العودة   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > تاريخ الرس و الأدب و الشعر
التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

تاريخ الرس و الأدب و الشعر هذا القسم توثيق لتاريخ الرس الماضي والحاضر، و أرشيف للصور القديمة، ومنتدى الأدب و الشعر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-10-2011, 08:57 AM   #1
جرح نازف
مشرف المنتدى الأدبي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 1,560
معدل تقييم المستوى: 11
جرح نازف is on a distinguished road
افتراضي حكمة للبيع!‎

قصة مغترب

"بَسْ دقيقة"


بقلم: محمد عبد الوهاب جسري

كنت أقف في دوري على شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر في الحافلة إلى مدينة تبعد حوالي 330 كم، وكانت أمامي سيدة ستينية قد وصلت إلى شباك التذاكر وطال حديثها مع الموظفة التي قالت لها في النهاية: الناس ينتظرون، أرجوكِ تنحّي جانباً. فابتعدت المرأة خطوة واحدة لتفسح لي المجال، وقبل أن أشتري بطاقتي سألت الموظفة عن المشكلة، فقالت لي بأن هذه المرأة معها ثمن بطاقة السفر وليس معها يورو واحد قيمة بطاقة دخول المحطة، وتريد أن تنتظر الحافلة خارج المحطة وهذا ممنوع. قلتُ لها: هذا يورو وأعطها البطاقة. وتراجعتُ قليلاً وأعطيتُ السيدة مجالاً لتعود إلى دورها بعد أن نادتها الموظفة مجدداً.

اشترت السيدة بطاقتها ووقفت جانباً وكأنها تنتظرني، فتوقعت أنها تريد أن تشكرني، إلا أنها لم تفعل، بل انتظرتْ لتطمئن إلى أنني اشتريت بطاقتي وسأتوجه إلى ساحة الانطلاق، فقالت لي بصيغة الأمر: احمل هذه... وأشارت إلى حقيبتها.

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يتعاملون بلباقة ليس لها مثيل. بدون تفكير حملت لها حقيبتها واتجهنا سوية إلى الحافلة، ومن الطبيعي أن يكون مقعدي بجانبها لأنها كانت قبلي تماماً في الدور.

حاولت أن أجلس من جهة النافذة لأستمتع بمنظر تساقط الثلج الذي بدأ منذ ساعة وأقسم بأن يمحو جميع ألوان الطبيعة معلناً بصمته الشديد: أنا الذي آتي لكم بالخير وأنا من يحق له السيادة الآن! لكن السيدة منعتني و جلستْ هي من جهة النافذة دون أن تنطق بحرف، فرحتُ أنظر أمامي ولا أعيرها اهتماماً، إلى أن التفتتْ إلي تنظر في وجهي وتحدق فيه، وطالت التفاتتها دون أن تنطق ببنت شفة وأنا أنظر أمامي، حتى إنني بدأت أتضايق من نظراتها التي لا أراها لكنني أشعر بها، فالتفتُ إليها.

عندها تبسمتْ قائلة: كنت أختبر مدى صبرك وتحملك.

- صبري على ماذا؟

- على قلة ذوقي. أعرفُ تماماً بماذا كنتَ تفكر.

- لا أظنك تعرفين، وليس مهماً أن تعرفي.

- حسناً، سأقول لك لاحقاً، لكن بالي مشغول كيف سأرد لك الدين.

- الأمر لا يستحق، لا تشغلي بالك.

- عندي حاجة سأبيعها الآن وسأرد لك اليورو، فهل تشتريها أم أعرضها على غيرك؟

- هل تريدين أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي؟

- إنها حكمة. أعطني يورو واحداً لأعطيك الحكمة.

- وهل ستعيدين لي اليورو إن لم تعجبني الحكمة؟

- لا، فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه، ثم إن اليورو الواحد يلزمني لأنني أريد أن أرد به دَيني.

أخرجتُ اليورو من جيبي ووضعته في يديها وأنا أنظر إلى تضاريس وجهها. لا زالت عيناها جميلتين تلمعان كبريق عيني شابة في مقتبل العمر، وأنفها الدقيق مع عينيها يخبرون عن ذكاء ثعلبي. مظهرها يدل على أنها سيدة متعلمة، لكنني لن أسألها عن شيء، أنا على يقين أنها ستحدثني عن نفسها فرحلتنا لا زالت في بدايتها.

أغلقت أصابعها على هذه القطعة النقدية التي فرحت بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم بعض النقود وقالت: أنا الآن متقاعدة، كنت أعمل مدرّسة لمادة الفلسفة، جئت من مدينتي لأرافق إحدى صديقاتي إلى المطار. أنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفي لأعود إلى بيتي، إلا أن سائق التكسي أحرجني وأخذ مني يورو واحد زيادة، فقلت في نفسي سأنتظر الحافلة خارج المحطة، ولم أكن أدري أنه ممنوع. أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك، حيث دفعت عني دون أن أطلب منك. الموضوع ليس مادياً. ستقول لي بأن المبلغ بسيط، سأقول لك أنت سارعت بفعل الخير ودونما تفكير.

قاطعتُ المرأة مبتسماً: أتوقع بأنك ستحكي لي قصة حياتك، لكن أين البضاعة التي اشتريتُها منكِ؟ أين الحكمة؟

- "بَسْ دقيقة".

- سأنتظر دقيقة.

- لا، لا، لا تنتظر. "بَسْ دقيقة"... هذه هي الحكمة.

- ما فهمت شيئاً.

- لعلك تعتقد أنك تعرضتَ لعملية احتيال؟

- ربما.

- سأشرح لك: "بس دقيقة"، لا تنسَ هذه الكلمة. في كل أمر تريد أن تتخذ فيه قراراً، عندما تفكر به وعندما تصل إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك دقيقة إضافية، ستين ثانية. هل تعلم كم من المعلومات يستطيع دماغك أن يعالج خلال ستين ثانية؟ في هذه الدقيقة التي ستمنحها لنفسك قبل إصدار قرارك قد تتغير أمور كثيرة، ولكن بشرط.

- وما هو الشرط؟

- أن تتجرد عن نفسك، وتُفرغ في دماغك وفي قلبك جميع القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية دفعة واحدة، وتعالجها معالجة موضوعية ودون تحيز، فمثلاً: إن كنت قد قررت بأنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجرد عن نفسك ربما تكتشف بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً، أو جزء منه، وعندها قد تغير قرارك تجاهه. إن كنت نويت أن تعاقب شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له عذراً فتخفف عنه العقوبة أو تمتنع عن معاقبته وتسامحه نهائياً. دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة، في حين أنها قد تكون كارثية. دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن هواك. دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك، وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة قوم بأكملهم... هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة؟

- صحيح، وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليكِ اليورو.

- تفضل، أنا الآن أردُّ لك الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر. والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.

أعطتني اليورو. تبسمتُ في وجهها واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة، لأنتهبه إلى نفسي وهي تأخذ رأسي بيدها وتقبل جبيني قائلة: هل تعلم أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي، فالآخرون لم يكونوا ليدروا ما هي مشكلتي، وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب واحد يورو من أحد.

- حسناً، وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة يورو؟

- سأعتبره مهراً وسأقبل بك زوجاً.

علتْ ضحكتُنا في الحافلة وأنا أُمثـِّلُ بأنني أريد النهوض ومغادرة مقعدي وهي تمسك بيدي قائلة: اجلس، فزوجي متمسك بي وليس له مزاج أن يموت قريباً!

وأنا أقول لها: "بس دقيقة"، "بس دقيقة"...

لم أتوقع بأن الزمن سيمضي بسرعة. كانت هذه الرحلة من أكثر رحلاتي سعادة، حتى إنني شعرت بنوع من الحزن عندما غادرتْ الحافلة عندما وصلنا إلى مدينتها في منتصف الطريق تقريباً.

قبل ربع ساعة من وصولها حاولتْ أن تتصل من جوالها بابنها كي يأتي إلى المحطة ليأخذها، ثم التفتتْ إليّ قائلة: على ما يبدو أنه ليس عندي رصيد. فأعطيتها جوالي لتتصل. المفاجأة أنني بعد مغادرتها للحافلة بربع ساعة تقريباً استلمتُ رسالتين على الجوال، الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن 10 يورو، والثانية منها تقول فيها: كان عندي رصيد في هاتفي لكنني احتلتُ عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك. إن شئت احتفظ برقمي، وإن زرت مدينتي فاعلم بأن لك فيها أمّاً ستستقبلك. فرددتُ عليها برسالة قلت فيها: عندما نظرتُ إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أتجرأ أن أقولها لك، أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية، أشكركِ على الحكمة واعلمي بأنني سأبيعها بمبلغ أكبر بكثير.

"بس دقيقة"
... حكمة أعرضها للبيع، فمن يشتريها مني في زمن نهدر فيه الكثير الكثير من الساعات دون فائدة؟


جرح نازف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2011, 04:17 PM   #2
موية ورد
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 375
معدل تقييم المستوى: 0
موية ورد is on a distinguished road
افتراضي

يسلمووووو بجد بس دقيقه تمتص الغضب وتتيح فرصه ثانيه
موية ورد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-10-2011, 03:23 AM   #3
جاسمين الرس
عضو مبدع
 
الصورة الرمزية جاسمين الرس
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,182
معدل تقييم المستوى: 0
جاسمين الرس is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موية ورد مشاهدة المشاركة
يسلمووووو بجد بس دقيقه تمتص الغضب وتتيح فرصه ثانيه
شكرا لك جرح نازف على هذه القصة الرائعة وفعلا لويفكر الانسان دقيقة قبل ان يقدم على اي شيئ ماصارت حالات الطلاق بهذا العدد
__________________
<يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك >
جاسمين الرس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-10-2011, 08:39 AM   #4
جرح نازف
مشرف المنتدى الأدبي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 1,560
معدل تقييم المستوى: 11
جرح نازف is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موية ورد مشاهدة المشاركة
يسلمووووو بجد بس دقيقه تمتص الغضب وتتيح فرصه ثانيه
الله يعطيك العافية

يـا موية ورد

على تشريفك ومرورك الكريم
جرح نازف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-10-2011, 08:40 AM   #5
جرح نازف
مشرف المنتدى الأدبي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 1,560
معدل تقييم المستوى: 11
جرح نازف is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جاسمين الرس مشاهدة المشاركة
شكرا لك جرح نازف على هذه القصة الرائعة وفعلا لويفكر الانسان دقيقة قبل ان يقدم على اي شيئ ماصارت حالات الطلاق بهذا العدد
الله يعطيك العافية

يـا جاسمين الرس

ومشكورة على تشريفك ومرورك الكريم
جرح نازف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-11-2011, 03:14 PM   #6
شبل الاكس بي
مشرف منتدى الأفراح والمناسبات
 
الصورة الرمزية شبل الاكس بي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,692
معدل تقييم المستوى: 0
شبل الاكس بي will become famous soon enough
افتراضي

الله يعطيك العافية
__________________
Instagran
_m7md.k@ + _m207_
Twitter
M__207
لطلب التغطيات whatsapp 0500595352
شبل الاكس بي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-2011, 10:39 AM   #7
جرح نازف
مشرف المنتدى الأدبي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 1,560
معدل تقييم المستوى: 11
جرح نازف is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شبل الاكس بي مشاهدة المشاركة
الله يعطيك العافية
الله يعافيك

يـا شبل الاكس بي

ومشكور على تشريفك ومرورك الكريم
جرح نازف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-2011, 01:35 AM   #8
ام هتونه
عضو بارز
 
الصورة الرمزية ام هتونه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: بريطانيا
المشاركات: 334
معدل تقييم المستوى: 0
ام هتونه is on a distinguished road
افتراضي

قصة رائعة وممتعة الله يعطيك العافية
__________________
صمتي ....... لا يعني رضاي ...! وصبري ...... لا يعني اهمالي ..!
وابتسامتي .. لا تعني قبولي .....! وطلبي ........ لا يعني حاجتي ...!
وغيابي ....... لا يعني غفلتي ...! وحذري ...... لا يعني خوفي ....!
وسؤالي .... لا يعني جهلي ......! وخطئي ...... لا يعني غبائي ....!
و تسامحي .... لا يعني عجزي ..! كلهاجسور .... أعبرها لأصل إلى القمه
ام هتونه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 08:57 AM   #9
جرح نازف
مشرف المنتدى الأدبي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 1,560
معدل تقييم المستوى: 11
جرح نازف is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ام هتونه مشاهدة المشاركة
قصة رائعة وممتعة الله يعطيك العافية
الله يعافيك

يـا ام هتونه

ومشكورة على تشريفك ومرورك الكريم
جرح نازف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:02 AM   #10
:العمدة الدهشاء:
Banned
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 3,732
معدل تقييم المستوى: 0
:العمدة الدهشاء: is on a distinguished road
افتراضي

قصه حلوه
الله يعطيك العافيه
:العمدة الدهشاء: غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir