عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 01-03-2010, 11:02 PM   #11
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
البلد: القصيم - الرس
المشاركات: 686
قوة التقييم: 0
* خادم الدين * is on a distinguished road
هذه قصة شاب مدرس في ثانوية البنات حديث السن لم يجاوز الرابعة والعشرين حتى الآن،
معتزل متفرّد عاكف على كتبه ودفاتره، لا يخالف الناس، وليس ممن يبتغي الظهور فيهم والحظوة لديهم،
فلا يحاول أحد من القراء أن يبحث عنه أو يسعى إلى معرفته، وليكتفوا من قصته التي قصها عليّ بمكان العبرة منها،

إذا كان قد بقي في القارئين من يحرص على العبرة أو يسعى إلى الاعتبار…

* * * * * * * *
وهذا الشاب ابن صديق من أدنى أصدقائي إلى قلبي، وكان في صباه تلميذا لي،
وكان من أذكى الطلاب قلبا وأطهرهم نفسا، وأمتنهم خلقا، وأتقاهم لله في سر وفي علن،
وكان في صغره جادا بعيدا عن المزاح، مجتنبا للهزل، بارا بأمه وأبيه، لا يعرف إلا مدرسته وبيته،
لم ير قد واقفا في طريق، أو ماشيا إلى لهو، وثبت على ذلك حتى شب وأكمل الدراسة، وفارق المدرس،
وهو لم يدخل قهوة ولا سينما، ولم يصاحب أحدا أبدا، ولم يجالس امرأة غير أمه ولم يكلمها..

وكان لذلك بمنزلة الأخ الأصغر مني، أحبه محبة الابن، ويُجلّني إجلال الوالد، وكان ينفض إلي دخيلته، ويكشف لي سريرته،
وكان من مزاياه أنه صادق اللهجة، لم أجرب عليه في هذه المدة الطويلة كذبا قط…

* * * * * * * *

وانقطع عني مدة طويلة، ثم رأيته فأخبرني أن والديه قد توفيا بالتيفوئيد في شهر واحد، وأنه غدا وحيدا فاحترف التعليم،
وبعثت به الوزارة لما تعلم من عظم أخلاقه إلى مدرسة ثانوية للبنات، فثار وأبى وطلب نقله إلى غيرها من مدارس البنين، فما زالوا به يداورونه ويقنعونه بأنه إن كان معلم البنات رجل مثله، فذلك خير لهن من أن يدخل عليهن فاسق خبيث،
وإن قبوله التدريس في هذه المدرسة قربة إلى الله فخدع المسكين وقبل!

قال: وبتّ ليلة افتتاح المدرسة بليلة نابغيّة لم ينطبق فيها جفناي، من الفكر والوساوس والمخاوف،
فلما أصبح الصباح ذهبت أقدم رجلا وأؤخر أخرى، حتى دخلت المدرسة،
فما راعني عند الباب إلا أن فتاتين كاملتي الأنوثة ليستا بالصغيرتين ولا القاصرتين قد دخلتا أمامي،
فلما صارتا من داخل ألقتا عنهما الخمار، فعادتا كأنهما في دارهما،
وتلفت حولي فإذا ملء الساحة فتيات نواهد نواضج الأجساد،
قد حسرن ورحن يلعبن ويمشين، شعورهن مهدلات على الأكتاف،
فأحسست كأنما قد صبّ عليّ دلو من الماء الحامي، فاحترقت منه أعصابي،
فاستدرت راجعا ونفضت يدي من الوظيفة، وقلت: الرزق على الله!

وقصدت بيتي فما وسعني والله البيت، ووسوس إليّ (لا أكتمك) الشيطان،
وزيّن لي تلك المتعة بمعاشرة أولئك الفتيات، والحياة بينهن، فاستعذت بالله، وأعرضت عنه،
وذهبت أفتش عن عمل غير هذا، فسدّت في وجهي الأبواب إلا هذا الباب،
ولاحقتني الوزارة وإدارة المدرسة حتى عدت مكرها..

وأنا رجل رُضْت نفسي على العفاف، وأخذتها بضروب الرياضات حتى سكنت شرّتها،
ولكنها مع ذلك كانت تثور بي كلما سبقت عيني وأنا غافل إلى فتاة في الشارع كاشفة،
أو سمعت أذني حديثا من أحاديث الشبان سقط إليّ وأنا لا أطلبه،
أو قرأت (وقلما أقرأ) قصة خليعة، أو نظرت (ونادر أن أنظر) مجلة من المجلات الداعرة الخبيثة
وما المرأة التي يفتش عنها الشبان ويتحدثون عنها إلا هذه النَّصَف التي تصلح ما أبلى الدهر منها بالثياب والأصباغ وما عند العطار،
والتي تقاذفتها الأيدي حتى صارت كالغصن الذاوي وكالثوب الخرق،
فما بالك بشاب كتب عليه أن يعاشر النهار كله فتيات كزهرة الفلّ، أو كالغلالة الجديدة،
لم تمسسهن يد بشر، ولم يعرفن من تجارب الحياة ما يتّقين به شباكها،
ويطلب منه أن يكون عفيفا شريفا، وأن يكنّ هن أيضا عفيفات شريفات،
وله في نفوسهن مثل الذي لهن في نفسه؟

يا أستاذ! إن الخطر أشد مما تتوهمون أنتم معشر الكتاب المعتزلين في بيوتهم أو في أبراجهم العاجيّة –كما يقولون عن أنفسهم-
الخطر أشد بكثير… شباب وشابات، يُصبي كلاً منهما أن يشم ريح الآخر من مسيرة فرسخ،
يجتمعون على دروس الأدب وقراءة أشعار الغزل…
تصور (يا أستاذ) المدرس يلقي على طالباته حديث ولادة وابن زيدون،
وأنها كتبت كما رووا (كذبا أو صدقا) على حاشية ثوبها


أمكن عاشقي من صحن خدي * * * وأمنح قبلتي من يشتهيها

ويمضي يشرح لهن ذلك ويفسره لهن.. حالة فظيعة جدا يا أستاذ…
ولو كنّ كبيرات مسنات، أو كنّ مستورات محجبات، أو لو كن صائمات مصليات يخفن الله، لهان الأمر،
ولكنهم يجتمعون بهن على سفور وحسور وتكشف،
وتنطلق البنت حرّة تزور معلمها في داره، وتمشي معه إن دعاها للسينما، أو المنتزّه،
كذلك يرى الآباء اليوم بناتهم فلا ينكرون ذلك عليهم!

أنا لا أقول أن الآباء كلهم لا يهمهم أعراض بناتهم، وأن كل أب قَرْنان، معاذ الله أن أقول ذلك،
ولكن في الآباء قوما مغفلين، أعمى أبصارهم بريق الحضارة الغربية فحسبوا كل شيء يجيء من الغرب هو خير وأعظم أجرا،
ولو كان ذهاب الأعراض والأديان والأبدان!
إن هؤلاء كالنعامة يلحقها الصياد فتفر منه حتى إذا عجزت أغمضت عينيها ودسّت رأسها في التراب
لظنها أنها لم تبصر الصياد، فإن الصياد لا يراها!
إن هذا الأب يحسب أن كل رجل ينظر إلى ابنته بعينه هو،
وطبيعي منه ألا ينظر هو إليها بعين الشهوة، فلذلك يطلقها في الشارع،
ويبعث بها إلى المدرسة على شكل يفتن العابد، ويحرّك الشيخ الفاني!

