العودة   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > الرياضة و السوالف و التواصل
التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

الرياضة و السوالف و التواصل لكل ما يخص الرياضة، و لتبادل الأحاديث المتنوعة و الترفيه.

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-12-2004, 05:10 PM   #1
سالم الصقيه
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
الدولة: الرس
المشاركات: 7,636
معدل تقييم المستوى: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
افتراضي الدكتور محمد طرهوني في حوار صريح حول تصريحات الشيخ العبيكان: رب فتوى تضج منها السماء!

الدكتور محمد طرهوني في حوار صريح حول تصريحات الشيخ العبيكان: رب فتوى تضج منها السماء!!!
خدمة العصر
17/11/2004

-------------------------------------------------------------------------------
شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، قال تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا".
يوسف عليه السلام كان نبيا كريما مقيما للعدل وليس عميلا للمحتل
إذا كان الفقه هكذا، فالخوارج يستدلون بخروج الأنبياء على ولاة أمرهم.
في حوار مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن رزق بن طرهوني أستاذ مادة التفسير وعلوم القرآن في كلية التربية سابقا وفي جامعة المدينة العالمية حاليا وصاحب المؤلفات المشهورة في التفسير وعلوم القرآن، حول الضجة التي أثارتها استدلالات الشيخ عبد المحسن العبيكان بشأن منع قتال الأمريكان في العراق، وطارت بها بعض وسائل الإعلام السعودية ونفخت فيها وصنعت منها حدثا بارزا، وهكذا الصناعة الدعائية ترفع من يوافق هواها، وتبخس من لا ترضى عنه، ورب فتوى تضج منها السماء..، فند الشيخ طرهوني حجج ومزاعم العبيكان وأفاض في الرد.
* فضيلة الدكتور محمد طرهوني كلنا نقرأ سورة يوسف ونعجب من أحداث القصة ووقائعها وقد استنبط الشيخ العبيكان من تولية حاكم مصر الكافر يوسف عليه السلام خزائن الأرض صحة ولاية من نصبه الكافر على المسلمين كما هو الحال في العراق، فما رأي فضيلتكم في هذا الاستنباط ؟
- غفر الله لأخينا الشيخ عبد المحسن العبيكان، فشتان بين الحالين وما أبعد هذا الاستدلال عن الصواب بل لو لم نعرف عين القائل بذلك لقلنا إنه إما جاهل أو مدفوع الأجر، ولكن كما قال كثير من العلماء من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، والشيخ ليس من أهل التفسير وغالب انشغاله بالقضاء الذي يستنفذ وقت القاضي ويشغله، ولعله السبب في عدم ترقي الشيخ في الدرجات العلمية. ومع وضوح الخلل في هذا الاستدلال لابد لنا أن نبين أوجهه حتى لا يغتر به أحد فنقول:
الرد على هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الأول : جميع أهل العلم يعرفون أن هناك مسألة خلافية تسمى مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ والذي أجمعت عليه الأمة هو أن شرع من قبلنا إذا خالف ما ثبت في شرعنا فهو منسوخ به لا محالة.
وأما إذا لم يخالف فوقع فيه الخلاف والجمهور على أنه ليس شرعا لنا إلا إذا سيق مساق المدح والثناء.
قال النووي في المجموع 5/92: شرع من قبلنا للأصوليين من أصحابنا وغيرهم خلاف في الاحتجاج به إذا لم يرد شرعنا بمخالفته، أما إذا ورد بخلافه فلا حجة فيه بالاتفاق.
وقال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج 2/198 : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا على الصحيح وإن ورد في شرعنا ما يقرره خلافا لبعض المتأخرين.
وذكره الغزالي في المستصفى1/165 في الأصل الأول من الأصول الموهومة التي ليست من الأدلة وهو شرع من قبلنا من الأنبياء فيما لم يصرح شرعنا بنسخه.
وذكره ابن قدامة في روضة الناظر 1/160 _ 161 في الأصول الأربعة المختلف فيها، فقال: الأصل الأول شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه هل هو شرع لنا ... فيه روايتان ثم ذكر سبعة أدلة على القول بأنه ليس بشرع لنا.
قال ابن العربي: لا ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته منفردان بشريعة وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم أتباعه أم لا
ومن الأدلة على كون شرع من قبلنا ليس شرعا لنا قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.
وقوله: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وقد ذكر سبحانه عن بني إسرائيل أنه كان من شروط توبتهم من عبادة العجل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا وهذا محرم في شريعتنا أشد التحريم.
وذكر أيضا أنه تعالى حرم عليهم طيبات أحلت لهم فقال: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. وقال: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، والنصوص في ذلك كثيرة.
ولماذا نبتعد، فإن سورة يوسف نفسها بها من أحكام بني إسرائيل التي لا تجوز في شريعتنا مواضع ومنها:
حكم يوسف عليه السلام بشريعة بني إسرائيل في استرقاق السارق، حيث استرق أخاه بتهمة السرقة كما قال تعالى: قلوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
وأيضا السجود لغير الله حيث كان سائغا في شريعتهم كما قال تعالى: ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا.
والبعض يظن جهلا أن قوله تعالى: فبهداهم اقتده، المراد به فروع شرائعهم، والذي لا خلاف فيه أن ذلك خاص بأصول التوحيد ونحوها والانصياع لدين الله إجمالا. قال القرطبي 16/164 : ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح وإنما خالف بينها في الفروع حسب علمه سبحانه.
ولو سحبنا فقه العبيكان على مسائل أخرى، لقلنا إنه يدعو إلى الخروج على ولي الأمر إقتداء بموسى عليه السلام حيث خرج على ولي أمره فرعون مصر، وكانت مصر قد دانت له فخرج موسى عليه وأنكر عليه علنا وألب الناس ولم يرع تربية فرعون له ورعايته له وإنفاقه عليه. وكذا ما فعله إبراهيم عليه السلام عندما خالف والده واتهمه وقومه بالضلال ثم قام بتغيير المنكر بيده مفتئتا على ولاة أمره وأولهم والده فكسر الأصنام وكان يمكن أن يكتفي بالنصح والتوجيه والدعوة السلمية.
وكذا سائر الأنبياء في خروجهم على ولاة الأمر في زمانهم على حد زعم العبيكان.
إلى غير ذلك من صور تدل على فساد هذا الفهم.
إذن لا يصلح الاستدلال بتلك القصة لأنها من شرع من قبلنا.
الثاني: لو سلمنا جدلا بأن شرعهم شرع لنا فالبعد بين الدليل والمستدل عليه بعد ما بين المشرقين ومع غض الطرف عن كون يوسف عليه السلام نبي كريم مؤيد من الله، فلا يمكن أن يقارن برجل عادي فضلا عن بعثي خائن، فإن يوسف عليه السلام كان:
عبدا، أسيرا، مسجونا، وحيدا، في بلد غير بلده، غير مأمور بقتال، لم يعتد عليه الملك ولم يسلب منه أرضه ويقتل أهله وينتهك عرضه. ثم ولاه الملك لثبوت صلاحه وعلمه وخوله ليحكم بشريعة الله تعالى كيفما شاء دون سلطان من أحد عليه كما قال تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ....
وأي أمر أعظم من التمكين في الأرض ؟؟
فأقام يوسف العدل وحكم بالقسط ولم يكن ثمة قتال وحرب ولا دماء ولا أشلاء.
وأما الحالة المستدل بها، فجيش كافر مستكبر متجبر أهلك الحرث والنسل وتعاون معه الخونة والأفاكون ومتاجرو الأعراض أمر الله سبحانه بقتالهم ودفعهم وحرم الفرار من أمامهم فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.
وقال صلى الله عليه وسلم: من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد... إلى غير ذلك من النصوص المستفيضة التي امتلأ بها الكتاب والسنة.
فلما رأى هذا الجيش الكافر إباء المسلمين ومناجزة بائعي الأنفس لرب العالمين أتوا بعميل لهم ليكون عصا الردع للمجاهدين الذين يذودون عن حياض الدين وعرض المؤمنين بخطة بلهاء لا تنطلي إلا على السفهاء وساذجي التفكير.
الثالث: أن المسائل الشرعية التي استفاضت فيها الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة، فكيف يترك هذه النصوص الأصلية في المسألة بعينها، ويذهب الذاهب بعيدا بعيدا بعيدا ليلتقط له شبه شبهة يحاول أن يتعلق بها ليعزز بها قولا شاذا بمعزل عن الصواب، فالنصوص الشرعية في دفع المحتل ومجاهدة الباغي والاعتماد على الله في ذلك فهو المولى وهو النصير والاعتقاد بأن النصر ليس بالعدد والعدة نصوص متواترة لا يختلف عليها أحد من العقلاء فضلا عن العلماء.
ولنتخيل شخصا نكلمه في حجاب المرأة المسلمة ووجوب ستر بدنها عن الرجال الأجانب وعدم اختلاطها بهم، فيأتي ويترك الآيات والأحاديث المستفيضة في ذلك ويستدل على جواز كشف عورتها واختلاطها بقوله تعالى: فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها!. أو بقوله: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أو بقوله: وامرأته قائمة فضحكت ...ونحو ذلك. فنقول له رويدك... أين أنت عن قوله تعالى: قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن... الآية. وأين أنت عن قوله : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... الآية
أعميت عن هذه الآيات وأبصرت تلك؟
فكذلك نقول: أين أنت عن قوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. أين أنت عن قوله: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. أين أنت عن قوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب. أين أنت عن قوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة
والآيات كثيرة فضلا عن الأحاديث وفيما ذكرنا كفاية.
* كلام جميل، لكن الشيخ العبيكان قد أيد كلامه عن هذه الآية بنقول عن العلماء فما قولكم؟
- نعم لقد اطلعت على نقوله ولكنها في واد والمسألة في واد آخر، فهذه النقول عن هؤلاء العلماء:
أولا: على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وقد تقدم ما فيه.
ثانيا: أنها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما ذهب إليه الأخ الشيخ العبيكان، لأنها تتكلم عن تولية حاكم ظالم أو كافر في دولته رجلا مسلما في ولاية فهل يجوز ذلك أم لا؟ يعني في أمريكا مثلا أو في بريطانيا أو فرنسا أو حتى في أسبانيا التي كانت دولة إسلام سابقا واستولى عليها الكفار، هل يجوز للمسلم أن يعمل لدى هذه الحكومة الكافرة؟
ولم يتعرضوا البتة لجيش كافر اجتاح بلاد المسلمين وهم في جهاد معه ومناجزة وأراد أن ينصب عليهم عميلا له عليهم ليوقف جهادهم لأنهم متفقون بداهة وبالإجماع الذي لا يعرف أحد في تاريخ الإسلام يخالفه على قتاله ودفعه بكل ما يمكن من الوسائل.
ثالثا: إنهم اشترطوا شروطا لقبول عمل المسلم لدى الكافر وهي أن يقوم بالعدل والقسط ويطبق شريعة الله في ولايته.
* ومما استند إليه الشيخ العبيكان أن أمريكا قد وعدت بالخروج من العراق إذا توقفت مهاجمتها فلو انتظرنا ذلك ثم لكل حادث حديث بعد؟
- أقول: هذا كلام عجيب أين نحن من آيات ربنا:
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا
أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم
ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر
هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم
هؤلاء سفلة مجرمون لا خلاق لهم ولا أيمان ولا عهود ولا مواثيق ما الذي جاء بهم إلى ديار المسلمين بعتادهم وعدتهم في حملة صليبية شعواء إذا كانوا يريدون الخروج؟ هل من جاء بالآلاف المؤلفة وأنفق المليارات وقطع المسافات الطوال ليقتل ويدمر الأبرياء والعزل وينتهك أعراض المسلمين سيخرج، والله لا يخرجه إلا الجهاد.
وأنا أنصح العبيكان وأمثاله ممن تنطلي عليهم ألاعيب هؤلاء السفلة بقراءة كتاب سياسي لرجل مسلم معروف متمكن فيما كتب وهو من رجالات المملكة المشاهير ومن المسئولين السياسيين وهو الدكتور فهد العرابي الحارثي وكتابه هو أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل، فلو قرأ فيه قليلا لعلم أن أمريكا لم تكن يوما في حياتها نزيهة، بل يحوطها الإجرام والظلم وأكل الضعفاء والسذج.
* إذن أنتم تؤيدون ما ذهب إليه العلماء الست والعشرون فيما دعوا إليه؟
- أنا أؤيد كل إنسان سواء أكان عالما أم غير عالم واحدا أم جماعة يقول بوجوب محاربة المحتل وطرده من أراضي المسلمين، لأن هذا إجماع من الأمة ومن يخرق هذا الإجماع يخشى عليه قال تعالى: ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.
وأما بالنسبة لهؤلاء العلماء، فهم معروفون وأكثرهم من حملة الدكتوراة وأساتذة الجامعات وهم من أعلى الناس علما في المملكة، ولا يعني هذا أنهم لا يخطئون ولكنهم حووا من هم أفضل علما وأكبر سنا وأكثر عددا وأنشط في الدعوة والتأليف من الشيخ العبيكان، مع احترامنا للجميع فبعضهم لو انفرد وحده تجده أفقه وأعلم من الشيخ فكيف بالمجموع؟ نفع الله بهم جميعا.
* لكن الشيخ العبيكان نصح أن يكون المرجع في مثل هذه الأمور المصيرية الهامة لهيئة كبار العلماء فما تعليقكم على ذلك؟
تعليقي أن هذه أعظم أضحوكة في كلامه هداه الله لأنه أول من ناقض نفسه يقول المرجع لهيئة كبار العلماء ويطلق لنفسه هو وحده أن يخلط بمثل هذه الفتاوى العجيبة ولو كان أحد أعضاء الهيئة لما جاز له على حد كلامه أن ينفرد فكيف وهو حتى لم يتم تعيينه فيهم.
وقديما قالوا: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقالوا: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض
وعلى كل هيئة كبار العلماء جهة رسمية معينة أفرادها لا يزيدون علما عن غيرهم من أهل العلم، بل هناك من هو أعلم منهم بلا جدال ولا ريب، وكل ما في الأمر أن هذه جهة معتمدة لدى الدولة في أوقات الحاجة.
أيضا هذه الهيئة غير معتمدة في غير المملكة، وهناك جهات كثيرة مثلها معينة من قبل دولها ومسألة العراق مسألة إسلامية غير مقتصرة على دولة دون أخرى وليست حكرا على من عينتهم الحكومات .
والعجيب في الأمر أيضا أن الشيخ خالف ما أجمعت عليه الهيئة في فتواه في السحر وخالف لجنة الإفتاء التي هي جهة الإفتاء الرسمية في برنامج طاش ما طاش إلى غير ذلك من المخالفات التي ندعو الله أن يقلع عنها ويتوقف عن الشذوذ بها.
* آية أخرى والحديث ذو شجون قوله تعالى: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" احتج بها الشيخ العبيكان على عدم مناصرة أهل العراق للمواثيق التي بين أمريكا وغير العراقيين فما رأيكم؟
أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد اتفق أهل العلم على تحريم وتجريم أن يقول أحد في كتاب الله برأيه ودون أن يعرف أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وما إلى ذلك. وهذه الآية لها سبب متعلق بها ومذكورة في المنسوخ ولا علاقة لها إطلاقا بأحد من المسلمين بعد نسخ وجوب الهجرة إلى المدينة على كل مسلم، فهل هناك أحد يجب عليه الهجرة الآن إلى المدينة من أهل العراق وغيرهم ويرفض هذه الهجرة فيعاقب بذلك ؟
هل يجوز لعاقل أن يأخذ بعض الآية ويترك بعضها وهي كلها متصلة ببعض ؟؟
الآية تقول: "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق"، فالضمير في قوله: استنصروكم، راجع للذين آمنوا ولم يهاجروا.
فهل كان أهل العراق من الذين آمنوا ولم يهاجروا؟
قال الطبري: يعني بقوله تعالى ذكره [والذين آمنوا] الذين صدقوا بالله ورسوله [ولم يهاجروا] قومهم الكفار ولم يفارقوا دار الكفر إلى دار الإسلام [ما لكم ] أيها المؤمنون بالله ورسوله المهاجرون قومهم المشركين وأرض الحرب [من ولايتهم] يعني من نصرتهم وميراثهم [من شيء ] حتى يهاجروا قومهم ودورهم من دار الحرب إلى دار الإسلام [وإن استنصروكم في الدين ] يقول إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا [في الدين] يعني بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين [فعليكم] أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار [النصر إلا] أن يستنصروكم [على قوم بينكم وبينهم ميثاق] يعني عهد قد وثق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه.ا.هـ
وجملة ما قاله الرازي في هذه الآيات من هذه السورة وهي الأنفال أن الله تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك.
أما القسم الأول فهم المهاجرون الأولون وقد وصفهم بقوله: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجـاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله".
وأما القسم الثاني من المؤمنين الموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم فهم الأنصار، وقد وصفهم الله بقوله والذين آووا ونصروا. وقد وصف الله هذين القسمين بأنهم هم المؤمنون حقا وأن بعضهم أولياء بعض
والمراد بالولاية كون بعضهم معظما للبعض مهتما بشأنه مخصوصا بمعاونته ومناصرته والمقصود أن يكونوا يدا واحدة على الأعداء وأن يكون حب كل واحد لغيره جاريا مجرى حبه لنفسه وكذا يكونون شركاء في الفيء والغنيمة ويدخل في ذلك أيضا التوارث بينهم وقد نسخ هذا بعد.
والقسم الثالث من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المعنيون بالجزء المستشهد به باطلا هم المؤمنون الذين ما وافقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وبقوا في مكة مخالفين أمر الله تعالى لهم بالهجرة، فنفى الله عنهم الولاية التي أثبتها لمن هاجر، ولا نصيب لهم في الفيء ولا الغنيمة ولا الإرث حتى يهاجروا يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول إن ترك الهجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه فلا شك أن هذا يصير مرغبا له في الهجرة والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة.
ثم قال تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر فلما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا، إن استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم، روي أنه لما نزل قوله تعالى مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا قام الزبير وقال فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا فنزل وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، ثم قال تعالى إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك.
ومما قاله الرازي هنا 15/168 واضح الدلالة حيث قال: ذكر الله ههنا أقساما ثلاثة فالأول المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضا.
والقسم الثاني المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكما متوسطا بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول تكون منفية عن هذا القسم إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال.
والقسم الثالث هم الكفار قال: وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة بوجه من الوجوه فظهر أن هذا الترتيب في غاية الحسن.
وقال القرطبي 8/57: وإن استنصروكم في الدين، يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته. قال ابن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو...ا.هـ
وقد كانت الهجرة فرضا وكان شأنها عظيما قال القاضي أبو يعلى: إلى أن فتحت مكة. وكان الذي يرجع لباديته بعد هجرته يعتبر قد وقع في كبيرة من الكبائر عبر عنها بالردة في نصوص كثيرة.
وقد روى أحمد وغيره بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه فقلت هات يدك واشترط علي وأنت أعلم بالشرط، فقال أبايعك على أن لا تشرك بالله شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتنصح المسلم وتفارق المشرك. وعنه أيضا عند البيهقي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة.
على أن مسألة الميثاق وبقائه مع الكافر ذهب بعض أهل العلم إلى نسخه فقال الكرمي في الناسخ والمنسوخ إنها منسوخة بآية السيف التي فيها قتال المشركين كافة.
وواجب على كل المسلمين مناصرة إخوانهم على من اعتدى عليهم ومجرد اعتداء الكافر على أخيك المسلم يعتبر ناقضا لأي ميثاق وعهد بينك وبينه ولا يمنعك هذا الميثاق لأنه لم يعتبر إلا في الحالة المنسوخة كما قال أبو عبيد في الأموال 1/276 : ألا تسمع لقوله: "والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا فهذا بين واضح أن الهجرة هي التي فرقت بين الحكمين".
* في نهاية هذا الحوار نشكر فضيلة الدكتور محمد طرهوني على ما تفضل به ونطلب منه كلمة نختم بها حديثنا.
في ختام هذا الحوار انتهز الفرصة لأنصح نفسي وإخواني بالتريث في الفتوى وعلى وجه الخصوص هذه القضايا المصيرية التي يترتب عليها سفك دماء المسلمين وأخص الشيخ العبيكان، حيث تسرع في أمور واضح بطلان استدلالاته فيها وخطورتها ودعمها من حيث لا يشعر لأعداء الملة، وقد قدر الله لي لقاء أحد علماء العراق الكبار في هذا العيد ودار بيني وبينه حوار حول الوضع عندهم، وقد ذكر لي أنهم يشكون في إسلام من يقول بمثل قول الشيخ العبيكان أو على الأقل في انتمائه لأهل السنة، وذكر لي نقلا عن مجلس الفلوجة الذي فاوض العلاوي لحقن دماء أهلها أنه بعد اتفاقهم تماما نقض كل شيء في اليوم التالي بناء على تعليمات بوش، وأنه لابد من اجتياح الفلوجة فذهبوا للرئيس المعين من قبل الاحتلال، فقال ما معناه ليس بأيدينا شيء. فالمحتل يريد إبادة الأخضر واليابس والقضاء على أهل السنة بمعاونة العملاء والخونة وغيرهم في حرب صليبية لا هوادة فيها، وما أقبح منظر القوات الأمريكية وقد اتخذوا بيوت الله المطهرة مرتعا لهم كما في الصور المنتشرة على شبكة الإنترنت وغيرها، مما يدلل على أنهم لا يريدون إلا إذلال هذا الدين والقضاء على أهله ولكن الله غالب على أمره وناصر دينه والأخبار تسر وتبشر بالخير والقتلى في صفوف الكفار بالآلاف المؤلفة، وقد أخبرني هذا العالم العراقي أنه إذا قتل من الكفار عشرة قيل جرح واحد جرحا خفيفا تضليلا ودجلا وكذبا، ولكن أظهر الله الكثير من الحقائق رغما عنهم وما ينتظرهم أسوأ بإذن الله نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا عليهم وأن يكون في هذه الحرب نهايتهم "وإن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون".

