عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:17 AM   #1
عضو ذهبي
 
صورة صمام الأمان الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: فِيـ ظِلِّـ حَقـ هَارِبـ ..
المشاركات: 2,707
قوة التقييم: 0
صمام الأمان is on a distinguished road
Exclamation ( الـوطـنـيـةُ ) بينَ روحِ المعنى وجسدِ المبنى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام ، وأنعم علينا بالأمن والأمان ، وبلاٍد راغدةٍ موحدة ، ووطن علمنا وأعطانا فأحببناه ، وصلوات ربي وسلامه على خير من وطئت قدماه ثرى الدنيا ، محمد بن عبد الله ، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، وبعد ..

فالوطنية كل الوطنية لا تحلو ولا تزدان إلا إذا ما نُظر إليها من منطلق مبناها ومعناها معاً ، وتُشرِّب مغزاها الحقيقي النابع من سنة واستنان ، فإذا ما كنت ذلك الرجل فهنيئا لك بعواطفك التي حتما ستقودك إلى ( الإخلاص ) و ( التضحية ) لهذا الوطن الغالي ..

[ ((ما أطيبَك من بلدٍ! وما أحبَّك إليَّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنتُ غيرَك))؛ رواه الترمذي.

ما أروعَكِ من كلمات!
كلمات قالها الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وهو يودِّع وطنه، إنها تكشف عن حبٍّ عميق، وتعلُّق كبير بالوطن، بمكة المكرمة، بحلِّها وحَرَمها، بجبالها ووديانها، برملها وصخورها، بمائها وهوائها، هواؤها عليل ولو كان محمَّلًا بالغبار، وماؤها زلال ولو خالطه الأكدار، وتربتُها دواء ولو كانت قفارًا.

ولقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الرقية: ((باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا))؛ رواه البخاري ومسلم.

والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره؛ ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟!

قال الجاحظ: "كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه".

إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد.

قال الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".

إنه يحب وطنه، وهذا من طبيعة الإنسان، فقد فَطَرَه الله على حبِّ الأرض والديار.

قال الحافظ الذهبي - وهو من العلماء المدقِّقين - مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه".

إنه يحب مكةَ، ويكره الخروجَ منها، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ما خرج من بلده مكة المكرمة، إلا بعد أن لاقى من المشركين أصنافَ العذاب والأذى، فصَبَر؛ لعله يلقى من قومه رقةً واستجابة، وأقام ورحل، وذهب وعاد، يريد من بلده أن يَحتضن دعوتَه، ولكن يريد الله - لحكمة عظيمة - أن يَخرُج، فما كان منه إلا أنْ خرج استجابةً لأمر الله، فدِينُ الله أغلى وأعلى.

ولكن عندما حانتْ ساعةُ الرَّحيل، فاض القلبُ بكلمات الوداع، وسَكبتِ العينُ دموعَ الحبِّ، وعبَّر اللسانُ عن الحزن.

أُخرج من وطنه، أَخرجه قومُه؛ كما قال - تعالى -: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وعندما هاجر إلى المدينة، كان يدعو اللهَ أن يرزقه حبَّها، فمكة وطنه، وحبُّها يملك قلبَه، وهواها فطرة فُطر عليها، كما هو الحال عند الناس؛ لذلك لا يمكن أن يكرهها، وإن أصابه فيها ما أصابه.


بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ *** وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ




أما المدينة، فهي بلد جديد استوطنه، وشاء الله أن يكون عاصمةَ دولةِ الإسلام الناشئة؛ لذلك كان يدعو الله أن يحبِّبَها إليه؛ كما في "الصحيحين": ((اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ))؛ رواه البخاري ومسلم.

إنه يدعو الله أن يحبِّب إليه المدينةَ أكثرَ من حبِّه لمكة؛ فحبُّ مكة فطرةٌ؛ لأنها وطنه، أما حبُّ المدينة فمنحةٌ وهِبة، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ربَّه أن يحبِّبها إليه حبًّا يفوق حبَّه لمكة؛ لما لها من الفضل في احتضان الدعوة، ونشر الرسالة.

وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحبُّ المدينة حبًّا عظيمًا، وكان يُسرُّ عندما يرى معالِمَها التي تدلُّ على قرب وصوله إليها؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: "كان رسول الله إذا قدم من سفرٍ، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقتَه – أي: أسرع بها - وإن كانت دابة حرَّكَها"، قال أبو عبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: "حركها من حبِّها"؛ أخرجه البخاري.

ولقد أحبَّ الصحابةُ ديارَهم ، ولكنهم آثروا دين الله - عز وجل - فقد أُخرجوا - رضي الله عنهم - من مكة، فهاجَرَ مَن هاجر منهم إلى الحبشة، وهاجروا إلى المدينة، خرجوا حمايةً لدينهم، ورغبةً في نشر دين الإسلام.

وما أقساه من خروج وما أشدَّه! لذلك وصف الله الصحابةَ الذين أُخرجوا من ديارهم بالمهاجرين، وجعل هذا الوصفَ مدحًا لهم على مدى الأيام، يُعلي قدرَهم، ويبيِّن فضلَهم؛ قال – تعالى -: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].

ولما كان الخروج من الوطن يبعث على كل هذا الحزن، ويُسبِّب كلَّ هذا الألم، قرن الله - عز وجل - حبَّ الأرض في القرآن الكريم بحبِّ النفس؛ قال – تعالى -: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66].

بل قرنه في موضعٍ آخرَ بالدِّين، والدين أغلى من النفس، ومقدَّمٌ عليها لمن يفقه؛ قال – تعالى -: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8].

وجعل النفيَ والتغريبَ عن الوطن عقوبةً لمن عصى، وأتى من الفواحش ما يَستحق به أن يُعذَّب ويُغرَّب.

تجليات الحب:
والحبُّ للوطن لا يقتصر على المشاعر والأحاسيس؛ بل يتجلَّى في الأقوال والأفعال، وأجمل ما يتجلى به حبُّ الوطن الدعاء.

الدعاءُ تعبيرٌ صادق عن مكنون الفؤاد، ولا يخالطه كذبٌ، أو مبالغة، أو نفاق؛ لأنه علاقة مباشرة مع الله.

لقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمدينة، كما في "الصحيحين": ((اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلتَ بمكة من البركة))؛ رواه البخاري ومسلم.

وفي مسلم: ((اللهم باركْ لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعِنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلُك ونبيُّك، وإني عبدُك ونبيُّك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه))؛ رواه مسلم.

وقد حكى الله - سبحانه وتعالى - عن نبيِّه إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - أنه دعا لمكة المكرمة بهذا الدعاء، قال الله - تعالى -: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].

ودعاء إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - يُظهِر ما يفيض به قلبُه، مِن حبٍّ لمستقر عبادته، وموطن أهله.

ولقد دعا لمكة بالأمن والرِّزق، وهما أهم عوامل البقاء، وإذا فُقِد أحدُهما أو كلاهما فُقِدت مقوماتُ السعادة، فتُهجَر الأوطانُ، وتَعُود الديارُ خاليةً من مظاهر الحياة؛ ولهذا نرى أن الله - سبحانه وتعالى - شدَّد في عقوبة مَن يُفسِد على الديارِ أمنَها؛ بل جعل عقوبتَه أشدَّ عقوبةً على الإطلاق؛ قال - تعالى -: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، فهل بعد هذه العقوبة من عقوبة؟!