* * * * * * * *

دخلت يا سيدي ودرّست، وكنت أغض بصري ما استطعت وأحافظ على وقاري، ولا أنظر في وجوه الطالبات إلا عابسا،
وكنت مع ذلك أداري من أثرهن في أعصابي مثل شفرة السيف الحديد،
وإذا قرع الجرس خرجت قبلهن مهرولا حتى لا أماشيهن ولا أدنو منهن،
فذهبت مسرعا إلى داري أصلي وأسأل الله أن يصرف عني هذه المحنة، وان يجعل رزقي في غير هذا المكان،
وكنت أصوم وأقلل الطعام لأطفئ هذه النار،
فإذا مشيت إلى الفصل وسمعت كلامهن،
وسبقت عيني إلى بعض ما يبدين من أعضائهن وزينتهن زادت ضراما واشتعالا!

وكان فيهن طالبة هي… لا.. لست أصفها ولا ينفعك وصفها،
وحسبك أن تعلم انها ذكية ومتقدمة في رفيقاتها، وأنها من أسرة من أنبل الأسر،
وأنها فوق ذلك جميلة جدا.. جدا.. إنها تمثال، وهل رأيت مرة تماثيل الجمال والفتنة…؟
وكانت كلما نظرتْ إليّ قرأت في عينيها كتابا مفتوحا، رسالة صريحة لي أنا وحدي،
وأحسست منها بمثل شرارات الكهرباء تخرق قلبي…
فكنت أزداد عبوسا وإعراضا، فلا يردها عبوسي ولا يثنيها إعراضي،
وأسرعت مرة ورائي وأنا خارج وهي تناديني: ((سؤال يا أستاذ))…
ولها في صوتها رنّة…
يا لطيف..!
فوقفت لها فجعلتْ تدنو مني حتى شعرت كأني ألامس… ألامس ماذا؟
لا أجد والله شيئا أشبهها به، لأنه ليس في الدنيا شيء آخر له مثل هذا التأثير…
فهربت منها وأسرعت إلى الدار، وحرصت على ألا أدعها أو أدع غيرها تفعل مثل هذا!

وعقدت العزم عقدا مبرما على ترك التدريس، وخرجت من الفصل بهذه العزيمة،
وكان في الساحة تلميذات فرقة أخرى في درس الرياضة،
وقد اصطففن بالشّلْحات، كاشفات الأفخاذ والأذرع، راسخات النهود،
يقفن كذلك بين الرجال (والمعلمون كلهم رجال)… فكبر رأسي وأسرعت إلى الشارع،
وقد حلفت ألا أعود ولو متّ جوعا، وبعثت بكتاب الاستقالة!

ومرت أيام وكنت وحدي في الدار –وأنا وحدي دائما ليس لي زوجة ولا قريب-
فإذا بالباب يقرع،
فقمت ففتحت وإذا بها تدخل عليّ،
وتغلق الباب وراءها،
وترفع الغشاء عن وجهها،
وتلقي المعطف عن منكبيها،
تحدثني تطلب درسا خصوصيا،
وعيناها تحدثانني تطلبان أو لقد خيّلت لي أعصابي أنهما تطلبان غير الدرس…

ولست يا أستاذي رجل سوء ولا أليف دعارة،
ولكني رجل على كل حال…
فلما رأيتها في داري… وتحت يدي… والباب مغلق… وهي تريد… ملكني الشيطان… ورأيت الدنيا تدور بي،
ولما حاولت أن أتكلم اختنق صوتي ثم خرج وفيه بحّة غريبة كأني أسمع معها صوت إنسان آخر غيري، وهممت يا أستاذ…

ولكن صوت الدين رنّ في أذني، ينادي لآخر مرة كما يصرخ الغريق آخر صرخاته…
فاستجبت له…
ولو أعرضت عنه لحظة لضاعت هذه الفرصة إلى الأبد،
ولخسرت أنا والبنت الدنيا والآخرة من أجل لذة لحظة واحدة…
ولم أتردد بل قلت لها بصوت بارد كالثلج، قاطع كالسيف، خشن كالمبرد:
((يا آنسة، أنا آسف، إن هذه الزيارة لا تليق بطالبة شريفة، فاخرجي حالا!))…
وفتحت لها الباب وأغلقته خلفها، وتم ذلك كله في دقيقة!

* * * * * * * *

ولما خرجتْ ندمت…
نعم ندمت…
وعاد الشيطان يوسوس لي، وضاق بي المنزل حتى كأني فيه محبوس في صندوق مقفل،
ولم أعد أدري ماذا أصنع، وأحسست أني أضعت كنزا وقع إليّ، وتغلّبت غريزتي، فأخفت صوت الدين والعقل،
وأحسست توترا في أعصابي، حتى وجدت الرغبة في أن أعضّ يدي بأسناني، أو أضرب رأسي بالجدار،
وعدت أتمثل حركاتها ونظراتها…
فأراها أجمل مما هي عليه، وأحس بها في نفسي،
فكأني لا أزال أشم عطرها، وأرى جمالها،
بل لقد مددت يدي لأمسك بها، فإذا أنا أقبض على الهواء،
وخيّل لي الشيطان أن هذه البنت لم تعد تستطيع الصبر بعد أن أذكى هذا النظام المدرسي نار غريزتها،
وأنها ستمنح هذه الـ … هذه النعمة رجلا غيري… فصرت كالمجنون حقا،
وحاولت أن أقرأ ففتحت كتابا فلم أبصر فيه شيئا إلا صورتها،
وأردت الخروج فرأيتني أنفر من لقاء أيّ من أصحابي كان ولا أريد إلا إياها،
وحسدت إخوتي المدرسين الذين لم يتربوا مثل تربيتي الصالحة،
فتمنعهم من الانطلاق في هذه اللذائذ انطلاق الذئب في لحم القطيع الطريّ!

والعفو يا أستاذ إذا صدقت في تصوير ما وجدت، فأنت أستاذي أشكو إليك،
وأنت الرجل الأديب قبل أن تكون الشيخ القاضي، فقل الآن ماذا أصنع؟
إني تركت التدريس واشتغلت بغيره، ولكني لم أستطع أن أنساها،
ولو أنا أردت وصالها لقدرت عليه ولكني لا أريد، فماذا أصنع يا أستاذ؟
لقد حاولت الزواج،
فرأيت الأب الذي لا يكاد يمنع ابنته حراما لا يمنحها حلالا إلا بمهر وتكاليف يستحيل دفعها على مثلي،
فأيِسْتُ من الزواج،
فماذا أصنع؟

* * * * * * * *

ماذا يصنع يا أيها القراء؟ قولوا، فإني لم أجد والله ما أقول!



بقلم: علي الطنطاوي رحمه الله
__________________
هنا مواضيع * خادم الدين *جعله الله من خدام الدين حقيقة لا دعوى - اللهم آمين -

http://www.alrassxp.com/forum/search...&starteronly=1

اعذروني إن غبت أو تأخرت ولعل في الأمر خيرة
* خادم الدين * غير متصل   الرد باقتباس

 
قديم(ـة) 01-03-2010, 11:05 PM   #12
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
البلد: القصيم - الرس
المشاركات: 686
قوة التقييم: 0
* خادم الدين * is on a distinguished road
اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها الذهب مشاهدة المشاركة
محجوب

"نور الاسلام" الذي يشرف عليه الشيخ محمد الهبدان، والقريب الصلة جدا بالشيخ عبدالرحمن البراك.

