عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 23-01-2005, 05:55 PM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
منافع وأضرار قابلية التعود

إبراهيم البليهي



التاريخ: الأحد 2004/11/28 م


ليس المهم ما يتلقاه الإنسان من معلومات ونصائح وإنما الأكثر أهمية عادات الفكر والفعل فالعادات هي قوانين الحياة الإنسانية أو هي القضبان الذي ينزلق عليه السلوك الإنساني تلقائياً إنها البديل عن الغرائز عند الحيوانات، فالعادات الذهنية والسلوكية التي يكتسبها الإنسان قصداً أو عفواً هي التي تحدد اتجاهه في الحياة إن لها سطوة تشبه سطوة الغرائز الطبيعية الموروثة إلا انها تختلف عن الغرائز بأنه بالجهد الكثيف المنظم يمكن تغييرها وفق متطلبات الحياة الفردية أو الجماعية، إن العادات إذا اجيد تكوينها على مستوى الفرد والمجتمع تصير عظيمة النفع ولكن إذا جاءت رديئة فإن الحياة تصبح أشد رداءة لأن الميل للانحدار هو ميل تلقائي لذلك فإن مسألة العادات يجب أن تكون قضية مركزية وان تنال من النقاش والتأصيل العلمي كل ما هو مستطاع فحياة الأفراد والجماعات والمجتمعات ما هي إلا سلسلة من العادات الذهنية والسلوكية ويجب أن تنال من الاهتمام والبحث والترشيد والبناء والانتقاء والتعديل والاستبدال واستمرار المراجعة ما يتناسب مع شديد تأثيرها في الحياة وقيادتها لها صعوداً أو هبوطاً..
إن علاقة العادات بالفعل والفكر وبالمعرفة والجهل وبالفاعلية أو الكلال وبالعناية أو الاهمال وبالانضباط أو الانفلات وبمتانة العلاقات أو هشاشتها وبرقي الأخلاق أو انحطاطها وبالسعادة أو التعاسة وبالتقدم أو التخلف هي علاقة السبب بالنتيجة وبمقدار ما ترتقي العادات في المجتمع ترتفع أخلاقه ويرتقي أداؤه وتصلح أموره وتتحسن أوضاعه ولكننا في التعليم لا نهتم بتكوين العادات البانية ولا نعتني بتعريف الدارسين كيفية بناء العادات المعرفية وتكوين المهارات الفكرية والعملية وإنما نركز على اعطاء المعلومات وهي قد صارت مع توفر وسائل المعرفة أدنى مهام التعليم وهذا يؤكد اننا ما زلنا نجهل أو نتجاهل أهمية العادات وخطورتها فليس الإنسان إلا ما تعود...
إن أكثر الناس لا يدركون الأهمية الحيوية لقابلية التعود كما انهم في الغالب لا يعرفون خطورة هذه القابلية على وجودهم ومستقبلهم كما هي على حاضر مجتمعاتهم ومستقبلها فإذا كانت الأحياء خلقت بغرائز ثابتة لا تتغير ولا تخطئ فإن الإنسان خلق بقابلية الاعتياد والتبرمج وهذه القابلية هي البديل عن الغريزة الحيوانية وهي بمرونتها وطواعيتها للتشكيل تتيح للمجتمعات ان تربي وتنشئ وتبرمج أفرادها على أفضل العادات وأعلى المعارف وأدق المهارات وأرفع الأخلاق ولكن هذه الإمكانية العظيمة لا تتحقق للمجتمعات إلا إذا هي أدركت حيوية وخطورة قابلية التعود عند الإنسان وإلا إذا هي رغبت في التغيير وملكت القدرة عليه كما ان هذه القابلية تتيح للفرد بعد نضوج وعيه أن يعيد برمجة وبناء ذاته بقدرات فكرية ومعرفية وأخلاقية وذوقية وبكفايات ومهارات واهتمامات لا يمكن ان تتحقق له لولا هذه القابلية وهذه البرمجة المخططة تجعل الفرد يحقق ذاته ويكسب الاحترام لنفسه ويقدم النفع لوطنه ويكون أهلاً للمسؤولية الكبرى التي حمّله الله إياها كما تجعله جديداً بالمكانة التي أرادها الله لهذا الكائن العجيب وهذه بعض الجوانب النافعة في قابلية التعود والتبرمج..