http://www.alasr.ws/index.cfm?fusea...0&categoryID=19
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متواجد حالياً  
قديم 12-12-2004, 01:14 PM   #2
سالم الصقيه
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
الدولة: الرس
المشاركات: 7,636
معدل تقييم المستوى: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
افتراضي

دراسات علمية

حوار مع الشيخ العبيكان حول جهاد الدفع

د. أحمد بن محمد الخضيري
28/10/1425
11/12/2004




صدر البيان الذي وقع عليه عدد من أساتذة الجامعات والمتخصصين في العلوم الشرعية ، ومضمون هذا البيان هو في نصرة إخواننا المسلمين المضطهدين في العراق الذين تكالبت عليهم قوى الشر وأرادت منهم الخنوع والذل ، وأعملت فيهم يد القتل والتشريد والأسر ،وقد تضمن البيان توجيهات ونصائح لإخواننا في العراق يفرح بها كل مسلم ، ولم يأت البيان بأمر مخالف لما عليه جماعة المسلمين كي يثير هذه الضجة المفتعلة التي أشعلتها بعض وسائل الإعلام ، ولهذا فإن علماء المسلمين يكادون يتفقون على مضمون البيان ، وقد لقي بعد صدوره قبولا حسنا لدى العلماء المهتمين بأحوال المسلمين في مختلف بلدان العالم الإسلامي ، فعلى سبيل المثال رحبت هيئة علماء المسلمين في العراق التي يرأسها الشيخ : حارث مثنى الضاري بالبيان ، كما أصدر مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيروت بيانا مشابها لهذا البيان ، وأصدرت رابطة علماء الصومال بيانا مماثلا استنكروا فيه الاعتداء على المسلمين في العراق ، وأوصوا عموم المسلمين بالوقوف إلى جانب إخوانهم في العراق ، كما قام جمع من علماء اليمن بتأييد هذا البيان والمصادقة عليه .