وقد دعا الإسلامُ إلى فِعل كلِّ ما يُقوِّي الروابطَ والصلات بين أبناء الوطن الواحد، ثم بين أبناء الأُمَّة، ثم بين بني الإنسان.

ومما يتجلى فيه حبُّ الأوطان: صلة الأرحام، فهم عترة الإنسان وخاصَّتُه، وهم قرابته وأنسه، وبهم تطيب الإقامة في الديار؛ لذلك جعل الله صلةَ الأرحام من أعظم القُرُبات، وقطيعتَهم قرينَ الإفساد في الأرض.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله خَلَقَ الخلْقَ، حتى إذا فرغ منهم، قامَتِ الرَّحمُ فقالت: هذا مقامُ العائذ من القطيعة، قال: نعم، أمَا ترضَيْنَ أن أصلَ مَن وصَلَك، وأقطع مَن قطَعَك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لكِ))، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 22 - 24])).

وينتقل الإحسانُ إلى دائرة أخرى من الدوائر التي تحيط بالإنسان، وهي دائرة الجوار، وهل تطيب الإقامةُ في الدار إن عدا عليك فيها جارٌ؟

لذا جعل الإسلام الإحسانَ إلى الجوار مِن كمال الإيمان، كما جعل الإساءة إلى الجوار من أسباب دخول النار؛ عن أبي هريرةَ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

وتتَّسع الدائرة لتشمل الإحسان إلى كل مسلم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّه لنفسه)).

وتتسع الدائرة لتشمل الإحسانَ إلى أهل الأديان الأخرى، وهم شركاؤنا في الوطن، وجاء عن رسول الله - ‏‏صلى الله عليه وسلم - ‏أنه ‏قال: ((ألا ‏مَن ظَلَمَ ‏ ‏مُعَاهدًا، ‏أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ - فَأَنَا ‏حَجِيجُهُ ‏‏يَوْمَ القِيَامَةِ)).

وتبلغ دائرة الإحسان مداها، لتشمل الحيوان، والنبات، والحجر، وكلَّ شيء؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله كَتَبَ الإحسان على كل شيء)).
فإذا تحقَّق الترابط بين أبناء الوطن الواحد، كان الجو مهيَّأً للبناء، وأول خطوة في طريق التقدم هو التعليم، فإذا انتشر العلم النافع بين أبناء الوطن، وتربَّى النشءُ تربيةً صحيحة، يتحقق أول وأهم مقوِّم من مقومات الحضارة، وهل الحضارة إلا مكوَّن يتركب من الإنسان، والتراب، والزمان؟

وقد حرص الإسلام على نشر العلم بين أبناء الأمة، فكانت أول آيات القرآن الكريم نزولاً: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، وأول أداة وآلة ذُكِرتْ في القرآن هي القلم، قال – تعالى -: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1].

ولما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وبدأ بتأسيس حضارة إسلامية، بدأ بنشر التعليم بين أبناء المدينة المنورة، فجعل فديةَ مَن يعرف القراءةَ مِن أسارى بدرٍ أن يُعلِّم عشرةً مِن أبناء المسلمين.

وكان يعلِّم وفود البلاد التي تَقدَم عليه، ويأمرُهم بالرجوع إلى بلادهم؛ حتى يعلِّموا مَن خلفهم؛ عن مالك بن الحويرث قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة، فأقمنا عنده نحوًا من عشرين ليلةً، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا، فقال لنا : ((لو رجَعتُم إلى بلدكم فعلَّمتموهم - أو قال: أمرتموهم - صلوا صلاة كذا وكذا، في حين كذا وكذا، فإذا حضرَتِ الصلاةُ، فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمكم أكبرُكم)).

وأما تربة الأرض، فهي المقوم الثاني من مقومات الحضارة، وتربة الأرض تشمل سطحَها، وتشمل ما في باطنها، فهي تعني زراعتَها، واستثمار ما في جوفها من خيرات.

وقد عُنِيَ الإسلامُ بزراعة الأرض أيَّما عناية؛ لأنها مصدر قُوتِ الإنسان، وهي ضمان لاستقلاله وقوَّته، وأيما أمة لا تَزرع أرضَها، ولا تَملك قُوتَها، أمةٌ لا تملك قرارَها، ولا حرِّيتَها، ولا سيادتها؛ لذلك نظَّم الإسلام امتلاكَ الأرض، ووضع أحكامًا تُعنى بالحفاظ على هذا المقوِّم من مقومات الحضارة والتقدم.

وأكتفي بهذه الإشارة التي تُفهم من هذا الحديث؛ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلاَّ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ)).

وحب الوطن الذي لا يعارض الشرع يعني الإتقان، الإتقان في كل الأعمال، في التعليم، وفي الزراعة، وفي الصناعة، الإتقان في أمر الدنيا وأمر الآخرة، فكل منتَج في بلاد المسلمين يجب أن يحمل علامةَ الجودة الفائقة.

عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - يحبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)).

ولكن الأمر في الواقع على خلاف هذا القول!

وحب الوطن يعني: الحفاظ على الحق العام، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس شركاءُ في أمورٍ، لا يجوز لأحد الاستئثارُ بها، أو الاعتداء عليها.
قال - صلى الله عليه وسلم -:((الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار))؛ رواه أحمد وأبو داود، ورجاله ثقات.

وقال: ((وإماطة الأذى عن الطرق صدقة)).

وقال: ((أعطوا الطريق حقه)).

وقال: ((اتَّقوا اللاعِنَينِ؛ الذي يتخلَّى في طريق الناس أو ظلِّهم)).

حب الوطن في الإسلام: هو محبة الفرد لوطنه وبلده، وتقوية الرابطة بين أبناء الوطن الواحد، وقيامه بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام، ووفاؤه بها.

وحب الوطن في الإسلام: لا يعني: العصبيةَ، التي يُراد بها تقسيمُ الأمة إلى طوائفَ متناحرةٍ، متباغضة، متنافرة، يَكِيد بعضها لبعض، وفي الحديث: ((مَن قُتل تحت راية عُمِّيَّة، ينصر العصبية، ويغضب للعصبية، فقتلتُه جاهليةٌ)).

حب الوطن في الإسلام: لا يعني: اتِّباعَ القومِ أنَّى ساروا، ونصرَهم على كل حال؛ بل يعني: العدلَ والإنصاف.

وعن عبَّاد بن كثير الشامي، عن امرأةٍ منهم يقال لها: فسيلة، قالت سمعت أبي يقول: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، أمِنَ العصبيةِ أن يحب الرجلُ قومَه؟ قال: ((لا، ولكن من العصبية أن يُعِينَ الرجلُ قومَه على الظلم))؛ رواه أحمد وابن ماجه.

وحب الوطن في الإسلام: لا يعني: الانفصال عن جسد الأمة الإسلامية، أو نسيان مبدأ الإنسانية، فلا ننصر مظلومًا، ولا نغيث ملهوفًا، ولا نعين مكروبًا، ما دام أنه ليس في حدود الوطن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ متفق عليه.

إن حدود الوطن التي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره، لا تقتصر على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء؛ بل إن الوطن يشمل القطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى.


فَأَيْنَمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فِي بَلَدٍ *** عَدَدْتُ ذَاكَ الحِمَى مِنْ صُلْبِ أَوْطَانِي




إن المسلم يحب وطنه، ويعمل كل خير لبلده، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه.

وإن المسلم يعمل للأمة، ويحزن لحزنها، ويفرح لفرحها، ويدافع عنها، ويسعى لوحدتها.

وإن المسلم يقدِّم الأقرب فالأقرب، ولا ينسى من هو بعيد.

وكل مسلم على ثغر، فلْيحذر أن يُؤتى وطنُه، أو تؤتى أُمتُه مِن قِبَله.


بِلاَدِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي *** يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي




اللهم احفظ بلاد المسلمين آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين . ] [ حب الوطن : معنى ومبنى ، محمود سفور ] .

فالطابع الشرعي لا يفارق هذا الحب ، وكذلك الفطري ! ، فما بال أقوام لم يفهموا هذا المعنى فهدموا مبناه ! ، وما بال أقواه بخلوا بفهم المبنى فضاع منهم المعنى والمبنى معاً !

إنه القلب الصادق ، الذي يترجم الحب إلى عمل !

فليكن قلبا لك !

محبك ..
__________________
ثمانيةٌ تجري على النّاسِ كلهم
.......... ولابُـدَّ للإنسانِ يلقى الثمانية
سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ
.......... ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية
صمام الأمان غير متصل   الرد باقتباس

 
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:23 AM   #2
عضو ذهبي
 
صورة صمام الأمان الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: فِيـ ظِلِّـ حَقـ هَارِبـ ..
المشاركات: 2,707
قوة التقييم: 0
صمام الأمان is on a distinguished road
[ مقتطفات من بحث : الوطنية وتعدد الثقافات في الفكر الإسلامي ، د. أحمد بن عبدالعزيز الحليبي ]


ملخص البحث :

هل يمكن أن تتعدَّد الثقافات مع الانتماء إلى وطن واحد؟ أو بصيغة أخرى: هل يمكن أن يوجد وطن واحد يتعايش على أرضه في وئام ذوو ثقافات متعدِّدة؟
يحاول هذا البحث أن يجيب عن هذا السؤال من وجهة نظر الفكر الإسلامي، متَّبعاً في ذلك منهج القرآن الكريم في ردِّ ما تنازع فيه المختلفون إلى الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ابتغاء الحق، ومتعاملاً مع هذا الموضوع بشمولية، وواقعية، وحكمة تنسجم مع عناية الإسلام بوحدة الأمة، وتآلف قلوب أفرادها، واجتماع كلمتهم، وتحذيره من أن يكون التنازع - ومنه التنازع الثقافي - سبباً في حصول العداوة والفُرقة بينهم.
وقد تناول البحث القضايا التالية: معنى الوطن، مفهوم الوطنية في الفكر الإسلامي، الوطنية والثقافة، وظيفة الثقافة الإسلامية في بناء هُوية الوطن الثقافية، الهوية الثقافية وتعدد الثقافات، الثقافة الإسلامية وتعدد الثقافات، تعدد الثقافات داخل الوطن الإسلامي، الثقافة الوطنية و(العولمة) .

معنى الوطن :

الوطن في اللغة هو : المنزل الذي يقيم فيه الإنسان، ويتخذه محلاً وسكناً له [1، ج 6ص 4868]، وقد سماه القرآن الكريم الدار والديار في قوله - تعالى -: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَْ} [العنكبوت: 37]، وقوله - تعالى -: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] وسمَّته السُّنة: الوطن والدار، في حديث: ((هي وطني وداري)) [2، ج3، ص177].
والموطن: هو مكان مولدِ الإنسان، ومأهلِه ومنشئه، الذي فُطر على حب القرار فيه والحنين إليه. [3، ج3، ص1252].

والمواطنة لها معنيان:

الأول: معنى فطري غريزي، نابعٌ من حب الإنسان لوطنه وشعوره بالانتماء إليه، وحنينه إليه، نتيجة لإلف المكان وتذكُّر مرابع الصبا ومآرب الشباب، كما قال الشاعر ابن الرومي:

وَحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجال إليهمُ مآرِبُ قَضَّاها الشَّبابُ هُنالِكا
إذا ذُكِّروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ عهود الصِّبا فيها فحنُّوا لذلِكا

وهو حبٌ وانتماءٌ غريزيان، يشترك فيهما الإنسان والحيوان والطائر على حدٍّ سواء.
المعنى الآخر: معنى فكري مذهبي؛ هو أعمق من أن تكون المواطنة مجرد نزعة شعورية، وميلاً فطرياً طبيعياً إلى المكان الذي ولد فيه الإنسان، ونشأ على أرضه؛ إذ حوَّلت المذهبية الفلسفية المواطنة إلى نزعه فكرية مذهبية، لها مبادئها العامة، وطقوسها السلوكية، تزرع في نفوس الناس، ويُنشَّأ عليها ناشئة المجتمع، وتحاكم مواقف أتباعها عليها، ويُنظر إلى الآخرين من خلالها [4، ص172] .

الوطنية في الفكر الإسلامي :