شبكة نور الإسلام


موقع عبدالرحمن البراك
موقع الشيخ البراك
يا مسكين ارفق بروحك

الرابط الصحيح يعمل

وقد وضعه الأخ نبض مشارك
__________________
هنا مواضيع * خادم الدين *جعله الله من خدام الدين حقيقة لا دعوى - اللهم آمين -

http://www.alrassxp.com/forum/search...&starteronly=1

اعذروني إن غبت أو تأخرت ولعل في الأمر خيرة
* خادم الدين * غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 01-03-2010, 11:06 PM   #13
عضو لم يُفعل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 231
قوة التقييم: 0
الذهب is on a distinguished road
الرابط الصحيح هو المحجوب

وسوف يتم حجب باقي الروابط

ع العموم
لا أتفق مع البراك و لكن كان من الأولى أن ترد عليه هيئة كبار العلماء بدلا من حجب
موقعه لأن الحجب يعطي كلام الشيخ أهمية و حجم و قيمة معنوية لكل من يتفق معه. و بذلك
نكون قد ساعدنا في خلق دائرة جديدة و مغلقة للتطرف. الحجب عمل الضعيف و المواجهة عمل
القوي.
الذهب غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 01-03-2010, 11:23 PM   #14
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
البلد: القصيم - الرس
المشاركات: 686
قوة التقييم: 0
* خادم الدين * is on a distinguished road
الذهب

هل تذكر هذا الموضوع : الاختلاط !!! رضوخ للشرع أم للواقع
__________________
هنا مواضيع * خادم الدين *جعله الله من خدام الدين حقيقة لا دعوى - اللهم آمين -

http://www.alrassxp.com/forum/search...&starteronly=1

اعذروني إن غبت أو تأخرت ولعل في الأمر خيرة
* خادم الدين * غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 03-03-2010, 11:44 PM   #15
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 123
قوة التقييم: 0
*العزيز بالله تعالى* is on a distinguished road


للشيخ / عبد الله السعد :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله وليِّ الصالحينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على من أرسله ربُّه رحمةً للعالمينَ، وعلى آله وصحبه أجمعينَ، أما بعدُ...

فَمِنْ سُننِ الله أنْ كانَ الحقُّ والباطلُ في صراعٍ مستمرٍ منذُ فجرِ الإنسانيةِ الأولى، يكونُ فيه للباطلِ أعوانٌ منَ الملأ، كما يكونُ للحقِّ أنصارٌ مِنَ الأولياءِ، بهم تُخْمَدُ نِيرانُ الباطلِ وتُقْطَعُ جَهيزَتُه، ومعهم نورُ الهدى وبهم تقوم شَوْكَتُه، فللَّهِ حياتهم وللهِ مماتهم، اختصَّهم الله بخاصةِ العلمِ فجعلهم صوت حَقٍّ ومنابرَ هُدَى .

ولا شكَّ أنَّ المسلمينَ يعيشون اليوم في حالةٍ مِنَ الضَّعْفِ والهوانِ لا تخفى على مَنْ له أدْنى بصيرةٍ ، حتى عَظُمَ البلاءُ فأصبحنا نُخَرِّبُ بيوتَنا بأيدِينا وأيدي أعدائِنا ، وإنَّ مِنْ أعظمِ ما تعانيه أمَّةٌ مِنَ الأممِ هو أنْ تُبْقَرَ في خاصِرَتِهَا، وَتُنْخَرَ في سَاقِها التي تقومُ عليها ، فتُدَمِّرُ أخلاقَها التي تمثلُ حصانةً للمجتمعِ مِنَ الرذيلةِ والتَّفكُّكِ والانحلالِ ، حتى تغدوَ أمَّةً هشَّةً مُتناثِرةً مِنْ داخلها يسهلُ على أعدائها افتراسُها وتمزيقُها .

لقد ابْتُلِينَا - والله المستعانُ - بِثُلَّةٍ مِنَ المنافقينَ هَمُّهُمُ التَّضْلِيلُ، ودَيْدَنُهُمُ التَّلْبِيسُ على الناسِ، ولَيْتَهُمْ - إِذْ لم يُسَارِعُوا إلى الخيراتِ - امْتَنَعُوا عَنْ تأْجِيجِ الفتنةِ ونشرِ الرذيلةِ، ومنها استغلالُ المرأةِ بإِيقَاعِهَا في دركاتِ الاختلاطِ بالرِّجَالِ الأجانبِ، فيُجَرِّدُونَهَا مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، ويجعلونها للناسِ فتنةً، أولئكَ أربابُ القنواتِ الفضائيَّةِ والصُّحُفِ غيرِ النَّقِيَّةِ التي قَضَتْ على الحياءِ أوْ كادتْ ، واستعْبَدَتِ الناسَ بشَاشَاتِهَا وما تَوَانَتْ ، فَتَنَتِ النَّاسَ في أنفسِهم وأُسَرِهم وبُيُوتهم ، وأيُّ فِتْنَةٍ أعظمُ مِنْ أنْ يُفْتَنَ المرءُ في عُقْرِ دارِه ويُحَارَبُ في نفسِه وأهلِه وولدِه ! لم يراعوا في هذا إلاًّ ولا ذِمَّةً ، ولمْ يَقُمْ في قلوبهم خوفٌ مِنَ اللهِ فَيُوقِظُ غفْلَتَهم ، أوْ حياءٌ مِنَ الخلقِ فَيَكُفُّوا عَنِ المسلمينَ أذيَّتَهُمْ وَشَرَّهُمْ .

اسْتَغَلُّوا المرأةَ فجرَّدُوها مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، وعَرَضُوهَا فِتْنَةً للنَّاسِ تُبْدِي لهم مفاتِنَها وتَدْعُوهُمْ للافتِتَانِ بها ، وَأَرَوْهُمُ الكأْسَ مُبَهْرَجًا فأَغَرَوْا الغرَّ بِشُرْبِهِ ، وبَهْرَجُوا لهم طريقَ الجريمةِ والاعتداءِ على النفسِ والعِرْضِ والمالِ؛ فَعَظُمَ شرُّهُمْ واسْتَطَارَ شَرَرُهُمْ .

لقدْ أصبحَ مِنَ الهوانِ الذي تعيشُه نفوسُ أولئكَ أنْ مَجَّدُوا لهم بعضَ الْمُجَّانِ لِيَفْتَتِنَ بهم شبابُ المسلمين وفتياتُهم ، فصنعُوا لهم نجومًا مُظْلِمَةً مُتَفَسِّخَةً تُنَادِي بالويْلِ والثُّبُورِ ؛ حتى تسمَّوْا بأسمائِهم ولَبِسُوا لباسَهم وتشبَّهُوا بأخلاقِهم ، وطافُوا ديارَهم وبكوْا فِرَاقَهم ، و(مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الْهَوَانُ عَلَيْهِ) .

وإِنِّي حالفٌ بالله إنهم في كَدَرٍ من عيشِهم، وإنْ هَمْلَجَتْ بهم صَوْلَجَانَاتُهُمْ ، فكمْ لشَاشَاتِهِم مِنْ صرِيعٍ في هواه ! وكم لِقَنَواتِهم منْ مَفْتُونٍ في دِينهِ ! فأيُّ حياةٍ يعيشونها وأيُّ نَعِيمٍ يتلذَّذُونَ به ؟ وهُم يُعادُون اللهَ بما يُغْوُونَ به عبادَه ويُؤْذُونَ به أوليَاءَه .