وفي المقابل كان لهذا البيان عدد من المعارضين ، وهؤلاء المعارضون عند استقراء حالهم نجد أنهم لا يخرجون عن أحد صنفين :
الصنف الأول : عدد من غير المختصين بالعلوم الشرعية من الصحفيين، ولهذا تجدهم في ردودهم لا ينطلقون من منطلقات عقدية أو مبادئ شرعية يمكن محاكمتهم إليها ، وقد أجلبوا على هذا البيان وشنعوا عليه ، وأكثروا من النكير دون أن يكون لهم سند علمي يمكن مناقشتهم فيه، ولهذا لم يتحرج بعضهم من وصم معدي البيان بالإرهاب والتشدد ،والكذب عليهم بأنهم يحرضون الشباب على الذهاب إلى العراق والجهاد هناك ، مع أن هذا لم يرد في البيان لا من قريب ولا من بعيد ، لأن البيان موجه أساسا إلى المسلمين في العراق، ولم يبرزوا من البيان ما يصدق هذه الفرية ، وتغافلوا عن فتاوى متعددة لأهل العلم الموقعين على البيان تنص صراحة على عدم جدوى ذهاب الشباب إلى العراق ، لعدم تحقق المصلحة من ذهابهم ، وقد ذكر كثير من أهل العراق أنهم ليسوا بحاجة إلى من يأتي إليهم من خارج بلادهم ، لأن هذا قد يثير عليهم من المشاكل أكثر مما ينفعهم .
وحرص بعضهم على استعداء ولاة الأمر.
وقد تجاوز بعض هؤلاء وحاول أن يختلق رابطا بين ما يحصل في هذه البلاد المباركة من أعمال تخريبية إجرامية من قبل بعض من شذ في فكره وتصرفه وما تضمنه هذا البيان من ذكر لمشروعية جهاد الدفع في العراق مع أن البيان موجه أساسا إلى أهل العراق الذين ابتلوا في أنفسهم وديارهم، وموقف المشايخ في بلادنا ومنهم الموقعون على هذا البيان واضح بحمد الله في إدانة وتجريم مثل هذه الأعمال التي تقع في المملكة ، وقد كانوا من أوائل من فند أفكار هذه الفئة وشبهاتها ، وصبر على مناقشة أصحابها قبل أن تقودهم هذه الأفكار إلى الأعمال التخريبية ، ولكن الهوى يعمي ويصم .
وماذا ينقم هؤلاء من البيان وقد تضمن النصيحة لأهل العراق بالإخلاص ، والتوجه الصادق إلى الله تعالى ، والتخلي عن المطامع ، والحرص على المحافظة على وحدة العراق ومصالح البلد وأهله ، وتضمن التأكيد على حرمة دماء المسلمين وأعراضهم ، وضرورة السعي إلى حقنها ، والبعد عن الأعمال التي تشوه سمعة الإسلام والمسلمين ، والتحذير من الانجرار إلى إثارة المعارك الداخلية وتجنب أسباب الفتن والاحتراب ، وتضمن الدعوة إلى الإصلاح والبناء والعمار المادي والمعنوي والأعمال الإنسانية والتربوية والعلمية ، وتضمن دعوة المسلمين في العالم إلى الاهتمام بشأن إخوانهم المضطهدين في العراق بالدعاء والتعاطف والتراحم والدعم والرأي السديد بقدر الإمكان ، ومؤازرتهم بكل مايحتاجونه من ضرورات الحياة من دواء وغذاء ونحو ذلك .
فهل مثل هذه الأمور _ التي لا يجادل فيها مسلم _ تكون سببا في إشعال الحرب على البيان و الموقعين عليه .

الصنف الثاني : من يرى من أهل العلم أن البيان يشتمل على الخطأ في مضمونه ، والقائل بهذا هو الشيخ عبد المحسن العبيكان –وفقه الله-، ولا أعلم أحدا قال برأيه سوى من لا يعتد برأيه من الشيعة .
وقد أبرز الشيخ العبيكان –وفقه الله- رأيه في مقابلة له مع صحيفة المدينة ، وتكرر هذا في برامجه في بعض القنوات الفضائية .
ومناقشة الشيخ في رأيه الذي انفرد به مفيدة في نظري لمافيها من الإثراء العلمي ، ولما تقود إليه من البحث عن الحق ، ولكون الشيخ ينطلق من منطلقات شرعية ، والقواسم المشتركة معه أكثر من مسائل الخلاف ، وإحسان الظن به متحقق لما له من سابقة وفضل ، ولهذا فإني أناقش الشيخ في آرائه وما أورده من ملاحظات وأرى أني لا أخسر الوقت والجهد في هذا لعلمي بأن البحث عن الحق هو رائدنا جميعا إن شاء الله تعالى .
وقد أظهر الشيخ العبيكان –وفقه الله- رأيه في البيان في لقاء له مع جريدة المدينة الصادرة يوم الثلاثاء 26/9/1425 العدد (15175).
ونشر هذا اللقاء بعنوان : الدعاة ال26 يعرضون أهل العراق للهلاك والدمار وكأنهم يريدون بقاء المحتل .
وقد أثار الشيخ في هذا اللقاء المنشور أمورًا عدة، وسأذكر بعضها مرتبة مع مناقشتها على النحو الآتي :
· يصف الشيخ العبيكان -وفقه الله- الدعاة الموقعين على البيان بأنهم يريدون تأجيج الفتنة في العراق واستمرار بقاء المحتل بحث المقاومة على الاستمرار في قتالها .
المناقشة:
تأجيج الفتنة لا يأتي من إنصاف صاحب الحق السليب ونصرته وتأييده في مطالبته بحقه بأي طريقة مشروعة ، ومنها طريقة المقاومة والجهاد ، بل الفتنة هي في مصادرة حقه المشروع في مقاومة العدوان وخذلانه، والفتنة تدافع بما يمكن، وقد يكون القتال من أسباب دفعها كما قال الله تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله : حتى لاتكون فتنة : أي حتى لا يكون شرك ، وعن عروة بن الزبير : حتى لا يفتن مسلم عن دينه . وورد عن ابن عباس في تفسير: ويكون الدين كله لله: أي يخلص التوحيد لله. ينظر: تفسير ابن كثير 2/309 .
ولهذا ورد عن سعيد بن جبير أنه قال : خرج علينا ابن عمر فقال رجل : يا أبا عبد الرحمن ماتقول في القتال في الفتنة ؟ قال : ثكلتك أمك ، وهل تدري ماالفتنة ؟ إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقاتل المشركين فكان الدخول فيهم أوفي دينهم فتنة ، وليس كقتالكم على الملك " أخرجه البخاري في صحيحه 4/1706(4374) ك : التفسير ، وأحمد في مسنده 2/70 .
والقول بمشروعية الجهاد في العراق وحق العراقيين في مقاومة المحتل لا يعني إقحام العراقيين في مواجهات غير متكافئة ولكن المقاومة بحسب قدرتهم وبالطريقة التي تناسبهم وهذا ما يقرره أهل البلد علماؤها ورجالاتها وأهل الخبرة فيها، ولهم الأخذ بالهدنة والصلح إذا احتاج المسلمون إلى ذلك ورأوا أنه يحقق لهم المصلحة .
ولكن المهم ألا يصادر حقهم المشروع في الدفاع والمقاومة وهو الحق الذي كفلته شرائع السماء وقوانين الأرض والمواثيق الدولية.
وإني أحيل الشيخ إلى موقف الشيخ أحمد شاكر رحمه الله من الاستعمار عندما كتب بيانا في زمانه يحث المسلمين على جهاد الانجليز والفرنسيين تحت عنوان " بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمة العربية والإسلامية عامة " ، وأودعه في كتابه : كلمة الحق .