إذا كان الاتجاه المذهبي عمل على ربط معنى الوطنية بالأرض والوطن؛ فإن الإسلام لا يتنكَّر لفطرة حب الوطن، ولا يعدُّه مناقضاً له؛ فقد صدق مصطفى كامل - وهو من الوطنيين المصريين - في قوله: "قد يظنُّ بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية توءمان متلازمان، وأن الرجل الذي يتمكَّن الدين من فؤاده يحب وطنه حباً صادقاً" [8، ج1 ص82]، ذلك أن الإسلام نظر إليه على أنه ميلٌ فطريٌّ راسخٌ في النفس، فنمَّاه، ولم يقيِّده بمضامين أي نزعة من النزعات ذات المنحى العنصري؛ بل ربط بينه وبين الدين، وعمل على إدماج البشرية بعضهم ببعض دون تمييز على أساس الحدود الجغرافية؛ فمدَّ بذلك مفهوم الوطن على امتداد العقيدة، ووسَّع مفهوم الوطنية لتكون انتماءً فطريّاً إلى الأرض، وموالاةً دينيةً لعقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه.
إن انسجام الدين والوطنية وامتزاجهما معاً، بحيث تكون الوطنية متشربةً للإسلام، ويكون الوطن داراً له - هو الذي جعل للوطنية هذا المعنى الواسع الذي يتجاوز الحدود الإقليمية والمعنى المحصور في الأرض، ليرقى به من الأرض والموقع الجغرافي، إلى القيمة والمكانة والحُرْمة، ويقرنه بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها من يقيم على هذا الوطن، لقد أظهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في خطابه لمكَّة، وهو مهاجرٌ منها: ((ما أطيبك من بلد، وأحبَّك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك!!)) [9، ج5، ص723].
إن هذا المعنى يجلي موقف الفطرة في محبته - صلى الله عليه وسلم - لبلده مكة، معللاً هجرته منه رغم تعلّقه به ومحبته له - بإخراج كفار قريش له، ومنعهم إياه من إقامة مبادئ الإسلام فيه.
وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ضحى بالبقاء في وطنه في سبيل مبادئه وقيمة التي حال بينه وبينها كفار قريش حينما ساوموه عليها - فإن ذلك كان في حالٍ من التخيير بين المضيِّ في الدعوة إلى الإسلام مع الهجرة عن الوطن، أو التخلِّي عنها مع البقاء في الوطن، وحال من التضادِّ بين إعطاء الأولوية للإسلام، أو التنعم بالسّكنى في الوطن، والعيش بين الأهل والعشيرة؛ لذا قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - في حدث الهجرة الدِّين على غيره، وقد أكَّد القرآن الكريم استحقاق الدين هذه الأولوية في قوله - تعالى -: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].
ولا يعني بحال أن الإسلام يغير انتماء الناس إلى أرضهم وشعوبهم وقبائلهم؛ فإن هذا أمرٌ ماديٌّ حسيٌّ واقعٌ، لا سبيل إلى تغييره، فالذي يولد في بلد يُنسب إليه، ولا يُنكر عليه محبته له؛ فإن بلالاً - رضي الله عنه - الذي هاجر إلى المدينة مضحِّياً بكل شيء في سبيل عقيدته هو الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى بلده مكة، في أبيات تمتلئ رقة، وتقطر حلاوة، ينشد - رضي الله عنه - فيقول:
هَلْ أَرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ = وهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وطَفِيلُ؟!
وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مكة من أصيل فجرى دمعه حنيناً إليها، وقال: ((يا أصيلُ، دع القلوب تقِرَّ)) [10، ج1 ص84]، لقد أقر الإسلام هذا الانتماء، ولم يرَ حُبَّ الوطن منافياً للإيمان، ولا ملازماً له، فقد دل قوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، دلت هذه الآية على حب هؤلاء لوطنهم، مع عدم تلَبُّسهم للإيمان. [11، ج1 ص414]، كما أن الإسلام لم يجعل الأرض، ولا الدم، ولا اللغة، ولا المصالح الصلة الأولى التي تجمع الناس، ولم يقدمها على صلة العقيدة الصحيحة [12، ص586]؛ فإذا اتَّسقت دوائر الانتماء في فكر الإنسان، وتكاملت الحياة في ممارستها، ولم تكن متعارضة مع الانتماء إلى العقيدة فلن يكون هناك تناقض في الفكر، ولن يكون هناك مانع من العمل بكل دوائر الانتماء الفطري للإنسان؛ إن الأمر في علاقة الانتماء إلى الإسلام بالانتماء إلى الوطن ليتعدى حدود نفي التناقض إلى دائرة الامتزاج، والترابط، والاعتراف بما هو فطري؛ فالإسلام دين لا تتأتى إقامته إلا في وطن، ومكان، وجغرافيا، وهذا الواقع، والمكان، والجغرافيا لن يكون دارَ إسلام إلا إذا أصبح الانتماء إليه بُعداً من أبعاد الانتماء الإسلامي العام، ومن هنا تأتي ضرورة الوطن لإقامة الدين [13، ص35]، كما قال - تعالى -: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 141] ويتقرر حق المسلم فطرياً ودينياً في أن يعلن محبته لوطنه، وانتماءه إليه، وتفضيله على غيره في السكنى، والإقامة به، وحب الخير له، ونصرته دون عصبية تقطع آصرة أخوة الدين، أو تَشغَل عن الاهتمام بباقي أجزاء الوطن الإسلامي؛ فوطن المسلم ليس له حدود جغرافية؛ فهو يمتد مع امتداد العقيدة [14، ص141]، وانتشارها في بقاع الأرض؛ إذ لا تعارض بين حب الوطن والانتماء إلى الأمة الإسلامية، فبِوُسع الإنسان أن يحب وطنه، ويحب إخوانه المسلمين في الأقطار الأخرى، فكما أن حب الوطن لا يناقض حب الأسرة؛ بل يكون متمِّماً لها، كذلك حب الوطن لا يناقض حب المسلمين أينما كانوا؛ بل يكون متمماً له أيضاً [15، ص31].
كما أن الإسلام جعل الوطنية حقاً من حقوق الشعوب، والمحافظة عليه حياة لها بين الأمم، فلا معنى لحياة أمة وهي تفقد حق استقلالها في أرضها وبلادها، وتعيش تحت هيمنة عدوِّها وحُكمه؛ فتلك أمَّة مَيْتة وإن كانت في حكم الأحياء، يقول الأستاذ محمد عبده في هذا المعنى: "تلك سُنَّة الله - تعالى - في الأمم التي تجبُن فلا تدفع العادين عليها، وحياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف؛ فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكَّل بهم فأفنى قوَّتهم، وأزال استقلال أمَّتهم حتى صارت لا تُعَد أمة، بأن تَفرَّق شملها، وذهبت جماعتها، فكل ما بقي من أفراده خاضعون للغالبين، ضاعئون فيهم، مدعمون في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم عودة الاستقلال إليهم. إن الجبن عن مدافعة الأعداء، وتسليمَ الديار بالهزيمة والفرار هو الموت المحفوف بالخزي والعار، وإن الحياة العزيزة الطيبة هي الحياة الملِّية المحفوظة من عدوان المعتدين، والقتال في سبيل الله أعم من القتال لأجل الدين؛ لأنه يشمل أيضاً الدفاع عن الحوزة إذا همَّ الطامع المهاجم باغتصاب بلادنا، والتمتمع بخيرات أرضنا، أو أراد العدو الباغي إذلالنا، والعدوان على استقلالنا، ولو لم يكن ذلك لأجل فتنتنا عن ديننا، فالقتال لحماية الحقيقة كالقتال لحماية الحق، كله جهاد في سبيل الله. ولقد اتفق الفقهاء على أن العدو إذا دخل دار الإسلام يكون قتاله فرض عين على كل المسلمين". [16، ج4، ص695-697] .
__________________
ثمانيةٌ تجري على النّاسِ كلهم
.......... ولابُـدَّ للإنسانِ يلقى الثمانية
سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ
.......... ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية
صمام الأمان غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:25 AM   #3
عضو ذهبي
 
صورة صمام الأمان الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: فِيـ ظِلِّـ حَقـ هَارِبـ ..
المشاركات: 2,707
قوة التقييم: 0
صمام الأمان is on a distinguished road
الوطنية في المملكة العربية السعودية :

تمثل الوطنية في المملكة العربية السعودية المعنى المنسجم مع الفطرة والإسلام؛ إذ يعني مفهوم الانتماء إلى المملكة العربية السعودية معاني وقيماً عظيمة، تتمثل في :

1- الموقع الذي اختاره الله - تعالى - ليكون مهبط الوحي، ومعقل الإسلام، وقلعته العتيدة، وحصنه المنيع، ومخزن قيمه الحضارية، وأصالته الفكرية، ومأوى أفئدة المسلمين، ومقصدهم في صلاتهم وأداء نسكهم، وجعل أرضه مسكناً خالصاً لإقامة المسلمين وحدهم إلى قيام الساعة، قال - تعالى -: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لأُخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدعَ إلا مسلماً)) [17، ج3، ص1388]، أي: لا يدع كتابياً يقيم فيها إقامة دائمة؛ بحيث لا يمكن فهم هذا الموقع، إلا أنه أرض الإسلام والمسلمين.

2- الإسلام الذي جعل الله هذه الجزيرة داراً له، ومأرزاً لأتباعه، يقيمون على أرضه شعائره، ويحتكمون في أمورهم إلى شرعه، ويعملون بما ينطوي عليه من مبادئ، وقيم وتشريعات، وقد ختم الله به الدين، ونسخ به الرسالات السابقة، فلم يقبل غيره ديناً، قال - تعالى -: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، فنالت هذه الجزيرة به مكانتها، وتميزت به شخصيتها، واستشعر أهلها به واجبهم، وارتبطوا به في مناهج حياتهم.

هذا المعنى تجسَّد في المملكة العربية السعودية؛ إذ تمتزج هذه الدولة منذ تأسيسها بالدين واقعاً ومسؤولية، ولا غرابة؛ فهي من حيث الواقع الدولة المؤتمنة على الحرمين الشريفين، والراعية لحجاج بيت الله الحرام، وزوَّار مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والعاملة على نشر الإسلام من خلال مؤسسات الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمقيمة لأحكام الشريعة، والمنفذة لحدود الله - تعالى - من خلال المحاكم الشرعية ذات السلطة المستقلة التي لا سلطة عليها غير سلطان الشريعة، وهي الملتزمة في جميع المجالات بالإسلام، نصت المادة الأولى للنظام الأساسي للحكم فيها على أن: "المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولغتها هي اللغة العربية". وقد مارست الدولة هذه الوظيفة في أدوارها الثلاثة منذ تأسيسها على يدي الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب، فهي نتاج دعوة إصلاحية عمَّ خيرها أرجاء الجزيرة العربية، وتفيَّأ ظلالَها جميعُ أبنائها، وقطفوا ثمرتها وحدة، وأمناً، ومعتقداً صافياً، ورخاء واسعاً، وعلماً منتشراً.
إن مفهوم المواطنة يعني الالتزام؛ بمعنى الانتماء إلى هذا الوطن المملكة العربية السعودية الذي يقتضي حماية أرضه، والنهوض برسالته التي هي رسالة الإسلام، والجهاد في سبيل الحفاظ على حُرُماته ومقدساته، والذَّبِّ عن منجزاته الحضارية بشقيها: المعنوية والمادية.

إننا في الوقت الحاضر وأكثر مما مضى بحاجة مُلِحَّة إلى تعميق هذا المفهوم في عقول الناشئة؛ بعد أن تسلَّلت بعض الأفكار والآراء الغريبة على بيئة هذا الوطن المسلم، وفوجئ أبناؤه بالأحداث الدامية التي استهدفت المواطنين الآمنين، والمقيمين المستأمنين، ولعل من أفضل الوسائل التي تعمق هذا المفهوم ما يلي:
1- مناهج التعليم التي يمكن أن تؤصِّل معنى الوطن، وتبرز مكانته في العالم كله، وفي العالم الإسلامي بصفة خاصة، وتتحدث عن خصائصه وواجباته، ومواقفه الحميدة من القضايا الإسلامية كقضية فلسطين، والبوسنة والهرسك، ودور المؤسسات الخيرية في إغاثة المنكوبين، والمعوزين في العالم الإسلامي، ودعمه للمؤسسات الإسلامية العالمية؛ كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والبنك الإسلامي.

2- الإعلام من صحافة وتلفاز وإذاعة الذي يمكن استثماره في إظهار الصورة الحقيقية للمملكة العربية السعودية، ودورها الرائد في المحافظة على قيم الإسلام ومبادئه، والدفاع عن قضايا المسلمين في المحافل الدولية، وتسخيرها في ترسيخ هوية هذه البلاد في نفوس أبنائه من خلال الحوار الهادف، والبرنامج الملامس لمشكلات الناس وأحوالهم الاجتماعية، وفي التصدي للأفكار الوافدة المنافية للعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، وفي معالجة حالات الانحراف والغلو التي قد تظهر في المجتمع تأثراً بمجتمعات مجاورة .
__________________
ثمانيةٌ تجري على النّاسِ كلهم
.......... ولابُـدَّ للإنسانِ يلقى الثمانية
سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ
.......... ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية
صمام الأمان غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:31 AM   #4
عضو ذهبي
 
صورة صمام الأمان الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: فِيـ ظِلِّـ حَقـ هَارِبـ ..
المشاركات: 2,707
قوة التقييم: 0
صمام الأمان is on a distinguished road
وظيفة الثقافة الإسلامية في بناء الهوية الوطنية :

تضطلع الثقافة الإسلامية بوظيفة مؤثرة ورائدة في بناء الهوية الوطنية، وصياغتها وَفق تعاليم الإسلام، وقيمه السامية، تتضح في المحاور التالية:

1- المحافظة على سمات شخصية الأمة الإسلامية من الضياع، أو التلاشي والاندثار، ذلك أن أي ثقافة من الثقافات تتفرد بسمات خاصة تميزها عن غيرها، وتنتمي إلى أمة معينة ذات مبادئ وقيم وتصورات خاصة بها، فكما أن الإنسان ينتمي إلى أسرة أو جماعة أو وطن فكذلك الثقافة، كما أن الوطن الإسلامي هو المكان الذي تمتد فيه هذه الأمة بشعوبها المختلفة، وتمارس فيه شعائرها، وقيمها، ومبادئها الإسلامية.
وإذا كان الوطن الإسلامي قد تعرض لغزو الثقافة الغربية أيام الاستعمار السياسي، ولا يزال يتعرض لموجات من التغريب عن طريق وسائل الإعلام والاقتصاد، وما يعرف بـ(العولمة) - فإن الثقافة الإسلامية تؤدي وظيفة الوقاية من ضرر هذا الغزو، وتعمل على تحصين الوطن الإسلامي من أثر عملية الإحلال الثقافي الغربي التي تمارس في المجتمعات الإسلامية.

2- العمل على توحيد شعوب الوطن الإسلامي ودوله من الناحية الفكرية، فوجود ثقافة إسلامية مشتركة يلتقي عليها المسلمون، ويشبُّ عليها الشباب المسلم سيقيها من حالة التمزق الفكري والتشتت الثقافي، ويخلِّصها من حالة الضياع والعيش بدون شخصية وفكر موحد [31، ص10]، وسيعينها على ظهور أهداف واهتمامات وتصورات مشتركة ستسهم في نسج وحدة من التكوين الداخلي بين أبناء الأمة الإسلامية، وفي توحيدهم على نماذجها البشرية وقيمها، وجمعهم على الالتزام بمصير الأمة التضامني الواحد [32، ص68].

3- الإسهام في تشكيل البعد النفسي للفرد داخل الوطن الإسلامي، وتكوين الشعور بالأمان النفسي؛ لأن الثقافة الإسلامية أكثر العلوم اتصالاً بكرامة الإنسان، وأعمقها تأكيداً لذاته، وهذا يتحقق من خلال تأكيدها على الأطر والأنساق والنظم والقيم المستمدة من الوحي، وعنايتها بها؛ نظراً لأنه ينشأ من الالتزام بها واحترامها بشكل جماعي اطمئنانٌ ذاتيٌّ للفرد المسلم، وارتياح داخلي، فهي تُكسِب الفرد شعوراً بالتضامن والتعاون، وتحقق له إحساساً بروح الانتماء إلى جماعة المسلمين الواحدة [32، ص68-69]، ويتم معرفة أهمية البعد النفسي الذي يشكله هذا العلم عند تصور أن المسلم الذي يعيش في مجتمع غير مسلم يشعر بالغربة في أطر تفكيره ونظم حياته، وبالخوف على قيمة ومحارمه وكرامته من أن تنتهك أو يُتَعدَّى عليها، وبالتوجس الداخلي من كل شيء، إن هذا يعود إلى فقده للرباط الذي يربطه بالثقافة السائدة في وطنه المسلم.

4- الوقوف في مواجهة الأخطار الفكرية التي يتعرض لها الوطن الإسلامي ممثَّلة في الدراسات (الاستشراقية) التي تستهدف تشويه صورة الإسلام في نفوس المسلمين، وزعزعة ثقتهم بمصادر دينهم، وتشكيكهم بمبادئ الإسلام وعقائده وقيمه وتاريخه، وفي التنصير الذي يسعى إلى تحويل المسلمين عن دينهم، ونشر الإلحاد والنصرانية في بلاد المسلمين، أو في التغريب الذي يعمل على صياغة المجتمعات الإسلامية صياغة غربية تحاكي حياة المجتمع الغربي في العادات والتقاليد ونظم الحياة.

إن مواجهة هذه الأخطار التي تحدِق بالأمة الإسلامية تحصل عن طريق تحصين أبناء الأمة المسلمين من التأثر بهذه الأفكار، ووقايتهم من أضرارها، ونقد الدراسات (الاستشراقية) المعادية، وبيان مغالطتها للحقيقة، وتعمُّدها للتشويه والكذب، وإيقاف حركة التنصير، وذلك عن طريق مضاعفة الجهد في الدعوة إلى الله - تعالى - ومنع المنصِّرين من الدعوة إلى دينهم في بلاد المسلمين، وتحقيق قدر من الوعي بأهداف (العولمة)، وأخطارها على مكتسبات الأمة.

5- تعميق روح الانتماء إلى الإسلام، وربط المسلمين بدينهم القيِّم، وتاريخهم المجيد، وحضارتهم العظيمة، وتوثيق الصلات العَقَدية والفكرية بينهم مهما تباعدت بلدانهم، أو اختلفت أعراقهم ولغاتهم، وبناء الشعور بالأُخوة المبنية على الإيمان، والنصرة في الدين في نفوس المسلمين بحيث يُحِسُّ بعضهم بآلام بعض، ويفرحون بفرحهم، ويرتبط المسلم بأخيه برباط فكري واحد، يوحِّد مشاعرهم وأحاسيسهم؛ بل وتصوراتهم، ونظرتهم إلى الحياة، ومواقفهم من متغيراتها.

إن ثقافة تقوم بهذه الوظيفة جديرة بأن يَعتزَّ بها أبناؤها المنتمون إليها، وذلك لسمو أهدافها ومضامينها ومناهجها، فهي ثقافة دين ختم الله به الرسالات، ورضيه لعباده، كما قال - تعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]، أحل الله به الطيبات، وحرم به الخبائث، ورفع به الحرج الذي كان على الأمم السابقة، قال - تعالى - في وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وأصبحت الثقافة بالإسلام ثقافة عالمية، وليست ثقافة أمة عنصرية منغلقة على نفسها كبني إسرائيل، وثقافة هداية للبشرية تخاطب العقل، وتهديه للتي هي أقوم، وليس ثقافة ضلال وجهالة، فعلى المسلم أن يتمسك بهذا الدين، ويعتز به كما قال - تعالى -: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44،43]، ومعنى: {ذِكْرٌ لَكَ} أي: شرف لك، وفخر لكل من يدين به [33، ص49-51] .
__________________
ثمانيةٌ تجري على النّاسِ كلهم
.......... ولابُـدَّ للإنسانِ يلقى الثمانية
سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ
.......... ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية
صمام الأمان غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:48 AM   #5
عضو ذهبي
 
صورة صمام الأمان الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: فِيـ ظِلِّـ حَقـ هَارِبـ ..
المشاركات: 2,707
قوة التقييم: 0
صمام الأمان is on a distinguished road
يمكن فيما يلي الإشارة إلى أهم ما خلص إليه هذا البحث :

1- المواطنة لها معنيان : الأول: معنى فطري يعتبرها نزعة غريزية نابعة من حب الإنسان لوطنه، وشعوره بالانتماء إليه. والآخر: يعتبرها نزعة فكرية مذهبية، لها مبادئها العامة، وطقوسها السلوكية، تزرع في نفوس الناس، وينشَّأ عليها ناشئة المجتمع، وتحاكم مواقف أتباعها عليها، وينظر إلى الآخرين من خلالها.

2- الوطنية من المفاهيم الحديثة التي فرضت نفسها على خريطة الفكر الإنساني، وإن كانت ذات جذور عميقة في التاريخ، فهي بهذه الصفة الفلسفية عرفت في المجتمعات القديمة، ومن أشهر صورها: وطنية اليونان، ثم وطنية الإمبراطورية الرومانية، وظهرت هذه النزعة من جديد مقترنة بقوميات محلية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية لتحل محل النزعة الدينية المسيحية تدريجياً، وأصبحت من معطيات القرن التاسعَ عشرَ الميلادي الموجِّهَة لكل نظم الدولة نحو خدمة هذه النزعة المذهبية.

3- إذا كان الاتجاه المذهبي عمل على ربط معنى الوطنية بالأرض والوطن فإن الإسلام لا يتنكَّر لفطرة حب الوطن؛ ولا يعُدُّه مناقضاً له، ذلك أن الإسلام نظر إليه على أنه ميل فطري راسخ في النفس، فنمّاه ولم يقيده بمضامين أي نزعة من النزعات ذات المنحى العنصري؛ بل ربط بينه وبين الدين، وعمل على إدماج البشرية بعضهم ببعض دون تمييز على أساس الحدود الجغرافية؛ فمدَّ بذلك مفهوم الوطن على امتداد العقيدة، ووسع مفهوم الوطنية؛ لتكون انتماء فطرياً إلى الأرض، وموالاة دينية لعقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه.

4- إن الإسلام أوجد انسجاماً بين الدين والوطنية؛ بحيث تكون الوطنية متشربة للإسلام، ويكون الوطن داراً له، وجعل للوطنية معنى واسعاً يتجاوز المعنى المحصور في الأرض، كما أن الإسلام جعل الوطنية حقاً من حقوق الشعوب، والمحافظة عليه حياة لها بين الأمم، فلا معنى لحياة أمة وهي تفقد حق استقلالها في أرضها وبلادها، وتعيش تحت هيمنة عدوِّها وحُكْمه؛ فتلك أمة مَيْتَة؛ وإن كانت في حكم الأحياء.

5- تمثل الوطنية في المملكة العربية السعودية المعنى المنسجم مع الفطرة والإسلام؛ إذ يعني مفهوم الانتماء إلى المملكة العربية السعودية معاني وقيماً عظيمة تستمدها من موقعها، واحتضانها للحرمين الشريفين، وكونها مهبط الوحي وداراً للإسلام، ومأرزاً لأتباعه، كما يقتضي معنى الانتماء إلى هذا الوطن حماية أرضه، والنهوض برسالته التي هي رسالة الإسلام، والجهاد في سبيل الحفاظ على حرماته ومقدساته، والذبَّ عن منجزاته الحضارية بشقَّيها: المعنوية والمادية.

6- برزت الوطنية منذ انطلاقها في أوائل القرن التاسعَ عشرَ الميلادي مقترنة بالقيم (الليبرالية) أو الحريَّة الفردية و(الديموقراطية)، وتعتبر فرنسا [ ملاحظة : الكلام هنا تاريخي لا فكري ] أنصع مثال على هذا التلازم في أوروبا الحديثة، وظهرت الوطنية في العالم العربي مقرونة بمشروع الدعوى إلى الوحدة العربية الذي كان من أهدافه مقاومة الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية، وتم التسويق لهذا المشروع عن طريق بناء ثقافة وطنية جديدة على المنحى القومي للثقافة السياسية الغريبة المتجِه إلى فصل الدين عن الدولة، وكانت رَدة الفعل الأولى عليه من المفكرين الإسلاميين بإعلان التمسك بفكرة الخلافة الإسلامية، والتنادي إلى مشروع إعادتها من جديد؛ مما أدى إلى تبلوُر اتجاه فكري مناهض لفكرة الوطنية العربية، يدعو إلى حماية الهوية الإسلامية، والدفاع عنها.

7- إن الاختلاف في مفهوم المواطنة بين القوميين والإسلاميين نشأ عنه تباين في الثقافة التي تحدد هوية الوطن وصلته بغيره؛ إلا أن الفريقين متفقان على أن الوطنية: "جمع بين الثقافة كهوية، وبين الثقافة كطريقة اتصال"، إذ الثقافة عند الفريقين من أخص خصائص الإنسان، وإذا كان أي وطن بحاجة إلى تنمية شاملة وهادفة في كل مرافقه تستثمر كل إمكاناته وطاقاته فإن هذه التنمية لابد أن تكون متلائمة مع ثقافته، ومعطياته، ومكونات مجتمعه.

8- يُعَدُّ الدين في الثقافة الإسلامية بمصادره الصحيحة الأساس الأول الذي تقوم عليه، وتأخذ منه مادتها العلمية والفكرية، وتستمد منه ذاتيتها، ووجهتها، وتصوراتها، وقوام فكرها، وتعتمد عليه في نقد التراث البشري، ومواجهة التحديات التي تعترض سبيل المحافظة على شخصيتها من الذوبان في غيرها، وهو العاصم لها من الانحراف عن الطريق السوي، أو الاندثار مع الثقافات الضعيفة التي لم تستطع الصمود أمام متغيرات الحياة، أو الذوبان في غيرها من الثقافات الأخرى، كما أن الثقافة الإسلامية تضطلع بوظيفة مؤثرة ورائدة في بناء الهوية الوطنية وصياغتها وَفق تعاليم الإسلام، وقيمه السامية.

9- الثقافة الإسلامية واقعية في نظرتها إلى الثقافات الأخرى؛ فهي تراها متولدة عن سُنَّة الاختلاف بين بني البشر، وهي على وعي تام بهذه الثقافات، وهذا يعود إلى كونها ثقافة إنسانية تحترم الإنسان وتُكرِمه، وتحتفل بالمثل العليا، والوحدة الإنسانية، وتُعنَى بالاتصال بالشعوب ومحاروتها على أساس من العلم والحق، وتهتم بمخاطبة الثقافات الأخرى على أساس من الاحترام المتبادل، كما أنها تشاركها في حماية القيم، وإرساء المبادئ الإنسانية، فهي ثقافة ذات نزعة إنسانية واضحة في كل جانب من جوانبها.

10- إذا كانت الثقافة الإسلامية تأخذ بمبدأ التفاهم مع الثقافات الأخرى، والاحترام المتبادل بينها فإنها في الوقت نفسه لا تأخذ بفكرة التعايش مع الثقافات التي تستهدف كسر الحواجز المانعة من تأثيرها؛ لغرض إحلال ثقافتها مكانها وتوطينها، لكنها لا تمانع من تفاعل الثقافات، وتقاربها في الجوانب العلمية والتطبيقية والحضارية على أن يكون ذلك مبنياً على الاحترام المبتادل في جو سلمي، بعيد عن الروح العدائية والتعصب ضد الثقافات الأخرى.

11- الثقافة الإسلامية اعترفت بثقافات الأديان التي كانت موجودة في داخل الوطن الإسلامي، ومنحت أصحابها حرية الممارسة، واحترمت مقدساتهم ومصادرهم الدينية والفكرية، وحاورت أتباعها بالتي هي أحسن؛ دون إكراه يحمل أحداً على الانسلاخ من ثقافته، أو مصادرة آرائه؛ وإنما حوار منفتح ومقنع، يمكِّن الأمة من القيام بواجب الشهادة على الناس التي جعلها الله وظيفة من وظائفها في علاقتها بغيرها، وتواصلها مع الآخرين، وهي تمتلك خطاباً وسطياً بعيداً عن الغلو والتفريط، والتنفير في الأسلوب والمضمون.

12- إن توخِّي النزاهة والموضوعية والاحترام في قضايا الاختلاف، والتعدد الثقافي، والتمايز الحضاري، والنظرة العادلة إلى كل الثقافات التي (تعطي كل ذي حق حقه) سيعزز مستقبل الإنسانية بالوئام والتعايش الممكن، بدلاً من التنافس والصدام المهلك للشعوب، المكرس للكراهية بينها، وسيتيح مجالاً رحباً للحوار بين الشعوب، وسيمنح الآراء الصائبة الفرصة المناسبة لإقناع الآخرين، والانتفاع بها دون حاجة إلى إكراههم على قبولها، ومن ثم سيجعل ثقافتها ظاهرة على الثقافات الأخرى.

13- يعِج الوطن الإسلامي على امتداده بالاتجاهات الفكرية والمذهبيات العقدية والفقهية، وإذا كان من جامع له فإنه يجتمع على قدر كبير من الثقافة الإسلامية العامة التي هي ثقافة كل أطيافه، ونخبه، ومذاهبه، ويفترقون في تفصيلاتها، وهذا الافتراق - وبالأحرى الاختلاف - يعود إلى مشارب، ومدارس، وقناعات شخصية، وجمعية، ونظرات إلى المستقبل، لها بعد تاريخي وعقدي وفقهي وقومي وواقعي، ولا يمكن أن يستثنى مجتمعُ أيِّ دولة من الدول الإسلامية من هذا الاختلاف، أو التعدد الثقافي، وأمام هذه الثقافات المحلية هناك من يرى ضرورة الاعتراض بتعدد الثقافات المحلية، وقبول الآخر تعايشاً وتحاوراً وتسامحاً؛ بحجة أن العصبيات والمذهبيات والطوائف لا يمكن أن تكون القاعدة أو المرجعية لأي مجتمع يواجه تحديات العصر الحديث، وهناك من يرى أن تبنِّي ثقافة واحدة ترعى الوحدة في أركان الدين وقواعد الملة، وتقر الاختلاف في القضايا الفرعية دون الأصول هو الأولى حفظاً لوحدة الأمة وتماسكها واجتماعها.

14- إذا كانت الأمة مطالبة بأن تجتمع وتتحد على أصول الدين، وأركانه العلمية والعملية العظام، ومفاهيمه العامة، ومقاصد الشريعة التي تشكل مضامين الثقافة الإسلامية، ومعالمها الظاهرة، فإنه لا يضرها أن تختلف في القضايا التي دونها من الفروع والجزئيات؛ فإن الخلاف فيها سائغ وواسع لاختلاف الناس في الفهم والاستنتاج والاستنباط، واختلافهم في الرأي، والنظر، والإحاطة بعلوم الشريعة، وأسرارها، ومعانيها، وظروف النصوص النازلة وأسبابها، ولنا في السلف الصالح أسوة حسنة، فقد كانت ثقافة الاختلاف، وتعدد الثقافة شائعة وممارسة في عهدهم إلى درجة عالية، وأن التنوع الثقافي كان ظاهرة من الظواهر الفكرية التي لا يمكن إخفاؤها، وأن الثقافة العامة التي تمثل اتجاه جمهور العلماء، وعليها غالب الناس لم تكن الوحيدة في المجتمع؛ وإنما هناك ثقافات محلية تختلف سعتها، ويتباين عدد أتباعها هي ثقافة مدارس واتجاهات فكرية موجودة وقائمة، وأن العلاقة بينها كانت علاقة حوار وتغافر واعتذار؛ لا علاقة عداوة وبغض وكراهية، فعلماؤها كانوا يراعون الألفة والعصمة وأخوة الدين، وإن اختلفوا في القضايا العلمية العقدية.

15- ومن الناحية الواقعية نجحت (العولمة) الثقافية بوسائلها السياسية والمعلوماتية والاجتماعية في صياغة مفاهيم جديدة في بعض التصورات الثقافية والسياسية والاجتماعية، واستطاعت أن تحلها محل الثقافات الوطنية، ولا ريب أنها من هذه الناحية مثلت خطراً على الهوية الثقافية الوطنية للمجتمعات، وعلى الحس الوطني الرسمي المتولد عن خصوصية التجربة التاريخية للدول؛ إذ لا يستطيع أي مجتمع أن يبقى صامداً في زمن انهيار الحدود، وتدفق الأفكار والنظم بصورة سريعة ومتتابعة عبر منافذ متعدِّدة أمام هذه (العولمة) دون أن يتأثر بمفاهيمها الثقافية الجديدة؛ إلا أن ذلك ليس مطَّرِداً، أو حتميّاً لا مناص منه؛ فإن المجتمعات التي تمتلك ثوابت عقدية وخلقية متجذرة في قلوب أفرادها وعقولهم وسلوكهم وحياتهم - قادرة بفضل ما لديها من منظومة عقدية وتصورات فكرية وقيم خلقية على رد هجمات (العولمة) الثقافية الغربية، ومن هذه الثقافات ثقافتنا الإسلامية التي تتعرض كغيرها إلى محاولة مستعرة لإلغاء خصوصيتها، ومسخ شخصيتها التي تستمدهما من انتمائها إلى الإسلام الحنيف؛ لذا كان لزاماً على علماء الأمة ومفكريها أن يعملوا على تعزيز هوية الوعي والولاء والانتماء للدين الإسلامي في نفوس المسلمين .


( يمكنك الرجوع إلى البحث على الشبكة ، وهو نصيحتي لمن أراد الاستزادة الفكرية أو التاريخية أو المذهبية حول الموضوع )

أدام الله نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، ويسر لنا شكره عليها سبحانه ..

رعاكم المولى ..
__________________
ثمانيةٌ تجري على النّاسِ كلهم
.......... ولابُـدَّ للإنسانِ يلقى الثمانية
سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ
.......... ويسرٌ وعسرٌ ثم سقمٌ وعافية
صمام الأمان غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:27 PM   #6
عضو نشط
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
البلد: بعد الفجر
المشاركات: 88
قوة التقييم: 0
بصـ ر ا ح ـة is on a distinguished road
جميل ما خطته أناملك ,
حب وطن من وجهة الشرع المطهر ..
و من منا يكره الأرض التي نما عليه و ترعرع ..


حب الوطن عمل لا ادعاء ..
همة لرفعة شأنه ,, و السعي في خدمته ,, لا الركون إلى الدعة و السكون ..


ليتك يا وطن كما أحبك تحبني , و أكون مثل اللبناني الذي يأتي إليك يعمل بأعلى المرتبات ,, أما أنا : ربما كاشير أو سواق ,, ليتك تعدل بيننا يا وطن ,.!!
__________________
ودي أموت اليوم و أعيش باكر ,, و أشوف منهو بعد موتي فقدني
منهو حملني لين ذيك المقابر ,, و أشكر أنا كل من دفني و كرمني
و أشوف من يرثيني أنا كم شاعر ,, و منهو تركني و لاكتب شيء عني
شخص تعنا لي مع انه مسافر , وشخص قريب طعني ما درى عني
بصـ ر ا ح ـة غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 01:41 PM   #7
ابن القيم الاكس بي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
المشاركات: 3,766
قوة التقييم: 0
رجل المستحيل is on a distinguished road
الله الله يا صمان الأمان , حملت الراية . لا عدمتك وبارك الله فيك , ولي رجعة بمشيئة الله
__________________
قلم حُر في فضاء الإسلام

فما أجمل الحرية التي أعتقتني من رِق الشبهات والشهوات , لتهديني لطائف الملذات والمسرات , وذلك بالتخلص من رِق العباد لرب العباد .
رجل المستحيل غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 02:16 PM   #8
عضو مبدع
 
صورة ورد الجوري الرمزية
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,312
قوة التقييم: 0
ورد الجوري is on a distinguished road
..(( تعزيز روح الانتمــــــــــاء للإسلام ))


هنـــــــا مربط الفرس .. وهذا من أجمل ماقرأت عن الوطنية

دمـــــــــــتم كل عـــــــــــام بأمن وأمــــــــــــان ..
__________________

خذوا كل عطوري وأعطوني عطرا له رائحة ملاءة أمّ !
ورد الجوري غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 04:20 PM   #9
عضو ذهبي
 
صورة صخرالبحر الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 3,150
قوة التقييم: 0
صخرالبحر is on a distinguished road
بورك فيك حبيبي صمام الأمان ولا حرمنا وجودكـ
__________________
المسلم عزيز في حياته وبعد مماته ,إن بقى بقى بعز النصر وإن مات مات بعز الشهادة. لا يستسلم ينتصر أو يموت..
اللهم أنصر داعش!
صخرالبحر غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 22-09-2010, 10:06 PM   #10
عضو مبدع
 
صورة عشقي أبان .. الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
البلد: رحال حيث الحياة بنا راحلة
المشاركات: 1,839
قوة التقييم: 0
عشقي أبان .. is on a distinguished road











رائعة كعادتك يا صاحبي دائما ..

تجسيد المبنى يحتاج لمعنى صحيح المرمى ..


حفظ الله أمننا و أماننا و ديارنا و المسلمين أجمعين ..

أخووك
◄◄▌│عشقي


أبان▌│



__________________
بالرغم منا .. قد نضيع من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟
من يجعل الغصنَ العقيمَ يجيء يوماً .. بالربيع ؟
من ينقذ الإنسان من هذا .. القطيع
عشقي أبان .. غير متصل   الرد باقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 04:24 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19