لكن بالمقابل فإن قابلية التعود والتبرمج تجعل الفرد عرضة لأسوأ الصياغات الفكرية وأحط العادات السلوكية كما انها قد تخضعه لأشد التصورات إمعاناً في الانغلاق والخرافة والجهل والتعصب والعمى والعناد إن قابلية التعود تسمح للبيئات الطبيعية والثقافية بقولبة الفرد قولبة سيئة قد لا يستطيع الانفكاك منها أو لا يخطر على باله انها سيئة بسبب نشأته عليها وتآلفه معها فيبقى مغتبطاً بها مستميتاً في الدفاع عنها والولاء لها: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" إن أكثر الناس يظل مسروراً بالقوالب التي اعتاد عليها مهما كانت خاطئة وخرافية ومنحطة وهذه بعض الجوانب الضارة لقابلية التعود والتبرمج...
إنه لا خيار لنا في قبول العادات أو رفضها فهي قدرنا ونحن خلقنا بقابلية التبرمج والتعود ولا نستطيع أن نحيا حياة منتظمة وميسرة بدونها بل حتى السلوك الفوضوي ما هو إلا عادة فالفرد إذا اعتاد على الفوضى صار فوضويا فلا يستطيع أن يلتزم بموعد ولا أن يتقيد بقانون لأنه اعتاد الانفلات والفوضى إن الإنسان المتحضر يعتاد بأن يكون ملتزما وهذه أميز صفاته وحين لا يكون الفرد ملتزما فإنه يكون قد عوّد نفسه الانفلات والفوضى وأصبح كالقطار الذي لا كوابح له يصطدم بأي شيء أمامه وهذه أيضا عادة انه يعتاد على الالتزام أو يعتاد على الانفلات فحياة الإنسان ليست سلسلة من العادات الجيدة أو الرديئة..
إننا لا نعيش إلا بالعادات فهي عوننا على مواجهة أعباء الحياة بالتبرمج على الأداء السهل والتصرف السريع والتكيف مع ظروف الحياة وأوضاعها غير انها أيضا هي سبب الكثير من المشكلات لأن الإنسان يكتسب عادات سيئة سواء بسبب البيئة والوسط الذي يعيش فيه أو بسبب جهله وضعف إرادته وسيطرة شهواته وعجزه عن كبح رغبته فهو مغمور دائماً بوسط طبيعي وثقافي واجتماعي يجعله يعتاد على الشيء أو على عكسه كما انه مدفوع دائما بغرائزه وأهوائه وشهواته فيعتاد أفعالاً سيئة ثم يصبح أسيراً لهذه العادات ويواجه صعوبات شديدة في الكف عنها ومقاومة إغرائها فإن لم يحصل تكوين عادات جيدة فإن البديل ليس هو الفراغ من العادات وإنما البديل هو العادات الرديئة ولكن لا مفر للإنسان عن هذا الازدواج وتأرجح العادات بين النفع والضرر فلا شيء في الدنيا يتمحض للنفع ولا للضرر وإنما كل مزية لها ثمن وكل ربح في جانب قد تقابله خسارة في جانب آخر ففي كل شيء جوانب نافعة وجوانب ضارة ويحكم له أو عليه طبقا لمبدأ الترجيح فالأحكام تبنى على الغالب وعلى هذا فإن العادات وقابلية الانسان للتعود والتبرمج لها منافع كبيرة ولها أيضا أضرار كبيرة هكذا خلق الإنسان ولن تجد لسنة الله تبديلا..