وإنِّي سائِلٌ عُقَلاءَ قَوْمِي أنْ يَتَفَقَدُوا أخْلاقَ بُيُوتِهم ومجتمعاتِهم ، وكيفَ ذهبتِ الرَّحْمةُ مِنْ بيننا فأصبحْنَا بَدَلَ الجسدِ الواحدِ أجسادًا مُتَفَرِّقَةً ، وبدل القلبِ النابضِ قلوبًا مَيْتَةً ، فَقَسَتِ القلوبُ وتنافرَتْ ، وضَعُفَ الوازِعُ الأخلاقِيُّ عندَ شبابنا وبناتِنا إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ ، وإنَّنَا مع هذا لنخْشَى أنْ نُؤْخَذَ بجريرَةِ أولئكَ مالم يؤخذْ على أيدِيهم ممنْ ولاهُمُ الله الأمرَ، فإنَّ ما نَشْهَدُهُ مما لم نَرَهُ في سنينَ خلتْ مِنْ تتابُعِ الزَّلازِل وامتناعِ القَطْرِ وغلاءِ الأسْعَارِ وقَسْوةِ القلُوبِ وتنافُرِها لَمُؤْذِنٌ بما هو أكبرُ - نعوذُ بالله مِنْ سَخَطِه وأليمِ عِقَابِه -.

ولعلَّ هذا ما أَقَضَّ مَضْجِعَ بعضِ فُضَلائنِا كصاحبِ الفضيلَةِ الشيخِ/ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ناصرٍ البرَّاك أمدَّ الله في عمرِه على طاعته ، وهو مَنْ هو ممنْ حَبَاه الله علمًا وفهمًا ، مِنْ تلكَ البقيَّةِ الباقيَةِ مِنْ أهلِ العلمِ والفضلِ ، نحسبه - والله حسيبه ولا نزكيه على الله تعالى- فلقدْ دعا تِلْكُمُ الثلَّةَ إلى الحقِّ بالحقِّ، وبيَّنَ لهم وبَالَ أمْرِهم لعلَّهم يتَّعِظُونَ ، ولسانُ حالِه ومقالِه: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾[1] وما فعلَ ذلك إلا طمعًا منه في صلاحِهم وهدايتِهم ، فليسَ وبالُهم مقصورًا عليهم في خاصَّةِ أنفسِهم ، إنما تعدَّى أمرَهم حتى آذَوُا المسلمينَ في عُقْرِ دورِهم ، ولم يراعُوا في جرمهم حُرْمَةَ زمانٍ أوْ مكانٍ ؛ فكانَ لِزَامًا على مثلِه القيامُ بمثلِ ما قامَ به من النُّصْحِ والتوجيهِ ، فَلَعَمْرُ الحقِّ لقدْ أحسنَ في زمنٍ قلَّ فيه أهلُ الإحسانِ ، ونصح في زمنٍ عَزَّتْ فيه النَّصِيحةُ واسْتَنْسَر الرخَامَ .

وإنَّ مَنْ له قَدْرٌ من العقلِ والدين لَيُقِرُّ بخطرِ فتنةِ اختلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ، بلْ وشرِّها على دينِ المسلمِ وهويَّتِه وعربيَّتِه ، وقدْ أجمعَ العقلاءُ على خطرِ شُرْبِ الْمُسْكِرِ والمخدِّرِ وأنَّه مُفْسِدٌ لعقلِ مُتَعاطِيه ومالِه ، وأشدُّ مِنْ ذلكَ جُرْمًا الْمُرَوِّجُ لهذه السمومِ ، ومن المعلومِ أنَّ ضررَها متعلِّقٌ بالمالِ والبدنِ ، أفلا يكونُ الْمُرَوِّجُ لفسادِ مُعْتَقَدَاتِ النَّاسِ وأخلاقِهم وهُوِيَّتِهم - أشَدَّ جُرْمًا وخطرًا ، وأولى بأنْ يُؤْخَذَ على يدِه ويُؤْطَرَ على الحقِّ أطْرًا؟!.

وقد كانَ من المفترضِ أنْ يُقَابَلَ الإحسانُ بالإحسانِ والعرفانِ ، إلا أنَّ هناك من القلوبِ قلوبًا صَدِئَةً لا تنفعُها المواعظُ ، كأنما قدْ طُبِعَ على سمعها وبصرِها فلا تفْهَمُ لغةَ النَّاصِحِ أو الواعظِ ، لها أقلامٌ شَوْهَاءُ كأنما هي أذنابُ الشياطينِ ، وصفحَاتٌ سوْدَاءُ تَلُوكُ فيها أعْرَاضَ الصَّالحينَ ، فأخذت تَقْلِبُ الكلامَ على غيرِ وجْهِه ، وتسْتَدْعِي على الشيخِ الموافِقَ والمخَالِفَ ، وتجلبَ عليه بخيْلِهَا وَرَجِلِهَا فَتُرْعِدُ وتُبْرِقُ وتُجلسُ وتُنجدُ ، ونحنُ نقولُ لفضيلةِ الشيخِ: لنْ تُرَاعَ؛ فقدْ كفاكَ الله شرَّهم بالاستعاذَةِ ، فاسْتَعِذْ بالله مِنْ شرِّهم فإنما هم أذنابُ الشياطِينِ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[2] فهم – والله - إنْ كانَ الله معكَ لأهونُ مِنْ شعرةٍ في بعْرَةٍ ، ولعمْرُ الحقِّ إنَّ في أذيَّتِهم لوجهًا من الإحسانِ لوْ علِمُوه لأخفَوْه ؛ ذلك أنهم يذكِّرون بأنَّ المؤمنَ لا بدَّ أنْ يُبْتلى ويمتحنَ في حياته بأذنابِ قوْمِه ، فشهدوا على أنفسهم أنهم أذنابُ الشياطينِ .

وخِتَامًا فإنَّا نُثَنِّي على ما وجَّهَ به شيخُنَا إلى دُعَاةِ الاختلاطِ ، منْ أنْ يتقُوا الله ، ولْيَعْلَمُوا أنها - وإنْ طابتْ لهم ساعتُهم وسَكِرُوا بغفلتِهم - فإنَّه لا بدَّ لهم مِن اسْتِفَاقَةٍ في آخرَتِهم تَطُولُ معها حسْرَتُهم وتَجِفُّ دمْعَتُهم ، إنْ لم يُبَادِرُوا بالتوبَةِ والإصْلاحِ .

كما أُذَكِّرُ كُلَّ مُسلِمٍ غَيورٍ على أبنائه وبناته وزَوْجِه بأنْ يتَّقِيَ اللهَ فيهم ، وأنْ يُقَاطِعَ القَنَواتِ وَالصُّحُفَ التي تدْعُو إلى نشرِ الشرِّ والفسادِ مُقَاطعةً تامَّةً قبلَ أنْ تَحِلَّ سَاعَةُ النَّدَمِ، وأُذَكِّرُه بأنه مسؤولٌ عمَّنْ تحتَ يدِه، ولا بُدَّ أنْ يُسْأَلَ: أَحَفِظَ أمْ ضَيَّعَ؟ فَلْيَتَّقِ اللهَ فيمَنْ تحتَ يدِه، ولْيَتَّعِظْ الجميعُ بموعظةِ اللهِ التي قالَ فيها سبحانه: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾[3].

كما أَهِيبُ بإخواني مِنْ طُلابِ العِلْمِ أنْ يكونَ لهم وَقْفَةٌ في مُنَاصَرَةِ الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ، والذَّبِّ عنه وعنِ الحقِّ الذي نبَّهَ عليْه ، وأنْ يَحْذَرُوا مِنْ تلاعُبِ أصْحَابِ الصُّحُفِ بهم وجَرِّهم إلى تسْفِيهِ أهْلِ العلْمِ والطَّعْنِ في فتَاويِهم، وأُذَكِّرُهم بالميثَاقِ الذي أَخَذَه الله على أهْلِ العلمِ في بيانِ الحقِّ والتكاتُفِ في الدَّعْوةِ إليه بالتي هيَ أحْسَنُ ، وتَبْصِيرِ النَّاسِ بخطرِ هذهِ الأفكارِ على عقيدةِ المسلمِ وسلوكِهِ.

ونحنُ نقولُ لبعضِ أربابِ تِلْكُم الصُّحُفِ مِمَّنْ يُحْسِنُ في بحرِ الإساءَةِ بأنْ يتقيَ الله ، فقدْ كانَ أهلُ النِّفَاقِ يخرجُون مع أصحابِ رسولِ الله إلى الغزو ويحضرُون معه المشاهدَ وهم مُنْغمِسُونَ في النفاقِ ، فما يكتبونه منْ مقالاتٍ نافعةٍ على نُدْرَةٍ أو قِلَّةٍ ، إنما هي كالطُّعْمِ والدَّعْوَةِ لمتابعةِ سِوَاها منْ مقالاتٍ ضارَّةٍ بعقيدةِ المسلمِ وسلوكِه .

فدعوتُنا للجميعِ بأنْ يتَّقُوا الله ، وأنْ يَسْتَفِيقُوا مِنْ غفلتِهم ، وأنْ يُحْيُوا مبدأَ الرَّحْمَةِ والتنَاصُحِ الذي يؤلِّفُهم جسدًا واحدًا في وجْهٍ هذه الحمْلَةِ الممقوتةِ ، وأنْ ينظرَ كلُّ امرئٍ ما قدَّمَتْ يداه، أَخَيْرًا قدَّمَ أمْ شرًّا أعَدَّ ، ثم لْيَكُنْ على يَقينٍ بأنَّ هناكَ مَنْ يحصِي عليه أعمالَه حتى يراها منشورةً أمامَه ، ومِنْ بينها هذه المقالاتُ الظالمةُ التي تهزُّ الفِطْرَةَ وتحارِبُ الفضيلةَ، فلْيَنْظُرِ المسلمُ في أيِّ الكِفَّتينِ يضعها ثم لْيَحْزِمْ أمْرَه ، فإنه سيموتُ وحدَه ، ويُدْفنُ وحدَه ، ويلاقِي ربَّه وحدَه. نسألُ الله الهدايةَ للجميعِ وباللهِ التوفيقُ .
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
*العزيز بالله تعالى* غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 03-03-2010, 11:46 PM   #16
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 123
قوة التقييم: 0
*العزيز بالله تعالى* is on a distinguished road
عاجل :

الأمير نايف يوجه بمنع الاختلاط في معرض الكتاب
ويمنع الكتب المخالفة للعقيدة .

حمي الوطيس !!
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
*العزيز بالله تعالى* غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 04-03-2010, 12:25 AM   #17
عضو مميز
 
صورة محب السنة الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
البلد: .. حَيثُ يُـقـيـمُـون ..
المشاركات: 245
قوة التقييم: 0
محب السنة is on a distinguished road
Lightbulb

اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها *العزيز بالله تعالى* مشاهدة المشاركة


للشيخ / عبد الله السعد :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله وليِّ الصالحينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على من أرسله ربُّه رحمةً للعالمينَ، وعلى آله وصحبه أجمعينَ، أما بعدُ...

فَمِنْ سُننِ الله أنْ كانَ الحقُّ والباطلُ في صراعٍ مستمرٍ منذُ فجرِ الإنسانيةِ الأولى، يكونُ فيه للباطلِ أعوانٌ منَ الملأ، كما يكونُ للحقِّ أنصارٌ مِنَ الأولياءِ، بهم تُخْمَدُ نِيرانُ الباطلِ وتُقْطَعُ جَهيزَتُه، ومعهم نورُ الهدى وبهم تقوم شَوْكَتُه، فللَّهِ حياتهم وللهِ مماتهم، اختصَّهم الله بخاصةِ العلمِ فجعلهم صوت حَقٍّ ومنابرَ هُدَى .

ولا شكَّ أنَّ المسلمينَ يعيشون اليوم في حالةٍ مِنَ الضَّعْفِ والهوانِ لا تخفى على مَنْ له أدْنى بصيرةٍ ، حتى عَظُمَ البلاءُ فأصبحنا نُخَرِّبُ بيوتَنا بأيدِينا وأيدي أعدائِنا ، وإنَّ مِنْ أعظمِ ما تعانيه أمَّةٌ مِنَ الأممِ هو أنْ تُبْقَرَ في خاصِرَتِهَا، وَتُنْخَرَ في سَاقِها التي تقومُ عليها ، فتُدَمِّرُ أخلاقَها التي تمثلُ حصانةً للمجتمعِ مِنَ الرذيلةِ والتَّفكُّكِ والانحلالِ ، حتى تغدوَ أمَّةً هشَّةً مُتناثِرةً مِنْ داخلها يسهلُ على أعدائها افتراسُها وتمزيقُها .

لقد ابْتُلِينَا - والله المستعانُ - بِثُلَّةٍ مِنَ المنافقينَ هَمُّهُمُ التَّضْلِيلُ، ودَيْدَنُهُمُ التَّلْبِيسُ على الناسِ، ولَيْتَهُمْ - إِذْ لم يُسَارِعُوا إلى الخيراتِ - امْتَنَعُوا عَنْ تأْجِيجِ الفتنةِ ونشرِ الرذيلةِ، ومنها استغلالُ المرأةِ بإِيقَاعِهَا في دركاتِ الاختلاطِ بالرِّجَالِ الأجانبِ، فيُجَرِّدُونَهَا مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، ويجعلونها للناسِ فتنةً، أولئكَ أربابُ القنواتِ الفضائيَّةِ والصُّحُفِ غيرِ النَّقِيَّةِ التي قَضَتْ على الحياءِ أوْ كادتْ ، واستعْبَدَتِ الناسَ بشَاشَاتِهَا وما تَوَانَتْ ، فَتَنَتِ النَّاسَ في أنفسِهم وأُسَرِهم وبُيُوتهم ، وأيُّ فِتْنَةٍ أعظمُ مِنْ أنْ يُفْتَنَ المرءُ في عُقْرِ دارِه ويُحَارَبُ في نفسِه وأهلِه وولدِه ! لم يراعوا في هذا إلاًّ ولا ذِمَّةً ، ولمْ يَقُمْ في قلوبهم خوفٌ مِنَ اللهِ فَيُوقِظُ غفْلَتَهم ، أوْ حياءٌ مِنَ الخلقِ فَيَكُفُّوا عَنِ المسلمينَ أذيَّتَهُمْ وَشَرَّهُمْ .

اسْتَغَلُّوا المرأةَ فجرَّدُوها مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، وعَرَضُوهَا فِتْنَةً للنَّاسِ تُبْدِي لهم مفاتِنَها وتَدْعُوهُمْ للافتِتَانِ بها ، وَأَرَوْهُمُ الكأْسَ مُبَهْرَجًا فأَغَرَوْا الغرَّ بِشُرْبِهِ ، وبَهْرَجُوا لهم طريقَ الجريمةِ والاعتداءِ على النفسِ والعِرْضِ والمالِ؛ فَعَظُمَ شرُّهُمْ واسْتَطَارَ شَرَرُهُمْ .

لقدْ أصبحَ مِنَ الهوانِ الذي تعيشُه نفوسُ أولئكَ أنْ مَجَّدُوا لهم بعضَ الْمُجَّانِ لِيَفْتَتِنَ بهم شبابُ المسلمين وفتياتُهم ، فصنعُوا لهم نجومًا مُظْلِمَةً مُتَفَسِّخَةً تُنَادِي بالويْلِ والثُّبُورِ ؛ حتى تسمَّوْا بأسمائِهم ولَبِسُوا لباسَهم وتشبَّهُوا بأخلاقِهم ، وطافُوا ديارَهم وبكوْا فِرَاقَهم ، و(مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الْهَوَانُ عَلَيْهِ) .

وإِنِّي حالفٌ بالله إنهم في كَدَرٍ من عيشِهم، وإنْ هَمْلَجَتْ بهم صَوْلَجَانَاتُهُمْ ، فكمْ لشَاشَاتِهِم مِنْ صرِيعٍ في هواه ! وكم لِقَنَواتِهم منْ مَفْتُونٍ في دِينهِ ! فأيُّ حياةٍ يعيشونها وأيُّ نَعِيمٍ يتلذَّذُونَ به ؟ وهُم يُعادُون اللهَ بما يُغْوُونَ به عبادَه ويُؤْذُونَ به أوليَاءَه .

وإنِّي سائِلٌ عُقَلاءَ قَوْمِي أنْ يَتَفَقَدُوا أخْلاقَ بُيُوتِهم ومجتمعاتِهم ، وكيفَ ذهبتِ الرَّحْمةُ مِنْ بيننا فأصبحْنَا بَدَلَ الجسدِ الواحدِ أجسادًا مُتَفَرِّقَةً ، وبدل القلبِ النابضِ قلوبًا مَيْتَةً ، فَقَسَتِ القلوبُ وتنافرَتْ ، وضَعُفَ الوازِعُ الأخلاقِيُّ عندَ شبابنا وبناتِنا إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ ، وإنَّنَا مع هذا لنخْشَى أنْ نُؤْخَذَ بجريرَةِ أولئكَ مالم يؤخذْ على أيدِيهم ممنْ ولاهُمُ الله الأمرَ، فإنَّ ما نَشْهَدُهُ مما لم نَرَهُ في سنينَ خلتْ مِنْ تتابُعِ الزَّلازِل وامتناعِ القَطْرِ وغلاءِ الأسْعَارِ وقَسْوةِ القلُوبِ وتنافُرِها لَمُؤْذِنٌ بما هو أكبرُ - نعوذُ بالله مِنْ سَخَطِه وأليمِ عِقَابِه -.

ولعلَّ هذا ما أَقَضَّ مَضْجِعَ بعضِ فُضَلائنِا كصاحبِ الفضيلَةِ الشيخِ/ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ناصرٍ البرَّاك أمدَّ الله في عمرِه على طاعته ، وهو مَنْ هو ممنْ حَبَاه الله علمًا وفهمًا ، مِنْ تلكَ البقيَّةِ الباقيَةِ مِنْ أهلِ العلمِ والفضلِ ، نحسبه - والله حسيبه ولا نزكيه على الله تعالى- فلقدْ دعا تِلْكُمُ الثلَّةَ إلى الحقِّ بالحقِّ، وبيَّنَ لهم وبَالَ أمْرِهم لعلَّهم يتَّعِظُونَ ، ولسانُ حالِه ومقالِه: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾[1] وما فعلَ ذلك إلا طمعًا منه في صلاحِهم وهدايتِهم ، فليسَ وبالُهم مقصورًا عليهم في خاصَّةِ أنفسِهم ، إنما تعدَّى أمرَهم حتى آذَوُا المسلمينَ في عُقْرِ دورِهم ، ولم يراعُوا في جرمهم حُرْمَةَ زمانٍ أوْ مكانٍ ؛ فكانَ لِزَامًا على مثلِه القيامُ بمثلِ ما قامَ به من النُّصْحِ والتوجيهِ ، فَلَعَمْرُ الحقِّ لقدْ أحسنَ في زمنٍ قلَّ فيه أهلُ الإحسانِ ، ونصح في زمنٍ عَزَّتْ فيه النَّصِيحةُ واسْتَنْسَر الرخَامَ .

وإنَّ مَنْ له قَدْرٌ من العقلِ والدين لَيُقِرُّ بخطرِ فتنةِ اختلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ، بلْ وشرِّها على دينِ المسلمِ وهويَّتِه وعربيَّتِه ، وقدْ أجمعَ العقلاءُ على خطرِ شُرْبِ الْمُسْكِرِ والمخدِّرِ وأنَّه مُفْسِدٌ لعقلِ مُتَعاطِيه ومالِه ، وأشدُّ مِنْ ذلكَ جُرْمًا الْمُرَوِّجُ لهذه السمومِ ، ومن المعلومِ أنَّ ضررَها متعلِّقٌ بالمالِ والبدنِ ، أفلا يكونُ الْمُرَوِّجُ لفسادِ مُعْتَقَدَاتِ النَّاسِ وأخلاقِهم وهُوِيَّتِهم - أشَدَّ جُرْمًا وخطرًا ، وأولى بأنْ يُؤْخَذَ على يدِه ويُؤْطَرَ على الحقِّ أطْرًا؟!.

وقد كانَ من المفترضِ أنْ يُقَابَلَ الإحسانُ بالإحسانِ والعرفانِ ، إلا أنَّ هناك من القلوبِ قلوبًا صَدِئَةً لا تنفعُها المواعظُ ، كأنما قدْ طُبِعَ على سمعها وبصرِها فلا تفْهَمُ لغةَ النَّاصِحِ أو الواعظِ ، لها أقلامٌ شَوْهَاءُ كأنما هي أذنابُ الشياطينِ ، وصفحَاتٌ سوْدَاءُ تَلُوكُ فيها أعْرَاضَ الصَّالحينَ ، فأخذت تَقْلِبُ الكلامَ على غيرِ وجْهِه ، وتسْتَدْعِي على الشيخِ الموافِقَ والمخَالِفَ ، وتجلبَ عليه بخيْلِهَا وَرَجِلِهَا فَتُرْعِدُ وتُبْرِقُ وتُجلسُ وتُنجدُ ، ونحنُ نقولُ لفضيلةِ الشيخِ: لنْ تُرَاعَ؛ فقدْ كفاكَ الله شرَّهم بالاستعاذَةِ ، فاسْتَعِذْ بالله مِنْ شرِّهم فإنما هم أذنابُ الشياطِينِ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[2] فهم – والله - إنْ كانَ الله معكَ لأهونُ مِنْ شعرةٍ في بعْرَةٍ ، ولعمْرُ الحقِّ إنَّ في أذيَّتِهم لوجهًا من الإحسانِ لوْ علِمُوه لأخفَوْه ؛ ذلك أنهم يذكِّرون بأنَّ المؤمنَ لا بدَّ أنْ يُبْتلى ويمتحنَ في حياته بأذنابِ قوْمِه ، فشهدوا على أنفسهم أنهم أذنابُ الشياطينِ .

وخِتَامًا فإنَّا نُثَنِّي على ما وجَّهَ به شيخُنَا إلى دُعَاةِ الاختلاطِ ، منْ أنْ يتقُوا الله ، ولْيَعْلَمُوا أنها - وإنْ طابتْ لهم ساعتُهم وسَكِرُوا بغفلتِهم - فإنَّه لا بدَّ لهم مِن اسْتِفَاقَةٍ في آخرَتِهم تَطُولُ معها حسْرَتُهم وتَجِفُّ دمْعَتُهم ، إنْ لم يُبَادِرُوا بالتوبَةِ والإصْلاحِ .

كما أُذَكِّرُ كُلَّ مُسلِمٍ غَيورٍ على أبنائه وبناته وزَوْجِه بأنْ يتَّقِيَ اللهَ فيهم ، وأنْ يُقَاطِعَ القَنَواتِ وَالصُّحُفَ التي تدْعُو إلى نشرِ الشرِّ والفسادِ مُقَاطعةً تامَّةً قبلَ أنْ تَحِلَّ سَاعَةُ النَّدَمِ، وأُذَكِّرُه بأنه مسؤولٌ عمَّنْ تحتَ يدِه، ولا بُدَّ أنْ يُسْأَلَ: أَحَفِظَ أمْ ضَيَّعَ؟ فَلْيَتَّقِ اللهَ فيمَنْ تحتَ يدِه، ولْيَتَّعِظْ الجميعُ بموعظةِ اللهِ التي قالَ فيها سبحانه: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾[3].

كما أَهِيبُ بإخواني مِنْ طُلابِ العِلْمِ أنْ يكونَ لهم وَقْفَةٌ في مُنَاصَرَةِ الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ، والذَّبِّ عنه وعنِ الحقِّ الذي نبَّهَ عليْه ، وأنْ يَحْذَرُوا مِنْ تلاعُبِ أصْحَابِ الصُّحُفِ بهم وجَرِّهم إلى تسْفِيهِ أهْلِ العلْمِ والطَّعْنِ في فتَاويِهم، وأُذَكِّرُهم بالميثَاقِ الذي أَخَذَه الله على أهْلِ العلمِ في بيانِ الحقِّ والتكاتُفِ في الدَّعْوةِ إليه بالتي هيَ أحْسَنُ ، وتَبْصِيرِ النَّاسِ بخطرِ هذهِ الأفكارِ على عقيدةِ المسلمِ وسلوكِهِ.

ونحنُ نقولُ لبعضِ أربابِ تِلْكُم الصُّحُفِ مِمَّنْ يُحْسِنُ في بحرِ الإساءَةِ بأنْ يتقيَ الله ، فقدْ كانَ أهلُ النِّفَاقِ يخرجُون مع أصحابِ رسولِ الله إلى الغزو ويحضرُون معه المشاهدَ وهم مُنْغمِسُونَ في النفاقِ ، فما يكتبونه منْ مقالاتٍ نافعةٍ على نُدْرَةٍ أو قِلَّةٍ ، إنما هي كالطُّعْمِ والدَّعْوَةِ لمتابعةِ سِوَاها منْ مقالاتٍ ضارَّةٍ بعقيدةِ المسلمِ وسلوكِه .

فدعوتُنا للجميعِ بأنْ يتَّقُوا الله ، وأنْ يَسْتَفِيقُوا مِنْ غفلتِهم ، وأنْ يُحْيُوا مبدأَ الرَّحْمَةِ والتنَاصُحِ الذي يؤلِّفُهم جسدًا واحدًا في وجْهٍ هذه الحمْلَةِ الممقوتةِ ، وأنْ ينظرَ كلُّ امرئٍ ما قدَّمَتْ يداه، أَخَيْرًا قدَّمَ أمْ شرًّا أعَدَّ ، ثم لْيَكُنْ على يَقينٍ بأنَّ هناكَ مَنْ يحصِي عليه أعمالَه حتى يراها منشورةً أمامَه ، ومِنْ بينها هذه المقالاتُ الظالمةُ التي تهزُّ الفِطْرَةَ وتحارِبُ الفضيلةَ، فلْيَنْظُرِ المسلمُ في أيِّ الكِفَّتينِ يضعها ثم لْيَحْزِمْ أمْرَه ، فإنه سيموتُ وحدَه ، ويُدْفنُ وحدَه ، ويلاقِي ربَّه وحدَه. نسألُ الله الهدايةَ للجميعِ وباللهِ التوفيقُ .



لله در المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد ؛ فقد أجاد في هذا البيان أيما إجادة ، وهو من العلماء


الأجلاء الأثبات - نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا - ، اللهم احفظ الشيخ البراك والسعد


وعلماء السنة في العالم أجمع وانصرهم على من ظلمهم ، واحفظهم وبارك لهم ، وثبتهم ، وزدهم


علما إلى علمهم ياذا الجلال والإكرام ..









محب السنة
__________________
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً :
( كل المسلم على المسلم حرام ؛ دمه ، وماله ، وعرضه ) رواه مسلم ..


محب السنة غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 04-03-2010, 06:02 AM   #18
عضو مبدع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,329
قوة التقييم: 0
الهرم الرابع is on a distinguished road

قرار النائب الثاني

ليس من فراغ وهو بمثابة الإقرار علي أن الإختلاط يراد به هدم الفضيلة والإسلام

وقراره هذا جعل العلامة البراك في مصاف النجوم















(تحياتي :الهرم الرآبع)
__________________
الهرم الرابع غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 04-03-2010, 02:59 PM   #19
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 123
قوة التقييم: 0
*العزيز بالله تعالى* is on a distinguished road
اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها الهرم الرابع مشاهدة المشاركة

قرار النائب الثاني ليس من فراغ وهو بمثابة الإقرار علي أن الإختلاط يراد به هدم الفضيلة والإسلام
وقراره هذا جعل العلامة البراك في مصاف النجوم
[size="4"]كان ولازال حفظه الله غصةً في حلوق أهل العلمنة والليبرالية الذين ينادون بالاختلاط الفاسد ،وعجبي لا ينقضي ممن يظن بهم خيرا أو ينتظر منهم عزة وهم بهذه الحال والمعتقد !!![
وأما الشيخ البراك فقد كان فوق النجوم قبل وبعد .
/size]
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
*العزيز بالله تعالى* غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 04-03-2010, 11:54 PM   #20
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 123
قوة التقييم: 0
*العزيز بالله تعالى* is on a distinguished road
الاختلاط .. وانحناء القلوب



بسم الله الرحمن الرحيم ..



فقد تابعت ما يُطرح في مسألة "الاختلاط بين الجنسين" ونظرت فيما انتهى إلي فيه، وقرأت ما كتبه الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك في هذه المسألة فرأيته لا يَخرج عن الحق لفظاً ولا معنى.



والحق مع وضوحه وجلائه قد يغيب عن طالبه لورع بارد تمكن منه، أو لغلبة مصلحة متوَهمة، أو لغياب نصٍ متفق عليه عملاً، لا يُحسن الناظر فيه تنزيله على بعض الصور والنوازل الداخلة فيه بأدنى تأمل، والعالم الصادق لا يَتهيب المخالفة قدر تهيبه القصور عن قول الحق الغائب والعمل به، ولو كان المخالف له منسوباً إلى الإصلاح والفقه، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه قال في مانعي الزكاة قولاً غاب عن جمهور الصحابة وعلية الخلق بعد الأنبياء كعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فكان هذا نوعاً من الذهول العارض يؤوب معه الصادق عند بيانه كأوبة خير القرون خلف أبي بكر صفاً واحداً، فلا يُعاب على الذاهل ذهولاً عارضاً ذهوله ما آب، وإن حضره الدليل فحضور الدليل لا يتلازم مع تمكن الفهم وإصابة الحق، لأن إصابة الحق قد لا تحضر في ذهن الناقل ولو حمل النص بين جنبيه، ولهذا كان "شر الأمة آخر الزمان القراء"، كما في الحديث، وهذا في حملة نص القرآن، فكيف بحملة نص السنة.



وأدرك يقيناً أن كثيراً من العلماء الصادقين وهم يرون جلد الإعلام الشاذ في ترويض الاختلاط موزّعو العقل والقلب بين ما يؤمنون به وما يرون تحت بصرهم من الوحي الصادق والإجماع الثابت على حرمة الاختلاط في التعليم والعمل وبين ما يراد أن يُفعل، وقلّة حيلتهم استحكمت عليهم فلزموا الصمت، والصمت خيرٌ ولكن في غير هذا الموضع، لأن الساكت يُحمد إذا لم يُنسب إليه قول، وأما في حال نسبة القول إليهم فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل، وهذا ما وصف الله به اليهود قال الله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) فجعل سمعهم الكذب وكذبهم سواء.



وأما من يخالف ما قاله الشيخ عبد الرحمن البراك بجهالةٍ، وهو خال القلب من نور الوحي، أو طال انحناء ظهره لسطوة الإعلام فطال أمده فظن أنه إنما خُلق أحدب الظهر، فاستروحت نفسه وجسده الانحناء، وتألمت مع القوام، فحاله لا تُغير ما خلق الله البشر عليه: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، وللقلب انحناءة كانحناءة الجسد وقوام كقوامه.



وكثيراً ما يعجز حملة الأقلام عن التحرر من نيران الشبهات، ونصرة ما حقه النصرة، وخذلان ما حقه الخذلان، لقوة الإعلام في تقزيم عملاق وعملقة قزم، وتهيب إرهاب الإعلام بألفاظ مثل التشدد والغلو والتخلف، فتوءد الجسارة على قول الحق واعتقاده في قلوب الكثير.

والسكوت لا عبرة به في موازين الحق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن السكوت سيصل حداً أبعد من تقرير مسألة الاختلاط، ولكن الحق حقٌ والباطل باطل، فيروى عند ابن حبان والحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذٍ من يقول لو واريناها وراء هذا الحائط).



وما يضر الحق تسمية أهل الباطل إياه باطلاً، فضلاً عن سكوت الساكتين عنه .



ولتوضيح الرأي حول ما قاله الشيخ عبدالرحمن البراك فالحديث عنه من عدة جهات :



أولاً : بخصوص تحريم الاختلاط، فهذا مما لا يُخالف فيه أحدٌ من علماء الإسلام من سائر المذاهب المتبوعة ونص على الإجماع أئمة كثير، وقد بَسطت المسألة في كتاب "الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب" يَنبغي الرجوع إليها لمعرفة نصوص الشريعة وإجماع الأمة عبر القرون، ولا عبرة بمقالاتٍ تُنشر هنا وهناك لمنتسبي الفقه في القرن الخامس عشر.



ثانياً : وأما بشأن ما نص عليه الشيخ من تكفير المستحل مع إقراره واعتقاده بلزوم الاختلاط لبعض المحرمات القطعية معلومة التحريم في الإسلام ضرورة، فقد مثل الشيخ لبعضها (النظر المحرم والكلام الحرام والتبرج والسفور الحرام) وقد حكى الإجماع على كفر مستحلها غير واحد من العلماء في مواضع مختلفة كابن تيمية في "الفتاوي" (5/449) وابن مفلح في مواضع وخلق من فقهاء المذاهب الأربع.



فالاختلاط المقصود هو الاختلاط في التعليم والعمل، وأما الاختلاط العابر كالأسواق والمساجد والطرقات بلا ممازجة ومماسة فهذا يفعله الناس في كل العصور علماء وعامة لم يقصده أحدٌ في تحريم وإيراده على العلماء يدل على عدم معرفة بالنصوص وفعل القرون المفضلة أو تجاهل ومكابرة .



ثم إنه من المقطوع به في مسائل الاعتقاد أن من استحل المباح في ذاته اللازم لزوماً لا ينفك بأي حال عن المُحرم القطعي المعلوم من الدين بالضرورة، وأُقر الإنسان على هذا اللزوم فأقر به ومع ذلك يستحله، فحكمه كحكم مستبيح المُحرم القطعي أصلاً، لأنه لا يمكن أن ينفك الكفر عن لازمه القطعي ووسيلته التي لا توصل إلا إليه أو إلى غيره معه يقيناً، وهذا خاص باللازم القطعي لا باللازم الظني ولا الأغلبي، وهذا في الأمور معلومة الإباحة التي لم يرد فيها نص بذاتها بالتحريم، فكيف وقد جاءت النصوص وأجمعت الأمة على تحريم الاختلاط .



فمن قال: إن من دخل دار فلان فلا بد أن يفعل مُحرماً قطعياً كشرب الخمر مثلاً أو رؤية العُراة، يُلزم الداخلون جميعاً بلا استثناء من فعل المحرم القطعي، وغير الداخل معافى، ولا إكراه على الدخول، فمن عرف ذلك واستيقن حقيقة فعل الداخلين جميعاً للمحرم حيث لا ينفرد منهم أحد بمباح، ثم أباح الدخول للدار فهذه استباحة حرام قطعي، وإن حاول التفريق بين إباحة السبب والمحرم القطعي في مثل هذه الحال، فهذا جمع بين المتناقضات عقلاً وشرعاً للوصول لشهوة أو شبهة مقصودة، لا يختلف العلماء في ذلك .



ولهذا صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، مع احتمال كون التصديق له لموافقة المحسوس .



ولو احترزت النصوص الشرعية لكل ما يُستثنى من النوادر، لما وُجد في الشريعة عموم، ولما صح إطلاق، والقرآن والسنة مليئان من ذلك، والعلماء يُفرقون بين نصوص الإطلاق، وقضايا الأعيان وتنزيل الأحكام عليها .



ويجب أن لا يغتر الناس بوَلع كثير من الكتاب بالاستنثاءات النادرة، والإلزام بها، فهذا من الورع البارد ليُدخلوا العامة في حُكم الأفراد المستثنتاة ليُعطلوا بذلك أحكام الإسلام العامة .



والمعلوم ضرورة أن من فعل المحرم كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا والاختلاط في التعليم والعمل والخلوة مجرد فعلٍ بلا اعتقاد حلها فهذا مسلم مذنب عاصٍ أمره إلى الله لا يجوز الخوض في تكفيره إلا عند الخوارج، والكلام هنا على مسألة الاستحلال للمحرم وتحريم الحلال المقطوع به .



ولكون مسألة الاختلاط من المسائل المنصوصة وقد أجمع عليها العلماء ومن أسباب فعل المحرم المتيقن فمن استباحه مع يقينه أنه يحدث معه قطعاً أشياء محرمة فهو كمستبيح المحرم، وهذا ما قرره العلماء، وسُبق الشيخ البراك إلى ذلك من جمع من الأئمة بل حُكي الإجماع عليه .

فمن ذلك : ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله العامري (469-530هـ) في "أحكام النظر" (ص 285): ( ثم قد اتفقت علماء الأمة أن من اعتقد هذه المحظورات وإباحة امتزاج الرجال بالنسوان الأجانب فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقد تحريمه وفعله وأقر عليه ورضي به فقد فسق لا يسمع قول ولا تقبل له شهادة ) انتهى .



ومن ذلك ما قاله أبو الفضل راشد ابن أبي راشد الوليدي المالكي (ت675) كما في "المعيار المعرب" (11/228) : ( وأما من غلب على ظنك أنه يعلم ذلك ويستبيحه - أي الاختلاط- فهذا كافر يجب جهاده إن قدرت بيدك أو بلسانك فإن لم تقدر فبقلبك ) انتهى .



ثالثاً : أن العلماء يطلقون كثيراً أحكام الحدود في كتب العقائد والفقه، والمتقرر عندهم بلا تقييد في كل موضع أن الذي يجب في حقه القيام بذلك هم ولاة الأمر، وهذا ما هو معروف عند علماء الإسلام وفقهائه في كل عصر ومنهم الشيخ البراك فكتبه وشروحه مليئة من تقرير هذا، وهذا ما نص عليه، الفقيه راشد ابن أبي راشد الوليدي كما سبق قال بعد بيان حُكم مبيح الاختلاط: ( وتغيير ذلك عليه مما يختص بالحاكم) انتهى .



هذا وجمع الله للأمة شملها، وحفظ لها دينها، والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ومن اتبع .



عبدالعزيز الطريفي
الباحث العلمي في وزارة الشئون الإسلامية
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
*العزيز بالله تعالى* غير متصل   الرد باقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.