· ذكر الشيخ العبيكان -وفقه الله- أن الشريعة توجب على المسلم في حال الضعف ترك المقاومة ، ونص كلامه : " والنصوص الشرعية التي بيناها في مقالاتنا نصوص كثيرة جدا من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء قديما وحديثا كلها مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة في حال ضعفه كلها توجب على المسلم أنه في حال الضعف أنه لا يجوز له أن يقاوم ولا أن يقاتل لأن الأصول الشرعية تقضي بارتكاب أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما فبقاء المحتل مفسدة ولكن المفسدة الأعظم هو العمل على استمرار بقائه بإثارة الفتنة ومقاتلته مع الضعف الحاصل " إلى أن قال : " فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله يوحي إلى عيسى عليه السلام عندما يأتيه يأجوج ومأجوج أن يفر قال " : فحرز عبادي إلى الطور ( أي اهرب منهم واترك مقاتلتهم لأنه لا يدان لك بقتالهم ) " .... وقال العلماء أنه يجب على المسلمين مع الضعف يجب عليهم الفرار فما حصل لأهل مؤتة حينما فروا من الجيش الكبير وظنوا أنهم قد أخطؤوا قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ": إننا نحن الفرارون " فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم :" بل أنتم الكرارون " فأيدهم الرسول على الفرار لعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم .."
المناقشة :
الحكم الذي أطلقه الشيخ في هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل وبيان ، لما فيه من الإجمال، وكثيرا ما يقع الخطأ بسبب الإجمال ، وبيان ذلك : أنه ليس كل ضعف يسقط وجوب جهاد الدفع ، وإنما الذي يسقط الوجوب هو الضعف الشديد الذي يصل إلى حد العجز عن القتال ، وهو وضع استثنائي فيرخص لمن هذه حاله بترك القتال لقول الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، وقوله :" فاتقوا الله مااستطعتم " .
وقد كان هذا هو الحكم في العصر المكي فقد أمر النبي صلى الله وسلم بالعفو والصفح وكف اليد عن المشركين بسبب عجزهم عن القتال كما قال الله تعالى "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ" [النساء: من الآية77] إلى أن نسخ هذا بالمرحلة الأخيرة بقتال المشركين كافة ونزول آية السيف ، وللمسلم في حال العجز أن يأخذ بالكف عن القتال، لأن القدرة شرط في وجوب الجهاد وغيره من الواجبات الشرعية.
وتعبير الشيخ بوجوب ترك جهاد الدفع ونسبته ذلك إلى العلماء كما في قوله : " وقال العلماء أنه يجب على المسلمين مع الضعف يجب عليهم الفرار .." ليس بصحيح على هذا الإطلاق , فإن التعبير الشائع لدى الفقهاء هو لفظ : يجوز ، أو يرخص ، أو لابأس ، ونحو ذلك من الألفاظ، وذلك لأنهم يرون أن القدرة شرط لوجوب الجهاد وليست شرطا في صحته ، ولا ريب أن بين التعبيرين فرقا من ناحية ترتب الإثم .
وقد دلت النصوص الشرعية أن غير القادر إذا تكلف الجهاد فجاهد لا شيء عليه ، ولو أدى هذا إلى قتله وعدم تحقيق الظفر على الأعداء مادام هذا يحقق مصلحة شرعية كإحداث نكاية في العدو أو بث للرعب في قلوبهم ، أو تجرئة لقلوب أهل الأيمان ونحو ذلك ، ولا يدخل هذا في إلقاء النفس إلى التهلكة .
ومن هذه النصوص :
1. ماجاء في قصة عاصم بن ثابت لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة ، فخرج عليهم قرابة مائة رام ، فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لانقتل منكم رجلا ، فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ...، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل ... " أخرجه البخاري في صحيحه 3/1108(2880) ك: الجهاد ، وأبو داود في سننه 3/115،116 (2660) ك: الجهاد.
ووجه الاستدلال : أن قدرة عاصم ومن معه أقل من أن يقاتلوا مائة رام ، وكان لهم رخصة في ترك القتال ، ومع ذلك أبى عاصم إلا أن يقاتلهم فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه .
2. ماورد في قصة عمرو بن الجموح رضي الله عنه فقد كان رجلا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا : إن الله قد عذرك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوا لله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك ، وقال لبنيه : ماعليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد ". سيرة ابن هشام 3/96 عن ابن إسحاق قال : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة به "، قال الألباني :" وهذا سند حسن إن كان الأشياخ من الصحابة ، وإلا فهو مرسل ، وبعضه في المسند 5/299 من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ... وسنده صحيح ". تخريج فقه السيرة للألباني 282 .
ووجه الدلالة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لعمرو بالقتال مع كونه معذورا بالعرج ولا يجب عليه الجهاد رجاء تحصيل الشهادة .
3. حديث سلمة بن الأكوع حين أغار عبد الرحمن الفزاري ومن معه على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه وقتل راعيه ، فتبعهم سلمة بن الأكوع وحده فمازال يرميهم بنبله حتى استخلص منهم ما أخذوه ، وقد جاء فيه من قول سلمة : " فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر ، قال : فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري ...، قال فأخذت بعنان الأخرم ، قال : فولوا مدبرين ، قلت : يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال : ياسلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن ... وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه ، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ماأرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له : ذا قرد ، ليشربوا منه وهم عطاش قال فنظروا إلي أعدوا وراءهم فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه ) فما ذاقوا منه قطرة ... " ، وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة " أخرجه مسلم في صحيحه 3/1433(1807) ك : الجهاد والسير .
وقد أورد هذا الحديث ابن النحاس الدمياطي في كتابه : مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق في الجهاد وفضائله ، وبوب عليه بقوله : فضل انغماس الرجل الشجيع أو الجماعة القليلة في العدد الكثير رغبة في الشهادة ونكاية في العدو . ثم قال : " وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة ،كما فعل الأخرم الأسدي رضي الله عنه ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله ، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون " مشارع الأشواق ص 539، 540.

وتأمل فيما يأتي دقة الفقهاء رحمهم الله تعالى وفهمهم للنصوص عندما عبروا عند العجز عن القتال ب: جواز الانصراف " ولم يعبروا بالوجوب كما فعل الشيخ العبيكان –وفقه الله-:
قال ابن قدامة رحمه الله " : وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر فالأولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة ، وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب ...وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف ، وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضا في الشهادة ويجوز أن يغلبوا أيضا " المغني 13/189.
وقال القرطبي : " قال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين ، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه ، وإن كان قصده إرهاب العدو و ليعلم صلابة المسلمين في الدين ، فلا يبعد جوازه ، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " الآية إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه ، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء " . تفسير القرطبي 2/364.
وقال السرخسي :" لابأس بالانهزام إذا أتى المسلمين من العدو مالا يطيقهم ، ولا بأس بالصبر أيضا بخلاف ما يقوله بعض الناس إنه إلقاء النفس في التهلكة بل في هذا تحقيق بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فقد فعله غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم عاصم بن ثابت حميُ الدبر ، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فعرفنا أنه لا بأس به والله الموفق " شرح السير الكبير 1/125.
وينبغي أن يعلم أن جهاد الدفع أعظم من جهاد الطلب ، ولهذا لا يشترط له ما يشترط لجهاد الطلب ، ويتأكد القيام به أكثر من جهاد الطلب ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين ، فواجب إجماعا ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء : أصحابنا وغيرهم ، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده " الاختيارات الفقهية ص 309،310
وقال أيضا : " وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به ، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين ، وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم ، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لايجوز الانصراف فيه بحال ، ووقعة أحد من هذا الباب " . الاختيارات الفقهية ص 311 .
وكان يتعين على الشيخ أن يقيد القول بوجوب ترك القتال بالحالة التي يبلغ الضعف فيها بالمسلمين الحد الذي لا يستطيعون معه تحقيق أي مصلحة للمسلمين ، أو إحداث نكاية في العدو ، ويترتب على القتال مفاسد عظيمة بالمسلمين لا تقابله أي مصلحة فحينئذ يتجه القول بالمنع من القتال ، قال أبو حامد الغزالي : "لاخلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل ، وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية ، وليس كذلك فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس التهلكة ذلك ، بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى ، أي : من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه ... ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام و داخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله ، فتنكسر بذلك شوكتهم " إحياء علوم الدين 2/315 .
وقال الحافظ ابن حجر :" وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ، ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين والله أعلم " فتح الباري 8/34.
وقال الشوكاني في تفسير قول الله تعالى : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " : " فكل ماصدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا وبه قال ابن جرير الطبري ، ومن جملة مايدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين " فتح القدير 1/170.
ويتبين من هذا أن المنع ليس راجعا لمطلق الضعف ، ولكن لما يترتب على القتال حينئذ من مفاسد محققة لا يقابلها أدنى نكاية في العدو أو فائدة للمسلمين .
وعلى هذا فلا يشترط في صحة جهاد الدفع أن يغلب على ظن الفئة المجاهدة أنها تملك من القدرة ما يحقق لها الظفر على الأعداء ، بل يكفي أن تتمكن من إحداث نكاية في العدو ولوكان ذلك بمجرد بث الرعب في قلوبهم ، أو أن يحقق للمسلمين مصلحة ولو كانت هذه المصلحة مجرد تجرئة قلوب أهل الأيمان ، وهذا بحمد الله حاصل كما نشاهده في فلسطين إذ يقوم المجاهدون هناك مع ضعفهم بمقاومة اليهود ، وأحدثوا مع هذا نكاية قوية باليهود ، فأخافوهم وأضعفوا أمنهم واستـنـزفوا اقتصادهم .
ولا ينبغي أن يغيب عن علم الشيخ أن فنون القتال متعددة ، والقتال اليوم له أشكال متنوعة و لا يعني بالضرورة المواجهة المباشرة، وحروب التحرير في الغالب لا تعتمد على المواجهة المباشرة بقدر ما تعتمد على استنزاف العدو وعدم تمكينه من الاستمتاع بثمرة النصر، ومثال ذلك حال المقاومة في فلسطين، فلماذا نتغاضى عن هذه النتائج ونصدر حكما عاجلا لم يعتمد على دراسة واستشارة لأهل المعرفة والخبرة بالقتال . وإذا كان قد وقع في بعض مواطن الجهاد عدوان أو خطأ و سوء اجتهاد فلا يجوز أن يستدل به على منع الجهاد والتنفير منه ، لأن المجاهدين بشر وليسوا معصومين ، والواجب أن نسددهم ونرشدهم ونقوم أعمالهم وننصحهم مع قيامهم بجهاد الدفع الضروري .
ولا ريب أن تقدير المصلحة أو النكاية التي يمكن أن يحدثها القيام بعمل من أعمال الجهاد قد تختلف فيه الآراء ، وحينئذ لا بد من الاجتهاد في تقدير ذلك الأمر ، ويوكل هذا الاجتهاد إلى أولي الأمر من الولاة و أهل العلم المطلعين على واقع الجهاد مع الاستعانة بآراء أهل الخبرة العسكرية من أهل الواقعة واستشارة من يفيد رأيه في المسالة .
وأما ماذكره الشيخ من الاستدلال بقصة عيسى عليه السلام عند ظهور يأجوج ومأجوج فمع كونها حالة خاصة لأنها في آخر الزمان عند ظهور علامات الساعة الكبرى ، وعيسى عليه السلام مؤيد بالوحي من الله تعالى . إلا أنه يجاب عنه بأن عيسى عليه السلام كان يريد قتالهم بقاء على الأصل وهو قتال الكفار ، ولكنه ترك مواجهتهم لأن الله تعالى نهاه عنها وأعلمه أنه لا قدرة له عليهم ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم : " لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ".
قال النووي :"قوله : لايدان... قال العلماء معناه : لاقدرة ولا طاقة ، شرح صحيح مسلم للنووي 18/281 .
فليس في مواجهة عيسى لهم مصلحة ولن تحقق نكاية كما يفيده لفظ : لايدان لأحد بقتالهم " ، وهذا الحكم متفق عليه كما سبق ، وهي حالة خارجة عن محل النزاع .
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متواجد حالياً  
قديم 12-12-2004, 01:16 PM   #3
سالم الصقيه
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
الدولة: الرس
المشاركات: 7,636
معدل تقييم المستوى: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
افتراضي

ومن وجه آخر : فإن الله تعالى لم يأمر عيسى –عليه السلام- بأن يسلم لهم، بل أمره بترك المواجهة والاحتماء بالمسلمين إلى جهة الطور ، وهذا عمل حربي للقائد أن يتخذه إذا رأى أنه يحقق له مصلحة ، والمعارك لا تقتصر على المواجهة فقط بل فيها الكر والفر والخدعة ، وهذا نظير مافعل المسلمون في معركة الأحزاب عندما حفروا الخندق لصد الكفار عن دخول المدينة والالتحام مع المسلمين ، إلى أن حسم الله المعركة بجند من عنده ، فهل يقال : إن المسلمين في معركة الأحزاب فروا من قتال عدوهم ، وجبنوا عن ملاقاتهم ، واستسلموا لهم ، وتركوا القتال مطلقا ؟.
وأما استدلاله بمعركة مؤتة وما حصل فيها فيجاب عنه بما يأتي :
1- الجهاد في معركة مؤتة ليس من قبيل جهاد الدفع الذي يدفع فيه العدو القاصد بلاد المسلمين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ إرسال الجيش إلى أدنى البلقاء من أرض الشام ، وكان سبب المعركة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى ملك الروم أو بصرى ، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله لما علم أنه رسول رسول الله ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وبعث جيشا قوامه ثلاثة آلاف واستعمل عليهم زيد بن حارثة رضي الله عنه .ينظر : زاد المعاد 3/381 .
2- هذه المعركة لم يفر فيها المسلمون بل انحازوا إلى فئة ، وهذا جائز لقول الله تعالى :" إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة " ، ولهذا لما ظن طائفة منهم أنهم فروا وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن الفرارون ، قال لهم : لا ، بل أنتم العكارون (أي : الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها) أنا فئتكم ، وأنا فئة المسلمين ".أخرجه أحمد في مسنده 2/70، وأبو داود في سننه 3/106،107(2647) ك : الجهاد .
3- الذين انسحبوا من المعركة هم بعض الجيش ، وكان انسحابهم بسبب عجزهم عن قتال العدو ، وهذه الحالة يرخص فيها بترك القتال ، قال ابن كثير : " قلت : لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو ، وكانوا أكثر منهم بأضعاف مضاعفة ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ثلاثة آلاف وكان العدو –على ماذكروه- مائتي ألف ، ومثل هذا يسوغ الفرار على ماقد تقرر ، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم ، وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله " البداية والنهاية 6/433 ،434
4- معركة مؤتة حققت هدفها وهو تأديب الكفار وإخافتهم ، وأصيب الروم فيها بخسائر كبيرة ، وانكشف بعض فرقهم ، فاكتفى خالد رضي الله عنه بهذه النتيجة ، وآثر الانصراف بمن معه ، وهذا لا يعد فرارا ، ويؤيد هذا ما ورد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم ، فقال : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب –وعيناه تذرفان – حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم " أخرجه البخاري في صحيحه 4/1554(4014) ك: المغازي .
ولهذا ذهب بعض أهل السير إلى أن المسلمين انتصروا في هذه المعركة كما هو رأي موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وظاهر كلام ابن كثير لحديث أنس المتقدم ، ينظر : البداية والنهاية 6/430 ، فتح الباري 7/586 .
وقال ابن القيم : "وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين ، والذي في صحيح البخاري أن الهزيمة كانت على الروم ، والصحيح ماذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى " زاد المعاد 3/383 .
وقال ابن حجر بعد أن ذكر الأقوال : " ثم وجدت في مغازي ابن عائذ بسند منقطع أن خالدا لما أخذ الراية قاتلهم قتالا شديدا حتى انحاز الفريقان عن غير هزيمة ، وقفل المسلمون فمروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا من المسلمين رجلا ، فحاصروهم حتى فتح الله عليهم عنوة ، وقتل خالد بن الوليد مقاتلهم ، فسمي ذلك المكان نقيع الدم إلى اليوم " فتح الباري 7/586، 587 .

· ذكر الشيخ العبيكان -وفقه الله- أن المتغلب تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه وعد من ذلك الحكومة التي نصبتها أمريكا في العراق ولم يستتب لها الأمر بعد .
المناقشة:
يجاب عن هذا بأننا وإن كنا نتفق على أن المتغلب المسلم تجب طاعته إلا أننا لا نسلم أن الواقع في العراق من هذا القبيل ، فالحكومة المدعاة في العراق الآن قد نصبها العدو المحتل ، وتستمد قوتها من قوته، ولم تتغلب على البلاد بعد ، ولم تنتخب ، ولم ينصبها أهل العراق ، ولم يذعنوا لها فكيف يقال بوجوب الطاعة لها ، وهل كلما احتل عدو بلاد المسلمين وفوجئ بشدة المقاومة وضع له من أعوانه من يتولى بالوكالة عنه قضاء مصالحه ، قلنا : يجب على المسلمين حينئذ التسليم له بالطاعة وترك المقاومة ؟!.
إن هذه خدمة جليلة لم تخطر على بال العدو ، كيف وهي تصدر ممن يحسب من المشايخ وأهل العلم ، وهذا يذكرنا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما قدم التتار إلى الشام :" وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال : ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم ، فينبغي الدخول في دولة التتار ، وقال بعض الخاصة : مابقيت أرض الشام تسكن ، بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن ، وإما إلى مصر ، وقال بعضهم : بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم أهل العراق ، والدخول تحت حكمهم " مجموع فتاوى ابن تيمية 28/450 ،451 ، وذكر أن هذه المقولات قيلت في معركة الخندق .
والغريب أن الشيخ بدأ كلامه في هذه المسألة في وقت ولاية بريمر على العراق في أثناء التحضير للحكومة الحالية ، فهل نفهم من هذا أن الشيخ يقر في ذلك الوقت بحكومة الكافر المحتل ويوجب الإذعان لها، ولا أعلم شبها لهذا إلا حال القاديانية في قولهم بإبطال الجهاد ضد الانجليز إبان احتلالهم للهند ، قال الألباني في تعليقه على قول الطحاوي : " ونرى طاعتهم (أي طاعة الأئمة وولاة الأمور ) من طاعة الله عز وجل فريضة .." : " قلت : ومن الواضح أن ذلك خاص بالمسلمين منهم لقوله تعالى :" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وأما الكفار المستعمرون فلا طاعة لهم بل يجب الاستعداد التام مادة ومعنى لطردهم وتطهير البلاد من رجسهم ، وأما تأويل قوله تعالى : " منكم " أي : فيكم فبدعة قاديانية ودسيسة انجليزية ليضلوا المسلمين ويحملوهم على الطاعة للكفار المستعمرين ، طهر الله بلاد المسلمين منهم أجمعين " تعليق الألباني على العقيدة الطحاوية ص 48 .

· استدل الشيخ -وفقه الله- بقصة يوسف عليه السلام حينما قال للملك : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " إذ تولى الولاية من فرعون مصر وهو كافر ، فيدل على أن الكافر إذا قام بتولية المسلم فإن ولايته صحيحة ، وشرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد في شرعنا ناسخ له .
المناقشة :
ينبغي أن يعلم أنه قد اختلف أهل العلم في صحة تولي الولاية من الكافر : فمنهم من منعه ، لما في ذلك من تولي الظالمين بالمعونة لهم ، وأجاب عن تولي يوسف عليه السلام من الملك بأن الملك كان صالحا ولم يكن كافرا كفرعون موسى ، وعلى افتراض كونه كافرا فإن يوسف قد تولى النظر في أملاكه دون أعماله فزالت عنه التبعة فيه .
قال الماوردي : "واختلف لأجل ذلك في جواز الولاية من قبل الظالم ، فذهب قوم إلى جوازها إذا عمل بالحق فيما يتولاه ، لأن يوسف عليه السلام تولى من قبل فرعون ليكون بعدله دافعا لجوره . وذهبت طائفة أخرى إلى حظرها والمنع من التعرض لها ، لمافيها من تولي الظالمين والمعونة لهم وتزكيتهم بتقلد أمرهم ,و أجابوا عن ولاية يوسف عليه السلام من قبل فرعون بجوابين :
أحدهما : أن فرعون يوسف كان صالحا وإنما الطاغي فرعون موسى .
والثاني : أنه نظر في أملاكه دون أعماله . " الأحكام السلطانية ص (145).

