والعلمي هو علم مقاصد الشريعة، وهو غياب غير مبرر في نظري، ذلك أنه علم يحكم اضطراب الجزئيات الفقهية الذي يصل حدّ التناقض أحياناً، وذلك بإرجاعها إلى الكليات الإيمانية والشرعية كالإيمان والمصلحة والعمران ونحوها، وهو علم ظلّ غائبا عن الحضور العلمي المنضبط والمنظّم حتى القرن الرابع الهجري، أي بعد تطور العلوم الأخرى وبلوغها شأواً كبيرا من الاستقلال العلمي والتطور المعرفي كعلوم الحديث واللغة والفقه وأصوله وغيرها، والسؤال هنا هو لماذا كان هذا الغياب؟
لقد لفت هذا الغياب نظر كثير من العلماء المتأخرين مع استحضار أن اعتبار "علل الأحكام" في استنباط الحكم في النص الشرعي كانت طريقة شائعة وأصلية لدى الصحابة والتابعين في القرن الأول الهجري، ولكنها عادت لتختفي من جديد حتى بدأ ظهورها لأول مرة بشكل علمي على يد الفقيه المالكي أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وتلميذه من بعده أبي حامد الغزالي، فقد كان الجويني عظيم العناية بمقاصد الشريعة يرددها في كتابه "البرهان" بشكل ظاهر مرة باسم المقصد والمقاصد ومرة باسم الغرض والأغراض حتى في بعض الأحكام الجزئية كالتيمم ونحوه، وإبداع الجويني الحقيقي فيما يتعلق بالمقاصد هو في تثبيتها كأصل شرعي معتبر وفي تقسيمها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات وهو التقسيم الذي اشتهر بعده وتناقله العلماء قرونا، ثم توالى عدد من العلماء بعد الجويني والغزالي على تقرير مقاصد الشريعة باعتبارها مبحثا من مباحث علم أصول الفقه حتى أتى العز بن عبد السلام فوسّع الحديث في المصالح في عدد من كتبه وكذلك القرافي وابن تيمية وابن القيم وقبلهما نجم الدين الطوفي الحنبلي صاحب نظرية تقديم المصلحة على النص في كتابه "التعيين في شرح الأربعين"، لأنها-أي المصلحة- كما يرى قطعية والنص ظني هكذا بإطلاق، وهو قول ظاهر الضعف بهذه الصياغة، حتى وصل هذا العلم أخيرا إلى الإمام الشاطبي فوسّع القول فيه كما لم يسبق لعالم أن فعل قبله، حتى اعتبره كثير من العلماء والباحثين مبدع هذا العلم ومنشئَه من الصفر، وهذا في نظري غير صحيح، ولكن ما يحمد له حقا هو أنه أول من "أفرد هذا الفنّ بالتأليف" كما يقول الشيخ عبالله دراز في مقدمته للموافقات، فجمع الشاطبي في "الموافقات" شرائد هذا العلم وقدّم محاولة علمية جادة وشاقة في ترتيب هذا العلم وتنظيمه بشكل علمي ومنهجي منضبط ومتسق ولن أجد أصرح من عبارة الشاطبي نفسه في مقدمة "الموافقات" حيث يقر بفضل من سبقوه مع تأكيده على أسبقيته في بناء هذا العلم على شكل متكامل وذلك في قوله : "فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغرّ الظان أنه شيء ما سمع بمثله ولا ألف في العلوم الشرعية الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله أو شكل بشكله، وحسبك من شر سماعه ومن كل بدع في الشريعة ابتداعه، فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبار ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبار، فإنه بحمد الله أمر قررته الآيات والأخبار وشد معاقده السلف الأخيار ورسم معالمه العلماء الأحبار وشيد أركانه أنظار النظار وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار، ووجب قبول ما حواه والاعتبار بصحة ما أبداه والإقرار" الموافقات
12/1.وتأكيداً لما أشار إليه الشاطبي فقد ربط بعض الدارسين بينه وبين مبدعي العلوم في التاريخ الإسلامي كالشافعي والخليل بن أحمد وغيرهم، فقارنه عبدالمتعال الصعيدي بالشافعي في إبداعه لعلم الأصول، كما ذهب رشيد رضا إلى أن الشاطبي بكتاب الموافقات يعد نظيراً لابن خلدون في المقدمة .
وبعيدا عن البحث التاريخي في نشوء هذا العلم وتطوره فإن ما أريد الإشارة إليه هنا هو أن هذا العلم لم ينل حتى بعد الشاطبي ما يستحقه كأصل من أصول العلوم والأحكام الشرعية، فقد ظل غائبا ومنزويا لقرون حتى بعثه من جديد الإمام محمد عبده وتلاميذه وبعض علماء تونس، وخاصة ما قام به الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه الرائع مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن بعده علاّل الفاسي، ثم توالت البحوث من بعد لهذا العلم وتطبيقاتها ووسائل إحيائه وتنميته، ومع ذلك فلا يزال حتى يومنا هذا يعاني من الاغتراب داخل منهجيات طلب العلم الشرعي في أكثر بلاد العالم الإسلامي، ولا يزال يعاني من تغييب شبه كامل عن الوعي الأولي لطلاّب العلوم الشرعية، وغير حاضر إلا فيما ندر في الفتاوى التي توزع صباح مساء على وسائل الإعلام وتبث في بطون الكتب، فلماذا غاب سابقا ولماذا يغيب إلى اليوم؟
يحاول الشيخ رشيد رضا أن يوجد مبررا لهذا الموقف المهمّش لمقاصد الشريعة كأصل وكعلم لدى العلماء المسلمين "ويعتذر لهم بأنهم كانوا خائفين على الشريعة من الهدم فيذكر أنهم :فرّوا من تقرير هذا الأصل تقريرا صريحا مع اعتبارهم كلهم له خوفا من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لاتباع أهوائهم وإرضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم" كما في كتاب الشاطبي ومقاصد الشريعة لحمادي العبيدي صـ
181.إنها السياسة يا سادة، تلك التي حرفت الكثير من العلوم الشرعية بل والنصوص الشرعية وطوعتها لمطالبها ورغباتها، تحضر من جديد - بحسب رشيد رضا - لتخفي علماً يعتبر من أهم العلوم الشرعية فهو العلم الذي يبحث في الغايات والأهداف والعلل، لا في الوسائل والأشكال والأجزاء، ومع وجاهة هذه الإجابة نوعا ما إلا أنها لا تمنحنا مبررا كافيا لتفسير هذا الغياب، ولكنها تقدم جزءا من الإجابة عن سؤال الغياب، ويمكننا أن نضيف إليها طبيعة الصراعات المذهبية والكلامية وبحثها الدائم والأولي عن حجج لإفحام الخصوم دون التركيز على اكتشاف أسرار الشريعة ومقاصدها، كما أن طبيعة العلوم التي تبحث في العلل والغايات تأتي متأخرة عن العلوم التي تبحث في الوسائل والآليات بمعنى أن علم المقاصد يعنى بعلم نهايات الأحكام لا بدايتها ووسائل إثباتها وما إلى ذلك .
لقد درج علماء الأصول والفقهاء في بيانهم لمراعاة الشارع لمقاصد الشريعة على التعبير بكلمة "حفظ" والتعبير عن مراعاة الخمس المذكورة بـ "الحفظ"، تعبير سلبي، ينطلق من ردة الفعل لا من الفعل، بعكس ما لو استخدمنا ألفاظاً إيجابية أخرى مثل "العناية" و"التزكية" و"التنمية" ونحوها من العبارات التي لا توحي بالاكتفاء بمجرد الحماية والحراسة بل تتجاوزه إلى معنى الرعاية والتنمية والبناء .
وما تبقى الإجابة عليه هو توضيح فكرة المقاصد كمفهوم شرعي، ومن ثمّ التساؤل عن مصدر المقاصد الشرعية هل هي ربانية أم بشرية؟ وإذا كانت ربانية، فما مسالك الكشف عنها؟ وهل مسالك الكشف عنها بشرية أم ربانية كذلك؟ ثم هل هي الخمس المعروفة "الدين والنفس والعقل والنسل والمال" فقط؟ أم يمكن الزيادة عليها والنقص منها وإعادة ترتيبها؟ كل تلك أسئلة مشروعة وملحة عند الحديث عن مقاصد الشريعة وهو ما سنكمله في المقالة القادمة.يتبع

للمراسلة: Bjad30@hotmail.com
سالم الصقيه غير متصل  
قديم 11-10-2004, 10:29 PM   #2
أديب مبدع
 
الصورة الرمزية لـ الفرزدق
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
المشاركات: 2,705
قوة التقييم: 8 الفرزدق is on a distinguished road

سألتُ قبل فترة طويلة في هذا المنتدى تحديداً عن الرجوع إلى الأحكام والرجوع إلى مقاصد الأحكام..

فشكراً لك أخي سالم..

وأتمنى أن يطول الموضوع حتى يشفي جهلي..
__________________
صباحاً .. اشتريت مفكرة للعام الجديد ..ومساءا أحرقت مفكرتي ..فاغفروا لي إن نسيت مواعيدي معكم .. إني بحاجة إلى موعد مع نفسي .. ولن أخلف موعدي مع ذاتي بأي ثمن.. فأنا التي اخترت منذ البداية أن أخسر العالم كله.. على أمل أن أريح نفسي

غادة السمان
الفرزدق غير متصل  
قديم 18-10-2004, 08:32 AM   #3
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ سالم الصقيه
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 5,091
قوة التقييم: 11 سالم الصقيه is on a distinguished road

عبد الله بن بجاد العتيبي

مقاصد الشريعة من الجناية إلـى الرعـاية (2ـ2)

التاريخ: الاثنين 2004/10/18 م


لم يكد النبي صلى الله عليه وسلم ينفض عنه غبار الخندق في غزوة الأحزاب حتى أمر الصحابة بالتوجه إلى بني قريظة الذين غدروا به ونكثوا العهد فقال للصحابة : "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم : بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم إن هذا الحديث الشريف يوضح بجلاء المدرستين الكبيرتين في التاريخ الإسلامي، تلك التي تأخذ بظاهر النص وحرفيته، وأختها التي تعنى بمقاصده وغاياته وأهدافه .
لقد علم الفريق الثاني أن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإسراع والتعجيل إلى بني قريظة كما هو رأي بعض الصحابة هنا وعليه جموع غفيرة من فقهاء المسلمين ولم يكن مقصوده ترك صلاة العصر حتى تغرب الشمس كما يرى ابن حزم وبعض الظاهرية .
من هنا أحسب أن فكرة "المقاصد الشرعية" أصبحت واضحة، ولزيادة توضحيها فإن الطاهر بن عاشور يرى أن مقاصد الشريعة هي "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها" فهي إذن الاهداف الكبرى المنتشرة في جميع أحكام الشريعة .
وهذه المقاصد هي مقاصد شرعية بمعنى أنها مقاصد ربانية إلهية في أساس وجودها، ولكن السؤال هنا عن مسالك الكشف عن تلك المقاصد العامة للشريعة هل هي ربانية كذلك أم بشرية؟ وهو سؤال له ما بعده، بمعنى أنها إن كانت ربانية فلا يجوز الزيادة عليها - أي مسالك الكشف - أو النقص منها أو إعادة ترتيبها، وإن كانت بشرية فيجوز فيها كل ذلك بحثا عن مزيد ضبط وتطوير كحال سائر العلوم التي تبدأ ضعيفة تتقوى بتعاقب الأذهان البشرية عليها .
والحق أن مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة هي اجتهاد بشري محض، ولهذا فقد اختلف العلماء في تحديدها فما كان يراه الشاطبي خالفه فيه ابن عاشور، ولم يفصح لنا الجويني ولا الغزالي عما يعتمدانه كأساس في تحديد المقاصد، وقد طوّر بعض الباحثين المعاصرين مسالك جديدة، ودون الدخول في تفاصيل اختلافهم في تحديد طرق أو مسالك الكشف عن المقاصد الشرعية فإن من أهمها -من وجهة نظري- مسلك "الاستقراء" والمقصود بالاستقراء هنا هو تتبع معنى من المعاني في النصوص الشرعية الظنية حتى يحصل من تضافرها ما يفيد إثبات المعنى كمقصد شرعي مطلق، وهو مسلك الشاطبي الأثير في تتبع مقاصد الشريعة حيث يقول عنه في الصفحات الأولى من كتابه الموافقات "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده وأضم من شوارده تفاصيل وجملا، معتمدا على الاستقراءات الكليّة ...في بيان المقاصد الشرعية" .
ما ينتج عن هذا التأصيل بشكل تلقائي هو أن طرق ومسالك الكشف عن مقاصد الشريعة هي طرق بشرية محضة، ينطلق فيها الفقيه والعالم من مجتمعه ومحيطه وظروفه المكانية والزمانية باحثا ومنقبا عما يصلحها في النصوص الشرعية فيكتشف ويحدّد من خلالها ما يراه من مقاصد الشريعة، وربما فسّر لنا ذلك تحديد الجويني للمقاصد في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، لقد كانت تلك هي المسائل الأكثر إثارة للصراعات والانتهاكات في عصره، وقد تغيّر الأمر من بعده، فأصبح كثير من العلماء ينتقدون حصر المقاصد في هذه الخمس، فابن تيمية بعقليته الفقهية المتجددة والفذّة، وبرغم ما يعلمه من زعم الآمدي الإجماع على أن المقاصد الضرورية خمس، يقول -أي ابن تيمية- "وقوم من الخائضين في أصول الفقه، وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد، ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان أخروية ودنيوية جعلوا الأخروية مافي سياسية النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجا لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة، وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعهود وصلة الأرحام وحقوق المماليك والجيران وحقوق المسلمين بعضهم على بعض وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق"، وهذا النقل -على طوله- يوضح جليا أن فكرة اختصار المقاصد الشرعية الكبرى في خمس فقط، كانت فكرة واضحة الضعف في فكر فقيه بحجم ابن تيمية .
وبما أن اكتشاف مقاصد الشريعة وترتيبها أمر بشري، يعتمد على القدرة البشرية في استقراء النصوص واستلهام معانيها الكبرى وجمعها إلى بعضها في سياق واحد متكامل، فقد حاول بعض العلماء المعاصرين تقديم فهوم جديدة لحفظ الضروريات الخمس، كما قدموا مقاصد جديدة لم يفردها السابقون بالبحث والاستقراء والتركيز، فالإمام الطاهر بن عاشور يقترح إضافة، الحريّة والمساواة كمقصدين شرعيين عامّين، والدكتور طه جابر العلوان يقترح إعادة تنظيم المقاصد الشرعية الكبرى في ثلاثة مقاصد لا خمس كالتالي : التوحيد والتزكية والعمران، كما يرى الدكتور أحمد الخمليشي أن "حرية الفرد" من مقاصد الشريعة الكبرى، وغيرهم من العلماء والباحثين الذين لم يزالوا يقرّون بإطلاقية الوحي ومحدودية التفاسير البشرية له، فيستمرون في الخضوع للأمر الإلهي بتدبر النصوص وتعقلها واستنباط الأحكام الفقهية منها، لأن ذلك تكليف لكل المسلمين لا لحقبة معينة أو قرن محدد فقط .
وأحسب أننا حين ننطلق من الإيمان بقيومية الوحي ورعايته لحاجات البشر، لن نجد غضاضة في البحث عن ضروراتنا في النصوص، لا بغرض عسف النصوص لأهواء بغرض إخضاعها لأهواء البشر، وإنما لإيمان عميق بأن ضرورات البشر المتجددة لا بد أن يكون لها حضور بارز في نصوص الوحي الإلهي المقدّس، وسيراً على جادّة الباحثين فإنني أقترح تنظيم بعض المقاصد الشرعية عبر مقصدين أساسيين هما : العدل والكرامة الإنسانية .
أما العدل فيشمل الحرية، والمساواة، والشورى، وحرية الفرد، ونظام الحقوق والواجبات ونحوها من الفروع التي تصب في تأكيد مركزية تحقيق العدل في شتى مناحي الحياة في دلالات النصوص الشرعية، وأدلة هذا المقصد أكثر من أن تحصى في النصوص الشرعية وبطرق جمّة من الدلالات على كل المستويات، ومن ناحيتي الوجود والعدم تلك التي ركز عليها الأقدمون .
وأما الكرامة الإنسانية فيدخل تحتها، مقصد العلم وحق التعليم وهو من أظهر المقاصد شيوعا في النصوص الشرعية، وكذلك الصحة وحق الرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية والحق في السكن والعيش الكريم، والمشاركة السياسية وكل ما يدخل في هذا المجال الواسع من أحكام وحكم تفصيلية جزئية وهي - كذلك - أكثر من أن تحصى في مقالة عابرة.
إن علم مقاصد الشريعة - في نظري - هو المجال الطبيعي والرحب للجمع الفاعل بين روح الشريعة وكليّاتها العامة المعتبرة، وبين منتجات الفكر المعاصر وتقنياته وآلياته الحديثة، دون السقوط في وحل التفاصيل الجزئية التي طالما حجبت الرؤية لدى محدودي الأفق على طول التاريخ البشري والإسلامي تحديداً، خصوصا حين تعود تلك الجزئيات بالإبطال على الكليّات المعتبرة والمقاصد المرعيّة .
كلّنا أمل أن تعود الحياة لهذا العلم من العلوم الشرعية، بعثا للحياة في عروق الفقه والعلوم الشرعية التي التهما منذ زمن ليس بقريب فكر عصور الانحطاط الفقهية والعلمية في تاريخ المسلمين، عبر تضخيم أهمية الحفظ والترديد والتكرار على حساب الفقه والفهم والإبداع، وهي جناية طالت بشؤمها علم مقاصد الشريعة، وكم ستحسن وتنتج جامعاتنا الإسلامية -على سبيل المثال- حين توجه عناية طلاّبها وخرّيجيها إلى الدخول في تفاصيل هذا العلم، والبحث -مثلاً- عن مقاصد الاقتصاد في النصوص، ومقاصد الاجتماع، ومقاصد المعرفة وغيرها من المسائل التي يشكل البحث فيها ربطا مباشرا بين النص والواقع، بين التوجيه الإلهي والجهد البشري، بين مقاصد الشارع وضرورات البشر، أحسب أنها مثل هذا التوجه سيبعث الحياة في مناطق فكرية دب إليها الموات وسعى إليها الخراب في أذهان كثير من ناشدي العلم ومحبي المعرفة وبخاصة أولئك المعنيون بعلوم الشريعة كما صيغت في العصور المتأخرة لا كما أصّلت في النصوص أو تداولها الصحابة في القرن الأول، ولتحوّل الباحثون من مجرّد نقلة لما كتب في غابر الدهر عبر تحقيق مخطوطة ما لمؤلف ما، إلى عناصر فاعلة ومنتجة ومبدعة تثري الرصيد المعرفي وتفيد المجتمع بفتح مسارات جديدة للمعرفة والعلم والإنتاج، كما تساهم في فك اختناقات علمية وعملية واقتصادية واجتماعية لم يزل المجتمع يردح تحت نير تناقضاتها صباح مساء عسى أن يلوح له فرج الحركة بعد السكون والإنتاج بعد الاستهلاك والعلم بدل التكرار .

للمراسلة: Bjad30@hotmail.com
سالم الصقيه غير متصل  
موضوع مغلق



يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


الساعة الآن +3: 10:14 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.1
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0 ©2007, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46