وسواء كانت العادات نافعة أو ضارة فإنه لا مندوحة للإنسان عنها لأن حياته لا تنتظم بدون عادات فعليها تتوقف فاعليته وعليها يتوقف يسر حياته وتلقائية سلوكه إن الفرد بالتعود لا يعمل ويتصرف ويتحرك ويتعامل مع الآخرين ويواجه المواقف والمشكلات بما توحي به اللحظة وإنما يفيض السلوك فيضانا مما تمتلئ به العادة ولا يظل الفرد أسيراً لما يمليه ذكاؤه ارتجالا وكأنه دائماً أمام حالات طارئة ومواقف جديدة وإنما يتصرف بما جمعه له التعود من مران وخبرة ومعرفة ومهارة خلال سنوات طويلة وبهذا التراكم المخزون في بنية العادة يكون الأداء سهلاً ويكون التصرف سريعاً وتكون الحركة تلقائية فالعادة ذات فائدة عظيمة لرفع كفاءة الإنسان وتيسير أدائه وتخفيف المشقة عنه وتمكينه من بناء مهاراته الفكرية والعملية والاجتماعية ببطء وعلى مهل...
فليست فائدة العادة فقط انها تعفي الانسان من الاستنفار الدائم لعقله وانها تمكنه من الأداء التلقائي وإنما هي بعد اكتمالها تجعل قدرة الفرد أضعاف قدرته قبل تكوينها فالعادة مجموع متضايف من الطاقة المتراكمة مما يجعل الأداء أقوى وأسرع وكما يذكر البروفيسور روجر بنروز في كتابه "العقل وقوانين الفيزياء" فإن علماء ألمان توصلوا عن طريق التجارب والقياس إلى نتائج مدهشة حيث أظهرت ان هناك تعاظما متدرجاً للطاقة المختزنة في العادة إلى درجة أن سرعة التصرف التلقائي تكون أسرع بخمس مرات عما لو كان التصرف يتطلب تدخل الإرادة والوعي: "فلو كان الفعل ردا على إشارة ضوئية بدلاً من أن يكون بإرادة حرة لكان زمن الفعل في هذه الحالة نحواً من خمس الثانية وهذا أسرع بخمس مرات من التصرف المقرر" كما يشرح بنروز تجربة أخرى لقياس استجابة جلد الإنسان للمس حيث أكدت هذه التجارب: "ان التأثير في جلد المرضى كان يستغرق نصف ثانية تقريباً لكي يصل إلى وعي المرضى ويشعروا به على الرغم من ان الدماغ نفسه يكون قد تلقى إشارة المنبه في غضون ما يقرب من جزء من مئة من الثانية فحسب وان بإمكانه أن ينجز الرد المنعكس المبرمج سلفاً على هذا المنبه في ما يقرب من عشر ثانية" وبهذا وغيره تظهر أهمية بناء العادات الجيدة لتضاعف الاستجابات التلقائية قدرتنا على الفكر والفعل فالعادات تضاعف قدراتنا وتجعل استجاباتنا أسرع وأقوى بمدى لا يمكن للحياة الفردية والجماعية أن تنتظم بدونه..
ومن جهة أخرى فإنه لابد للإنسان أن يعتاد سواء رضي أم كره لأن الله خلقه قابلاً للتعود ومحتاجا لهذه القابلية وما تتمخض عنه من عادات وسواء تكونت العادة تلقائيا امتصاصا من البيئة أو كونها الفرد قصدا بتخطيط منه فالتعود لابد ان يحصل ولا خيار له في ذلك فالإنسان بطبيعة تكوينه يتبرمج ويتعود وقد جعله الله كذلك لتكون حياته ميسرة وممكنة لأنه لا يستطيع أن يستنفر انتباهه كل لحظة من لحظات حياته ثم ان المشكلات الانسانية معقدة وهي تتطلب مخزونا من الخبرة والمعرفة والمهارة وبدون التبرمج والتعود الذي يجعله جاهزا لمتطلبات الحياة لا يستطيع الإنسان مواجهة المشكلات لذلك تسعفه وتقوده العادات التي تشيدت في اللاوعي خلال فترات طويلة ولو كان مضطرا إلى الانتباه الدائم لكانت حياته شاقة بل غير ممكنة لأن وتائر الحياة متسارعة ولابد أن تكون الاستجابة بنفس التسارع فالعادات للفرد في معظم سلوكه ليست فقط هي البديل عن استمرار يقظة عقله وهي ديمومة لا يستطيعها الانسان ولا يتحملها العقل ولم يخلق الانسان ليكون مستنفراً طول وقته وإنما هو بالتعود يكون قد تشرب حكمة وتجارب عدد لا يحصى من العقول إن العادة المخزونة ليست نتاج عقل الفرد وحده وإنما هي نتاج عقول كثيرة اختزنتها خافيته فأعانته على مواجهة مشكلات الحياة وأكسبته قدرة تلقائية وحكمة جاهزة تقابل جاهزيته الغريزية الطبيعية عند الحيوانات وبهذا الاعتياد والتبرمج يتسم أداؤه وتصرفاته بالتلقائية واليسر.
فكل شيء لم يتعود عليه الإنسان هو شيء غريب عليه وناشز عنه وغير مألوف لديه ويصعب عليه أداؤه أو معايشته والإنسان كما يقول ابن خلدون: هو ابن مألوفه.. فمن جهل شيئا أنكره أما ما اعتاد عليه الإنسان وألفه فإنه يكون مقبولا لديه ومستساغا عنده مهما بلغ من السوء والشذوذ عند الآخرين حتى السجن الذي يرغب من يكونون خارجه قد يألفه السجين إذا طال مكثه فيه ففي أحد الأفلام الأمريكية يقول أحد السجناء: "هذه الجدران لها تأثير غريب تكرهها ثم تألفها إنك تعتاد عليها ولا تستطيع أن تتركها إن الفرد يصير جزءاً من مؤسسة السجن" ولولا هذه القدرة الانسانية على الاعتياد والتكيف لكانت الحياة أحيانا فوق احتمال الإنسان وأكبر من طاقته..
إن الفرد مسيّر بعاداته في التفكير والسلوك وفي نظرته لنفسه وللآخرين وفي تعامله مع ذاته ومع غيره وكلها ليست سوى عادات ذهنية وسلوكية كما انه مسيّر بعاداته في الأكل والشرب وفي النوم واليقظة وفي الحب والكره إن كل شيء في حياة الفرد هو ثمرة التعود: الصدق أو الكذب والنظام أو الفوضى والانضباط أو الانفلات والاهتمام أو الإهمال والكف عن أعراض الناس أو اغتيابهم والوقيعة بأعراضهم إن الفرد يعتاد على الهدوء أو يعتاد على الصخب ويعتاد على المسالمة أو العدوانية وعلى التسامح أو التعصب انه يعتاد الانفتاح او الانغلاق وعلى التوتر أو الانبساط وعلى الموضوعية أو الانحياز وعلى الاحساس بحقوق الآخرين أو الافتئات عليهم وعدم الاكتراث بهم انه يعتاد أن يحب الآخرين أو يعتاد على مقتهم والحقد عليهم دون سبب انه يعتاد أن يشك في موضع الوثوق ويثق في موضع الشك انه يعتاد على التروي وإمعان النظر والتثبت انه يعتاد ان يكون منصفا وعادلا وموضوعيا في تقييماته ويعتاد أن يعصف بكل شيء دون احساس بالمسؤولية بل انه يعتاد أن يكون دوما شاكيا متذمرا تملؤه الكآبة والتعاسة ويفيض بهما على من حوله وينشرهما في المحيط الذي يعيش فيه كما يعتاد أن يكون شاكراً متهللاً يفيض منه البشر وتغمره السعادة فيسعد به من يكون حوله ومن يحيطون به فمثال نافخ الكير وبائع المسك يتكرر في كل العلاقات البشرية لأن الله خلقنا بقابلية الاحتذاء والعدوى والتعود..
إن معظم الصفات الفردية والجماعية الجيدة والرديئة ليست طباعا موروثة بيولوجيا وإنما هي تطَبُّع تكوَّن بالتعود إن حياة الفرد سلسلة من العادات التي تيسر حياته أو تعوقها لذلك فإن بناء العادات الحميدة والجيدة هو كسب عظيم للفرد ولأسرته ولكل من له علاقة به كما انه كسب لجماعته ووطنه وأمته فليست الأمة سوى مجموع الأفراد فإذا حسنت عاداتهم في التفكير والتعبير وفي العمل والتعامل فإن في ذلك خيرا عميما ونفعا ظاهرا فالعادات الفردية ليست شأناً فردياً يهم الأفراد وحدهم وإنما هي شأن عام يهم الأمة كلها.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
قديم(ـة) 23-01-2005, 06:18 PM   #2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
إبراهيم البليهي

كيف تتكون العادات؟

التاريخ: الأحد 2004/12/12 م


في المقالة السابقة تناولت منافع وأضرار العادات وأنَّ قدر البشر أن تكون حياتهم محكومة بسلسلة من العادات الجيدة والرديئة وأن الحياة الفردية والجماعية لا يمكن أن تنتظم إلا بالانزلاق التلقائي مع قضبان العادات وأنه بفضيان العادة الانسيابي تصير الحياة ميسّرة فالله قد جعل في الإنسان قابلية التعود ليكون سلوكه تلقائياً فمعظم نشاطه الذهني والحركي لا يتطلب منه تفكيراً جاداً وإنما ينساب منه النشاط كما ينساب الماء مع مجراه ولولا هذا الانسياب التلقائي لكانت الحياة شاقة بدرجة لا يمكن احتمالها..
ولأن التلقائية في التلقي والانتاج هي التي تضمن يسر الحياة وانتظامها كما تحقّق سهولة الأداء ودقته وغزارة الإنتاج وجودته ولأن التعود والتبرمج هو مصدر هذه التلقائية لذلك فإن العادات كانت ومازالت وستظل محوراً لدراسات متنوعة وتأملات عميقة من قبل علماء النفس وعلماء الاجتماع ومن قبل الفلاسفة وعلماء الأخلاق وعلماء التربية وغيرهم من الذين يهتمون بمحدّدات السلوك الفردي والجماعي..
ولأننا جميعاً محكومون بعاداتنا الجيدة أو الرديئة فهي التي تقود سلوكنا وتحدّد مستوى أدائنا ونمط علاقتنا واتجاهات تفكيرنا وأنواع اهتماماتنا لذلك فإنه من المهم أن تكون معرفتنا بالعادة مؤصلة علمياً ومن أوليَّات هذا التأصيل تعريفها وتحديد محتواها ومآلها وكيفية تكوينها والوسيلة إلى بنائها يقول الدكتور جميل صليبا في المجلد الثاني من (المعجم الفلسفي): «... العلماء يعرّفون العادة بقولهم إنها قدرة مكتسبة على أداء عمل بطريقة آلية مع السرعة والدقة والاقتصاد في الجهد فالعادة الفاعلة تتكون بتكرار الفعل والعادة المنفعلة كتعود الجسم تحمُّل بعض المؤثرات تتكون باستمرار التغير مع أن لكل فعل أو تغير أثراً في النفس فإن الأثر لا يصبح كيفية راسخة إلا بالتكرار والممارسة» فإذا قام الفرد بتكرار الفعل فإن خافيته تحتفظ بنتائج هذا التكرار ويستمر التخزين حتى تتكوّن العادة وتكتمل فيصير الفعل تلقائياً يفيض منها فيضاناً غير مجهد، بل ينساب من الذاكرة واللاوعي بأقل مجهود ودون احتياج إلى الوعي فالعادة التلقائية تصبح هي سيدة الموقف وهي مصدر الفاعلية فهي تجعل الأداء آلياً كما تجعله أسرع وأدق وأوفر في الجهد وأقصَدَ في الوقت لكن لما كانت العادة قدرة مكتسبة وليست موروثة فإن محتواها يكون محكوماً بالبيئة الطبيعية والثقافية والتربوية والأسرية والاجتماعية والسياسية والمهنية والاقتصادية وبذلك تتنوَّع العادات بتنوُّع البيئات لأن لكل مجتمع قيماً تختلف عن قيم المجتمعات الأخرى وبذلك تختلف الاهتمامات وتتنوَّع العادات فتتفاوت الأوضاع تبعاً لهذا التفاوت..
والمهم أن ندرك أنه بدون الاعتياد لا يمكن إجادة أية مهنة فالجرَّاح لا يكون ماهراً في الجراحة بحفظ المعلومات عنها وإنما تتكوَّن مهارته بتكرار الفعل وممارسة الأداء مع الرغبة بالمهنة والاستمتاع بها وبذلك تنبني المهارةُ في خافيته فيعتاد على الأداء التلقائي المتقن وبذلك يكتسب القدرة على الفعل بسرعة ودقة وغزارة ويسر وإتقان..
إن العادة تتكوَّن بتكرار الفعل سواء حصل هذا التكرار امتصاصاً من البيئة واستجابة للمؤثرات أو حصل بالتربية المنظّمة والمخططة من قبل المجتمع ومؤسسات التربية والإعلام والتدريب والعمل أو حصل انقياداً لشهوات الفرد ورغباته وميوله أو بتخطيط منه والتزاماً بخطة يضعها لتطوير ذاته وبناء قدراته فالمرجع في ذلك هو التكرار لذلك فإن (قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية) الذي أعده سامي ذبيان وآخرون يعرِّف العادة بأنها: «الاستعداد المكتسب لممارسة سلوك ما أو القيام بعمل يتكرر إنها موقفٌ مستمر وميلٌ للعمل المتشابه الذي يتم بسهولة نسبية وبدون تدخُّل فعّال مباشر من الوعي والإرادة» إن الوعي والإرادة يقومان بدورهما أثناء تكوين العادة أما حين تكتمل العادة فإن الفعل يصدر عنها بشكل تلقائي دون حضور الوعي ولا تدخُّل الإرادة وبهذا ندرك أهمية تكوين العادات الجيدة قبل أن تتكوَّن تلقائياً عادات سيئة وكذلك ضرورة العمل على تغيير العادات الضارة أو غير النافعة واستبدالها بعادات جيدة ونافعة وهنا يظهر الفرق بين العادة والغريزة حيث لا مجال لتغيير الغرائز أما العادات فرغم صعوبة التخلص منها واستبدالها بغيرها فإن هذا الاستبدال ممكن لكنه يتطلب الكثير من العزيمة والتصميم والتركيز والمتابعة..
وتتفق كل المراجع على أن التكرار امتصاصاً أو ممارسة هو مصدر العادة وهو بانيها وهو الوسيلة لتغييرها حيث نجد أن (المعجم العربي الأساسي) الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم كغيره من المراجع يُعرّف العادة بأنها: «كل ما عاود فعله الشخص حتى صار يفعله من غير تفكير (فالعادة) فعل يتكرر على وتيرة واحدة» إن اكتمال العادة يرفع عن الإنسان عبء الاهتمام وتركيز الانتباه فكل تكرار للفعل يضيف مزيداً من تلقائية أدائه إلى أن يصبح بمرور الوقت أداءً عفوياً ينساب من اللاوعي دون مشقة..
أما منير البعلبكي فيتفق مع التعريفات السابقة لكنه يضيف مزيداً من الشرح والإيضاح فيعرِّف العادة في (موسوعة المورد العربية) بأنها: «نزعة مكتسبة إلى الاستجابة بطريقة نمطية معينة لمؤثر من المؤثرات أو حالة من الحالات وعنصر (الاكتساب) هو الذي يجعل العادة شيئاً متميزاً عن الغريزة التي لا تعدو أن تكون نمطاً من الاستجابة الآلية موروثاً غير متعّلم ومن هنا نستطيع القول إن العادات هي أساليب من السلوك متعلّمة كُرّرت مرات ومرات حتى لكادت تصبح آلية أوتوماتيكية والعادة قد تكون مجرد استجابة حركية بسيطة وقد تكون معقدة وهي قد تكون حسنة أو حميدة وقد تكون سيئة أو ذميمة والعادات ليست كلها حركية أو جسدية فهناك عادات عقلية وعادات نفسية أما كيف تصبح العادة استجابة نمطية منقوشة في الدماغ فلا يزال غير واضح وان كان بعض علماء النفس يقول بأن ذلك ينطوي على نشوء ذرات عصبية واندماغ (انطباع) جزيئي وأيا ما كان فللعادات حسناتها وسيئاتها فهي توفر علينا كثيرا من العناء وإعمال الفكر وهي من ناحية ثانية تستعبدنا فنصبح أسراها» ومن هذا التعريف الأشمل يتضح أن في الإنسان نزعة أو قابلية للتبرمج والتطبع وأن هذه القابلية تجعل المؤثرات تنمّط تفكير الفرد وسلوكه وأن هذا التنميط يشبه في آليته آلية الغريزة لكنه تنميطٌ مكتسب وليس موروثاً فهو آلية يصنعها الإنسان أو تُصنع له دون أن يعيها أثناء تكوينها التلقائي وهو مهيأ طبيعياً لاكتساب هذه الآلية فإذا جاء تكوين العادة جيداً فإن هذا التكوين يتيح له أن يتصرف ويتحرك بصورة تلقائية تجنبه المشقة أما إذا جاء التنميط سيئاً فإن الفرد يصبح ضحية دون أن يعلم بل يعيش مغتبطاً بما نمِّطَ عليه فهو دائماً يتمحور حول هذا التنميط ويدافع عنه ويستميت من أجله لأنه قد انغرس فيه هذا التنميط المكتسب حتى صار يشبه آلية الغريزة فإذا كانت الغريزة تعمل آلياً بصورة ثابتة عن طريق التناسل البيولوجي الوراثي فإن للعادة نفس المزايا الآلية بل إنها حين تُبنى بعناية تكون ذات فاعلية كبيرة فالغرائز متشابهة عند نفس النوع من الحيوانات أما العادة عند الإنسان فإنها تأتي متفاوتة الحُسن والقبح والقوة والضعف بحسب اتجاه تكوينها والجهد المبذول في هذا التكوين وبحسب البيئة التي كوّنتها إن الغريزة عند الحيوانات من نفس النوع تأتي دائماً بسيطة وغير متفاوتة أما العادة عند الإنسان فقد تكون شديدة البساطة أو تكون شديدة التعقيد خصوصاً في العادات العقلية والنفسية كما أنها تكون بالغة التفاوت وكثيرة التنوع عند مختلف الأفراد ومختلف الشعوب..
إن الحيوانات تتحرك بالغرائز أما الإنسان فيتحرك بالعادات إنها تلقائية كتلقائية الغريزة إلا أنها مكتسبة بقصد أو بدون قصد وهي قد تكون عادات جيدة أو سيئة لأن الإنسان هو الذي كوَّنها لذلك تخالطها مزاياه ونقائصه أما غرائز الحيوانات فهي ثابتة لا تتغيَّر كما أنها دائماً تأتي متوافقة مع حاجاته الحيوية فهي لا تتعثَّر ولا تخطئ غير أنها لا تتطور بسبب هذا الثبات أما عادات الإنسان فرغم تأثرها بكل نقائصه فإنها قابلة للتغيير وهذا يتيح للإنسان أن يتطور سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي أو الحضاري وبنفس القدر فإن هذه القابلية تتيح للثقافات المغلقة أن تبرمج عقول الناس فلا يرون إلا ما برمجتهم على رؤيته.
أما الأساس الفزيولوجي لقابلية التعود عند الإنسان فيشرحه هاي روتشليس في كتابه (التفكير الواضح) حيث يؤكد أن تكرار الفعل لا تتكون منه حالة نفسية فقط وإنما له تأثير عضوي فيزيولوجي وفي ذلك يقول: «في كل مرة تقوم بعمل ما جسمياً كان أم عقلياً تجري سلسلة من النبضات الكهربية خلال مسارات محددة في المخ وكلما كررت ذلك العمل أصبح انتقال تلك النبضات في طريقها المرسوم أيسر مما كان إلى أن يأتي الوقت الذي تندفع فيه تلك النبضات بطريقة تلقائية دون حاجة إلى أي التفات منك وهكذا تكون قد كوَّنْتَ عادة والكثير من قدراتنا الأساسية يعتمد على عادات مختلفة الأنواع كالانتقال من مكان إلى مكان والقراءة والكتابة والتحدث وهذه قدرات تمكننا من أن نؤدي وظيفتنا في البيئة المحيطة بنا وهي قدرات أساسية لمعظم نشاطنا البدني وكذلك لأساليبنا في التفكير والتعليل على أن العادات إلى جانب كونها أساسية لتأديتنا لوظائفنا في البيئة المحيطة بنا إلا أنها تسبب المتاعب أحياناً عندما توجد مواقف جديدة تستوجب التغيير».
ومن هذا النص يتضح أن العادات تتأسس على قابلية عضوية في دماغ الإنسان وفي جهازه العصبي المركزي وفي قابلياته المنفعلة وبهذا فإن تكوين العادة يقوم على أساس عضوي يجعلها شبيهة بالغريزة في ثباتها وفي تلقائيتها كما يتضح أيضاً من هذا النص أن قابلية التعود أساسية لحياة الإنسان لأن قدراته الأساسية في الفكر والفعل تعتمد على العادات المختلفة لكن رغم ضرورة هذه القابلية فإنها مثل كل شيء في هذه الدنيا لها جوانب نافعة وجوانب ضارة لأن الإنسان في معظم الأحيان يبقى أسيراً لعاداته في الفكر والفعل فلا يستطيع مواجهة مستجدات الحياة حيث تشله العادات الراسخة التي حلت لديه محل الوعي فأصبح لا يقبل انتقادها أو الاستجابة لمراجعتها وتحليلها كما أن بعض العادات السيئة تستعبده وتهزم إرادته فيصير عبداً لأهوائه وشهواته وللعادات التي تكوَّنت بها..
ومثلما جاء في كتاب (التفكير الواضح) نجد المضمون نفسه في كتاب (الطب محراب للإيمان) للدكتور خالص جلبي الذي يقول: «إن تعلم الكلمات والأفكار والمهارات إنما يعني تشكل ممرات عصبية جديدة وسرعة إعادة ما تُعلّم إنما يعني أن الطريق معبد لمرور النبضات الكهربائية عبر هذه الممرات العديدة ولذا فإننا نقر حقيقة أساسية وهي أن في مقدور الإنسان أن يصل إلى درجة هائلة من الرقي ولكن هذا إنما يتم ببذل الجهد وإيجاد ممرات عصبية جديدة.. ان شخصية الإنسان هي مجموع لحظات الجهد الواعي وعلى قدر مزج الذكريات والخروج بنتائج جديدة تسمو شخصية الانسان وهناك الذاكرة التي تتعلق باتقان الأعمال والمهارة فالدماغ يقوم أولاً بفهمها وتعلمها ثم ارسال الأوامر إلى العضلات المناسبة لتقوم بها وعندما يزداد التمرين والاتقان ترسل نسخة من هذه الذكريات إلى النوبات القاعدية في الدماغ حتى يسير هذا الأمر بشكل آلي».. فالإنسان بواسطة العادات الجيدة يكتسب قدرات عظيمة لم يكن يملكها من قبل لأنه متاح له بهذه القابلية العظيمة أن يضيف لنفسه قدرات جديدة وطاقة إضافية كلما تعلم عادة فكرية أو سلوكية جديدة.
يؤكد ذلك أيضاً هنري هازليت في كتابه (علم التفكير) حيث يقول: «وسر الممارسة الناجحة هو تعلم شيء واحد باتقان في الوقت الواحد فإننا نصرف وفق العادة والطريقة الوحيدة لتكوين عادة جديدة أو القضاء على عادة قديمة هي أن نركز انتباهنا كله في العملية التي نمارسها وسرعان ما يحتاج العمل الجديد إلى انتباه أقل إلى أن نفعله بطريقة آلية أي بدون تفكير وباختصار فإننا قد كوَّنا عادة أخرى وبتوصلنا إلى هذا يمكننا أن نتحول أيضاً إلى اكتساب عادات جديدة».. فالتكرار وتركيز الانتباه والرغبة والاستمتاع هي الوسائل لتكوين عادة نافعة جديدة وبهذا التكوين المستمر للعادات الجيدة نضيف لأنفسنا في كل مرة قدرات جديدة ونختزن طاقات إضافية فتتكوّن فينا بالتعود امكانات مذهلة لم يكن الفرد مولوداً بها وإنما بناها بالقصد والجهد والاختيار أما كيف يتحقق التخلص من العادات السيئة وكذلك استبدال العادات القديمة التي تجاوزها الزمن بعادات تتلاءم مع مستجدات العلم وتيسر ممارسة الحياة فهذا موضوع المقال التالي إن شاء الله.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 04:45 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19