وهناك من أهل العلم من أجاز تولي الولاية من الكافر ولكنهم اشترطوا لهذا : أن يكون مصلحا على وفق الشرع ولا يعارضه الكافر في عمله ، أما إذا كان الكافر يتدخل في عمله ويوجهه إلى مايخدم مصالحه وشهواته فلا يجوز تولي هذه الولاية لما فيه من الضرر ، واستدلوا بقصة يوسف عليه السلام ، فقد تولى هذه الولاية للإصلاح ومكنه الملك من الحكم بشريعة الله دون أن يعترض عليه أحد ، ولذلك قال الله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء " .
قال القرطبي في تفسيره عند آية " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " : " قال بعض أهل العلم : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر ، والسلطان الكافر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه ، فيصلح منه ماشاء ، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك ، وقال قوم : إن هذا كان ليوسف خاصة ، وهذا اليوم غير جائز ، والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه ، والله أعلم " تفسير القرطبي 9/ 215 ، [وينظر للاستزادة : الهداية مع فتح القدير 7/263، 264 ،تبيين الحقائق 4/177 ، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 1/131 ].
فكيف يطلق العبيكان –وفقه الله- القول بالجواز دون النص على هذا الشرط الذي يعلم يقينا عدم تحققه ، وهو يرى من هؤلاء المولين التنازل عن تحكيم الشريعة وإظهار العداوة على أهل السنة وتأليب الكفار على قتلهم واستئصالهم .
ثم يجب التنبه إلى فارق جوهري في المسألة يجعل الاستدلال في غير موضعه وهو أن حال يوسف عليه السلام مع الملك لم تكن حال قتال وحرب ، فقد كان يوسف في غير بلده ولم يعتد عليه الملك بسلب أرضه وقتل أهله ، فهو ليس كافرا حربيا بل يحكم في أرضه التي استتب له الحكم فيها ، ولهذا نجد أن من استدل من أهل العلم بولاية يوسف عليه السلام ، إنما يستدل بها على جواز تولي المسلم ولاية في بلاد الكفر ينتفع بها المسلمون بشرط أن يقوم المسلم بالعدل ولا يخالف شريعة الله في ولايته، فمثال قصة يوسف في واقعنا أن تولى بريطانيا مثلاً مسلمًا ولاية لديها وتعطيه صلاحيات مطلقة.
فأين هذا من واقع العراق الذي جاء الكافر إليه محاربا ، فاجتاح البلاد وعاث في الأرض الفساد ، فقتل المسلمين وشردهم من دورهم ومدنهم ، وسفك الدماء وأتلف الأموال والممتلكات ، ودنس المساجد والمقدسات ، وانتهك الحرمات والأعراض ، وعذب المسلمين والمسلمات ، ومايزال مستمرا في هذا الإفساد والإجرام ، وتآمر معه في هذا عدد من أصحاب المذاهب المنحرفة ، فأعانوه على المسلمين الذين يدافعون عن أنفسهم وأهليهم وممتلكاتهم ،ومع ذلك لم يستتب له الأمر بعد فما زالت الحرب قائمة ، وهو في قتال مع المسلمين ، ولهذا لم يلجأ المحتل إلى هؤلاء الأعوان إلا عندما واجه هؤلاء الذين يقومون بجهاد الدفع عن دينهم وبلادهم ، فأراد أن يجعل هؤلاء في الواجهة لكي يدفع عن جنده القتل ، ومن أجل ضرب البلاد بعضها ببعض .
إن هذا الاستدلال يلغى معنى الاحتلال والاستعمار فيستطيع أي محتل أن يضع بعض عملائه في الواجهة ويأمر الشعب بالسمع والطاعة لهم ويبقى احتلاله للبلد محفوظًا مصانًا بمثل هذه الفتوى، وهل سنقول نفس المقولة لو أن شارون أمر بعض العملاء بتكوين حكومة فلسطينية فهل سنأمر الفلسطينيين بالسمع والطاعة لها في المنشط والمكره وعلى أثرة عليهم؟!

· ذكر الشيخ العبيكان -وفقه الله- أن الجهاد لا يكون إلا مع راية حتى في جهاد الدفع ، وأن هذا من الثوابت .
المناقشة :
هذا الكلام حق عند إمكانه ، ولكن ينبغي أن يعلم أن جهاد الدفع يدخل في أحكام الضرورات ، ومن المعلوم أن الضرورات تبيح المحظورات ، وأن الضرورة تقدر بقدرها ، فإذا لم يمكن للمسلمين المدافعين عن أنفسهم وبلادهم أن تكون لهم قيادة عامة يرجعون إليها ،وراية يقاتلون تحتها فإنهم يصطلحون على قيادة خاصة يقاتلون تحتها مع حرصهم على أن تكون نيتهم إعزاز دين الله والدفاع عن أنفسهم وبلادهم وأموالهم إلى أن يزول حكم الضرورة ، ويكفوا بأس الذين كفروا ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم عندما اصطلحوا على قيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة مؤتة ، قال ابن حجر في تولي خالد أمر الجيش في معركة مؤتة :"..وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير ، قال الطحاوي : هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر ". فتح الباري 7/586 .
وقد نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنه في حال الضرورة عند عدم وجود الإمام فعلى أهل الحل والعقد من المسلمين أن ينصبوا عليهم من يتولى أمورهم ويقوم بشؤونهم ، ويقضي بينهم ممن يرونه أهلا لذلك ، قال ابن عابدين :" البلاد التي ليست تحت حكم سلطان بل لهم أمير منهم مستقل بالحكم عليهم بالتغلب ، أو باتفاقهم عليه يكون ذلك الأمير في حكم السلطان فيصح منه تولية القاضي عليهم " رد المحتار 5/ 369 ، [ وينظر للاستزادة : الفواكه الدواني 2/298 ، تبصرة الحكام 1/23 ، تحفة المحتاج 10/105 ، فتاوى ابن حجر الهيتمي 4/297، 298، 326 ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى 73 ].
أما القول بأن جهاد الدفع لا يصح إلا بوجود قيادة عامة يرجعون إليها ، وراية ينضوون تحتها ، ولو مع تعذر وجود ذلك ،وأنه في حال تعذر وجود هذه القيادة والراية فعلى المسلمين أن يدعو القتال ، فهذا قول ينشأ عنه مفسدة كبيرة ، وهي تمكين العدو من أراضي المسلمين وإعلان الاستسلام التام ، وما أشبه هذا بقول الرافضة : إنه لاجهاد إلا مع المعصوم ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قصة طريفة لبعض شيوخ الرافضة، قال شيخ الإسلام : " قيل لبعض شيوخ الرافضة : إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم ؟ فقال : لا ، المذهب أنا لانغزوا إلا مع المعصوم . فقال ذلك المستفتي مع عاميته : والله إن هذا لمذهب نجس ، فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا " منهاج السنة النبوية 6/118 .
وأما موضوع وصف القتال هناك بأنه من جهاد الدفع فهذا ما يفتي به علماء الأمة الإسلامية وصدرت فيه فتاوى سابقة على البيان من أهل العلم المعتبرين من داخل البلاد وخارجها ، وهو يتوافق مع رأي علماء المسلمين في العراق الذي سبقت الإشارة إليه أول هذه المناقشة وهم أدرى بأحوالهم ، بل هو أيضا لا يتعارض مع رأي الهيئة الشرعية الرسمية في المملكة ، فقد سئل المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ عن الجهاد في العراق فأجاب بقوله : " أما هم في أنفسهم (أهل العراق ) فلا شك أن عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأنهم ابتلوا في نفوسهم وفي أموالهم وبلادهم ، فلا شك أنهم مدافعون ، ونرجو لهم التوفيق ، أما غيرهم فعليه أن يبدأ بسؤال الله والدعاء لهم وهم بأمس الحاجة إلى دعاء الله لهم " . ونشر هذا في جريدة الوطن الصادرة في 29/2/1425هـ العدد (1298) .
ثم إن حق مقاومة الشعوب للمحتل تعترف به حتى الأنظمة الأرضية الوضعية عند غير المسلمين .
وهذا لايفهم منه تزكية ماقد تقع فيه المقاومة من أخطاء ، بل البيان صريح في التحذير من هذه الأخطاء وإنكارها وتوجيه نظر المسلمين هناك إلى الحرص على سلامة المقاصد والأفعال .
فالخلاصة أن البيان تناول المسائل العامة البارزة المعلومة لكل مسلم نصرة وتأييدا وتوجيها لنظر المسلمين لكي يهتموا بقضية إخوانهم في العراق ، لأنها لم تعد شأنا داخليا لأهل العراق وحدهم بل أصبحت قضية إسلامية كثر من يخوض فيها بحق وبباطل ومن حق إخواننا في العراق أن ننصرهم ببيان الحق ولو باللسان ، كما ننصر إخواننا المسلمين في فلسطين مثلا ، وأن نستثمر وسائل الإعلام الحديثة في هذا الجانب ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أحمد وأبو داود والنسائي .
وأذكر الشيخ أخيرا بقول ابن حزم رحمه الله: " ولا إثم بعد الكفر من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم". المحلى 7/478.

وأسأل الله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، كما أسأله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وأن يصلح أحوال أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل مكان إنه خير مسؤول .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .


http://www.islamtoday.net/articles/s...=73&artid=4767
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متواجد حالياً  
قديم 25-12-2004, 02:04 PM   #4
القلم الصادق
Banned
 
تاريخ التسجيل: Dec 2004
المشاركات: 116
معدل تقييم المستوى: 0
القلم الصادق is on a distinguished road
افتراضي

جزاك الله كل خير
ياليتك اختصرت لأن الموضوع طويل جداً
القلم الصادق غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:14 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir