عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 19-09-2006, 07:16 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
نص خطاب البابا مترجم

لقاء مع ممثلي العِلم
محاضرة الأب المقدس
القاعة الكبرى بجامعة ريغينسبورغ
الثلاثاء، 12 أيلول/سبتمبر 2006

الإيمان، العقل، و الجامعة


أصحاب النيافة، أصحاب الفخامة، أصحاب السمو،
السيدات و السادة المحترمين،

إنها لتجربة مؤثرة لي أن أعود ثانية إلى الجامعة و أن يكون لي من جديد أن ألقي محاضرة من على هذه المنصة. أعود بتفكيري إلى تلك السنوات عندما ـ بعد فترة سارة قضيتها في مدرسة فرايسينغر هوشّوليه ـ بدأت بالتدريس في جامعة بون. كان ذلك عام 1959، أيام كانت الجامعة القديمة قائمة [على جهود] أساتذة عاديين. لم يكن لأي من مناصب التدريس المتعددة أي مساعدين أو سكرتارية، لكن عوضاً عن ذلك كان هناك اتصال مباشرة مع الطلبة، و بشكل خاص فيما بين الأساتذة أنفسهم. كنا نلتقي قبل و بعد الدروس في حجرات هيئة التدريس، و كان هناك نقاش فاعل بين المؤرخين، الفلاسفة، أساتذة اللغة، و ـ بالطبع ـ فيما بين قسميْ الثيولوجيا. أقيم dies academicus ذات فصل دراسي، و فيه يظهر أساتذة من كل قسم أمام جميع طلبة الجامعة، جاعلين من تجربة الـūniversitās أمراً ممكناً – [و هو] شيء ذكرتموه أنتم أيضاً للتو، فخامة الرئيس. بعبارة أخرى، [هي] تجربة حقيقة أننا برغم تخصصاتنا التي كانت تجعل من الصعب أحياناً أن نتواصل فيما بيننا، إلا أننا نشكل جمعاً واحداً يعمل في كل شيء، مستندين إلى عقلانية واحدة بصفاتها المتعددة، و نتشارك مسؤولية الاستخدام الصحيح للعقل – إن هذه الحقيقة قد غدت تجربة معاشة. كانت الجامعة فخورة أيضاً بقسميها المختصيْن بالثيولوجيا. كان من الواضح أنه بالتساؤل حول إمكانية عقلانية الإيمان، فإنهم أيضاً ينجزون عملاً يشكل بالضرورة جزءاً من "كلّ" الـuniversitas scientiarum، حتى لو لم يكن للجميع أن يتشاركوا في الإيمان الذي يسعى الثيولوجيين إلى ربطه بالعقل ككلّ [واحد]. هذا الوعي العميق داخل كونية العقل لم يتخلخل، حتى عندما تم الإبلاغ أن زميلاً قال أن شيئاً ما غريب في جامعتنا: بها قسمان مكرسان [لدراسة] شيء غير موجود. الإله. و أنه حتى في وجه هكذا شك متطرف يظل من الضروري و العقلاني أن يتم إثارة السؤال عن الإله من خلال استخدام العقل، و أن يتم القيام بذلك في سياق تقاليد العقيدة المسيحية: كان ذلك، في إطار الجامعة ككل، مقبولاً بغير جدال.

تذكرت كل هذا مؤخراً، عندما قرأت مؤلفاً للبروفيسور ثيودور خوري (ميونشتير) لجزء من الحوار الذي عقد ـ ربما عام 1391 في الثكنات الشتوية بالقرب من أنقرة ـ بين الإمبراطور البيزنطي واسع المعرفة ’مانويل بالايولوغوس‘ الثاني و فارسي متعلم، عن موضوع المسيحية و الإسلام و [مدى] حقيقة كليهما. ربما كان الإمبراطور نفسه هو من أعد لهذا النقاش أثناء حصار القسطنطينية بين عامي 1394 و 1402؛ و هو ما من شأنه أن يوضح لمَ جاءت [نقاط] حواره بتفصيل أكبر من تلك الخاصة بمحاوره الفارسي. اتسع مجال النقاش حول بنيات الإيمان الموجودة في الكتب المقدس و [تلك الموجودة] في القرآن، و تناول بشكل خاص صورة الإله و [صورة] الإنسان، فيما يكرر العودة بالضرورة إلى العلاقة بين ـ بحسب ما أسمياه ـ "قوانين" أو "قواعد الحياة" الثلاث: العهد القديم، العهد الجديد، و القرآن. ليس في نيتي أن أناقش هذه المسألة في المحاضرة الحالية؛ فقط نقطة واحدة أود نقاشها ـ و هي هامشية للنقاش [بين الإمبراطور و محاوره الفارسي] ككل ـ وجددت أنها ـ في سياق موضوع "الإيمان و العقل" ـ مثيرة للاهتمام و يمكن أن تشكل نقطة بداية لتأملاتي حول هذا الموضوع.

في المحادثة السابعة من [المؤلف بعنوان] (داياليكسيس διάλεξις) الذي حرره البروفيسور خوري، يقارب الإمبراطور موضوع الجهاد ،الحرب المقدسة. لابد و أن الإمبراطور قد عرف أن السورة 2 [سورة البقرة]، [الآية] 256 تقول: "لا إكراه في الدين". و طبقاً للخبراء، فإن هذه واحدة من السورة التي تنتمي للحقبة المبكرة، حين كان محمد بعد مستضعفاً و مهدداً. لكن من الطبيعي أن الإمبراطور قد عرف أيضاً الإرشادات التي وردت في القرآن ـ التي تطورت لاحقاً حول الحرب المقدسة. بدون الخوض في التفاصيل، مثل الفرق في المعاملة بين أهل "الكتاب" و "المشركين"، يخاطب [الإمبراطور] محاوره بطريقة فظة صادمة ـ صادمة إلى حد مفاجئ لنا ـ عن المسألة المركزية حول العلاقة بين الدين و العنف بشكل عام، فيقول: "فقط أرني ما الجديد الذي جلبه محمد، و ستجد فيه أشياءً شريرة و لاإنسانية فقط، مثل أمره بنشر الإيمان الذي يبشر به [بحد] السيف". يتابع الإمبراطور، بعد أن عبر عن رأيه بقوة بالغة، شرحه بالتفصيل للأسباب التي تجعل من نشر الإيمان عن طريق العنف أمراً غير عقلاني. إن العنف لا يتوافق مع طبيعة الإله و [لا] طبيعة الروح؛ "فالإله"، يتابع [الإمبراطور] ـ "لا يُسترضى بالدماء – ألا تتصرف بعقلانية [هو أمر] يتناقض و طبيعة الإله. [إن] الإيمان وليد الروح، لا الجسد. [و] أياً كان من يقود شخصاً إلى الإيمان، فإنه سيحتاج إلى قدرة الكلام بشكل سليم و التفكر بشكل ملائم، من دون عنف أو تهديدات... كي يتم إقناع روح عقلانية، فإن المرء لا يحتاج إلى ذراع قوية، أو [إلى] أسلحة من أي نوع، أو [إلى] أي وسائل تهديد أخرى للشخص بالموت...".

القضية المحورية في هذا الطرح ضد التحويل العنيف [إلى الدين] هي: أن عدم التصرف باتساق مع العقل يتناقض و طبيعة الإله. يلاحظ هنا المحرر، ثيودور خوري أنه: للإمبراطور، باعتباره بيزنطياً شكلته الفلسفة الإغريقية، فإن هذه القضية مسلم بها. لكن في التعاليم الإسلامية، فإن الإله مطلق التسامي. إرادته لا ترتبط بأي من تصنيفاتنا، حتى تلك الخاصة بالعقلانية. يقتبس [ثيودور] خوري هنا من عمل [للمفكر] الإسلامي الفرنسي R. Arnaldez، الذي يوضح أن ابن حزم قد مضى [في طرحه] إلى حد قول بأن الإله لا تحده حتى كلمته، و أنه لا يوجد شيء ليجبره على كشف الحقيقة لنا. فلو كانت تلك مشيئة الإله، لكان علينا حتى أن نمارس عبادة الأصنام.

عند هذه النطقة، و بحسب الفهم للإله و بالتالي حيث يكون اهتمام الممارسة الصميمة للدين، فإننا نواجه أزمة لا يمكن تجنبها. هل الحكم بأن التصرف بغير عقلانية يتعارض و طبيعة الإله مجرد فكرة إغريقية، أم أنه دوماً حقيقة بحد ذاته؟ أعتقد بأننا نرى هنا التناغم العميق بين ما هو إغريقي بالمعنى الأفضل للكلمة، و [بين] الفهم الإنجيلي للإيمان بالإله. بتعديل الآية الأولى من سفر التكوين، أولى آيات الكتاب المقدس كله، بدأ يوحنا بمقدمة إنجيله بالكلمات: "في البدء كانت الكلمة" هذه هي الكلمة نفسها المستخدمة من قِبل الإمبراطور: الإله يعمل "سون لوغو σὺν λόγω"، بالـ’لوغوس‘. ’لوغوس‘ تعني العقل و [تعني أيضاً] و [تعني أيضاً] الكلمة - عقل إبداعي و قادر على التواصل الذاتي، بالضبط كعقل. هكذا قال يوحنا الكلمة الأخيرة عن المفهوم الإنجيلي للإله، و في هذه الكلمة تجد الخيوط المرهقة و المعذبة للعقيدة الإنجيلية نهياتها و اتحادها. في البدء كان اللوغوس، و اللوغوس هو الإله، [هكذا] يقول الإنجيلي [يوحنا]. إن المواجهة بين الرسالة الإنجيلية و الفكر الإغريقي لم يحدث بالصدف؛. رؤيا القديس بولوس، الذي رأى الطرق إلى آسيا موصدة و في حلم رأى رجلاً مقدونياً يناشده: "أن تعال إلى مقدونيا و ساعدنا!" (أعمال 16 - 6:10) - يمكن تفسير هذه الرؤيا كـ"قطر" من حاجة طبيعية [داخلية] لإعادة تواصل بين العقيدة الإنجيلية و البحث الإغريقي.

حقيقة، فإن إعادة التواصل هذه تتم منذ فترة. الاسم الغامض للإله، الذي تجلى من شجيرة محترقة، اسم يفصل هذا الإله عن كل الألوهيات الأخرى بأسمائها الكثيرة، و يصرح ببساطة "أنا أكون"، يقدم سلفاً تحدياً لمفهوم الأسطورة، الذي تقف محاولة سقراط، لقهر الأسطورة و الصعود عليها، في محاكاة قريبة [لهذا الاسم]. في العهد القديم، تصل العملية التي بدأت بالشجيرة المحترقة إلى النضج في زمن النفي، عندما تم إعلان إله إسرائيل ـ إسرائيل منزوعة الأرض و العبادة في حينها ـ إله السماء و الأرض، و وُصف بمعادلة بسيطة تتعكس الكلمات المنطوقة وقت احتراق الشجيرة: "أنا أكون". هذا الفهم الجديد للإله [جاء] مصحوباً بنوع من التنوير، و هو ما يجد تعبيراً واضحاً في سخرية الآلهة التي لا تجاوز كونها صنيعة يدي الإنسان (راجع: مزمور 115). هكذا، و رغم التصادم المرير بهؤلاء الحكام الهيللينيستيين الذين سعوا لتكييفه بالقوة و العادات و الديانة الصنمية [الخاصة] بالإغريق، واجهت العقيدة الإنجيلية ـ في الحقبة الهيللينيستية ـ أفضل الأفكار الإغريقية على مستوى عميق، منتجة إثراءً متبادلاً يظهر بشكل خاص في أدب الحكمة اللاحق. اليوم نعرف أن الترجمة اليونانية للعهد القديم التي تمت في الأسكندرية - السبعينية - هي ترجمة أكثر من بسيطة (و بنفس المنطق أقل بكثير حقاً من أن تكون كافية) للنص العبري: إنه شاهد نصي مستقل و خطوة مميزة و هامة في تاريخ الرؤيا، و هو الذي أحدث هذه المواجهة بشكل كان حاسماً لميلاد و نشر المسيحية. مواجهة عميقة للإيمان و العقل تأخذ رحاها هنا، مواجهة بين التنوير الأصيل و الدين. من كل قلب العقيدة المسيحية، و في نفس الوقت قلب الفكر الإغريقي المنضم الآن إلى الإيمان، كان لـ مانويل الثاني أن يقول: ألا تتصرف بالـ"لوغوس" [هو أمر] يتناقض و طبيعة الإله.

بكل أمانة، يجب على المرء أن يلاحظ أن لنا أن نجد ميولاً في نهاية العصور الوسطى من شأنها صدع هذا الالتحام بين الروح الإغريقية و الروح المسيحية. في تضارب و ما يسمى بالعقلانية الأوغستينية و التوماسيّة، نشأت الإرادية [على يد] Duns Scotus الذي ـ في تطوراته المتأخرة ـ قاد إلى حجة أن بإمكاننا أن نعرف فقط إرادة الله المانحة. خلف هذا هو عالم حرية الإله، بمعنى أنه كان بإمكانه أن يقوم بنقيض كل شيء قام به بالفعل. أدى ذلك إلى قيام اتجاهات تقارب بوضوح تلك الخاصة بابن حزم و ربما حتى تؤدي إلى صورة إله اعتباطي، الذي لا يلتزم بالحق أو الخير. تسامي الإله و غيريته بعيدة المبالغة لدرجة أن عقلنا، حاسة الحق وا لخير خاصتنا، لم تعد [تشكل] مرآة للإله يمكن الاعتماد عليها، الذي تظل احتمالاته العميقة بعيدة عن المتناول و مختفية خلف قراراته الفعلية. في مقابل هذا، ظل إيمان الكنسية يصر على أنه بين الإله و بيننا، بين روحه الخالقة الأبدية و عقلنا المخلوق يوجد تماثل حقيقي ، حيث - كما نص مجلس لاتيران الرابع عام 1215 - يظل اللاتشابه أعظم إلى مالانهاية من التشابه، لكن ليس إلى نقطة انعدام التماثل و لغته. إن الإله لا يغدو أكثر ألوهية عندما نبعده عنا في إرادية بحتة غير قابلة للاختراق؛ عوضاً عن ذلك، فإن الإله الألوهي[/المقدس] بحق هو الإله الذي كشف عن نفسه كـ’لوغوس‘، و كـ’لوغوس‘ فإنه قد عمل و يستمر في العمل بمحبة [ممثلاً] عنا. بالتأكيد، فإن المحبة، كما يقول القديس بولوس، "تتسامى" على المعرفة و بالتالي يمكنها أن تدرك أكثر من الفكر وحده (راجع: أفسس 3:19)؛ مع ذلك تستمر في كونا محبة الإله الذي هو الـ’لوغوس‘. بالتالي، فالعبادة المسيحية، و λατρεία" هي عبادة في تناغم بينمرة ثانية طبقاً لبولوس - "لوغيكي لاتراِيا λογικη العالم الخارجي و عقلنا (راجع: رومية 12:1).

كانت إعادة التواصل الداخلي بين العقيدة الإنجيلية و البحث الفلسفي الإغريقي مناسبة بالغة الأهمية ليس فقط من منظور تاريخ الأديان، بل من [منظور] تاريخ العالم أيضاً - إنها مناسبة تهمنا حتى اليوم. نتيجة لهذا التقارب، فإنه ليس من المستغرب أن المسيحية ـ بصرف النظر عن منشأها و بعض التطورات في الشرق ـ نالت أخيراً شخصيتها الحاسمة تاريخياً في أوروبا. يمكننا أيضاً التعبير عن ذلك بالطريقة الأخرى: هذا التقارب، مع إضافة تالية من التراث الروماني، صنع أوروبا و يظل القاعدة لما يمكن بحق دعوته بـ’أوروبا‘.

هذه الفرضية بأن التراث الإغريقية المنقى بحذر يشكل جزءاً أساسياً من العقيدة المسيحية التي واجهها نداء بنزع [الطابع] الهيلليني عن المسيحية - نداء هيمن أكثر و أكثر على النقاشات الثيولوجية منذ بدء العصر الحديث. بالنظر ملياً، يمكن ملاحظة ثلاث مراحل في برنامج نزع [الطابع] الهيلليني [عن المسيحية]: برغم تداخلها، إلا أنها منفصلة بوضوح عن بعضها البعض في بواعثها و أهدافها.

ينطلق نزع [الطابع] الهيلليني [عن المسيحية] في ارتباط مع معطيات الإصلاح في القرن السادس عشر. بالنظر إلى تراث الثيولوجيا الإسكولائية، فقد ظن الإصلاحيون أنهم يجابهون نظام إيمان مشروط بالكامل بواسطة الفلسفة، بمعنى [أنه] تركيب للإيمان استناداً إلى نظام غريب للتفكير. كنتيجة [لذلك]، لم يعد الإيمان ظاهراً ككلمة تاريخية حية، بل كعنصر في نظام فلسفي مهيمن. مفهوم الـ"Sola Scriptura" على الناحية الأخرى سعى [للوصول] إلى الإيمان في صيغته النقية الأصولية، كما وردت في الأصل في الكلمة الإنجيلية. ظهرت الميتافيزيقا كمقدمة مأخوذة عن مصدر آخر، حيث كان على الإيمان أن يتحرر من أجل أن يصبح نفسه لمرة بشكل كامل. عندما قال [إيمانويل] كانط بأنه احتاج لوضع التفكير جانباً من أجل خلق مساحة للإيمان، فإنه نقل برنامجه في راديكالية لم يكن للإصلاحيين استشرافها. هكذا قام بإرساء الإيمان حصرياً في العقل العملي، رافضاً كلياً دخوله إلى الحقيقة.

تقدمت الثيولوجيا الليبرالية في القرنين التاسع عشر و العشرين إلى مرحلة ثانية من عملية نزع [الطابع] الهيلليني [عن المسيحية]، ممثلة بـ أدولف فون هارناك. عندما كنت طالباً، و في السنوات الأولى لي في التدريس، كان هذا البرنامج مؤثراً بشكل كبير في الثيولوجيا الكاثوليكية أيضاً، متخذاً من تمييز [بلايز] باسكال بين إله الفلاسفة و إله إبراهيم، إسحق، و يعقوب نقطة للانطلاق. في محاضرتي الافتتاحية في بون عام 1959، حاولت أن أتناول الأمر، و لا أنوي أن أكرر هنا ما قلته في تلك المناسبة، لكن أود أن أصف بإيجاز على الأقل ما كان جديداً بشأن هذه المرحلة الثانية من نزع [الطابع] الهيلليني [عن المسيحية]. كانت فكرة هارناك المركزية هي بالعودة ببساطة إلى يسوع الإنسان و إلى رسالته البسيطة، تحت تراكمات الثيولوجياً و ـ بالطبع ـ التحول إلى الهيللينية؛ كانت هذه الرسالة البسيطة ترى [على أنها] خاتمة التطور الديني للبشرية. كان يقال عن يسوع بأنه قد وضع حداً للعبادة متبنياً الأخلاقية. في النهاية تم تقديمه كأب للرسالة الأخلاقية الإنسانية. بشكل أساسي، فإن هدف هارناك الرئيسي كان أن يعيد المسيحية إلى التناغم و العقل الحديث، محرراً إياها ـ لنقل ـ مما يبدو عناصر فلسفية و ثيولوجية، مثل الإيمان بألوهية المسيح و الإله الثالوثي. بهذا المعنى، أعاد تفسير العهد القديم تاريخياً-نقدياً مكان الثيولوجيا في الجامعة: الثيولوجيا، لـ هارناك، هي شيء تاريخي في الجوهر و بالتالي ذات [طبيعة] علمية صارمة. إن الشيء الذي بمقدوره أن ينتقد يسوع هو، بهذا المعنى، تعبير عن العقل العملي و بالتالي يمكنه أن يأخذ مكانه المستحق داخل الجامعة. يقبع خلف هذا التفكير [التوجه] الحديث للحد الذاتي للعقل المعبر عنه كلاسيكياً في "نقديات" كانط، لكنه تطرف في الوقت الحالي بفعل أثر العلوم الطبيعية. يستند هذا المفهوم الحديث للعقل ـ باختصار ـ إلى الجمع بين الأفلاطونية (الديكارتية) و الإمبريقية [التجريبية] - جمع تأكد بنجاح التكنولوجيا. من ناحية فإنه يفترض مسبقاً أن البنية الرياضية للأمر، عقلانيته الداخلية، التي تجعل من الممكن فهم كيف يعمل الأمر و يتم استخدامه بفعالية: إذاً فالفرضية الأساسية هي العنصر الأفلاطوني في الفهم الحديث للطبيعة. على الناحية الأخرى هناك سعة الطبيعة لاستغلالها في أغراضنا، و هنا يمكن فقط لإمكانية التحقق أو إثبات الخطأ عن طريق التجريب أن تنتج يقيناً نهائياً. يمكن للمفاضلة بين القطبين ـ بحسب الظروف ـ أن تتحول من جانب إلى الآخر. حتى مفكر إيجابي [من وزن جاك] مونود أعلن أنه مقتنع [بفكرة] الأفلاطونية/الديكارتية.

أدى هذا إلى الرفع من مبدأين هامين لهذا الموضوع الذي أثرناه. الأول [هو] أن هذا النوع من اليقين الناشئ عن فعل و رد فعل لعناصل رياضية و إمبريقية يمكن أن يُعد [أمراً] علمياً. يجب على أي شيء يدعي أنه علم أن يُقاس على معاييره. هكذا فإن العلوم الإنسانية، مثل التاريخ، علم النفس، علم الاجتماع، و الفلسفة، تحاول أن تقارب من نفسها و قاعدة ’العلمية‘ هذه. نقطة ثانية هامة لتأملاتنا، أن هذه الطريقة ـ بطبيعتها نفسها ـ تستثني سؤال الإله جاعلة إياه يبدو سؤالاً غير علمي أو قبل-علمي. نتيجة [لذلك]، فإننا نواجه تقليصاً لدائرة العلم و العقل، و هو ما يحتاج للمساءلة.

سأعود لهذه المشكلة فيما بعد. في الوقت الحالي، فإنه يجب ملاحظة أنه من هذا المنظور فإن أي محاولة للحفاظ على ادعاء الثيولوجيا بأنها "علمية" سوف تنتهي بتقليص المسيحية إلى محض شظايا من ذاتها السابقة. لكن علينا أن نقول أكثر: لو أن العلم ككل هو هذا الأمر و هذا الأمر وحده، فإن الإنسان نفسه هو من سينتهي و قد تقلص؛ فأسئلة الإنسان المتخصصة عن أصلنا و مصيرنا ـ الأسئلة التي يثيرها الدين و الأخلاق ـ لا مكان لها داخل إطار العقل الجمعي بحسب تعريف "العلم" ـ و هو المفهوم ـ و بالتالي يجب عليها أن تصنف في عالم الذاتي. الذات إذاً تقرر ـ طبقاً لخبراتها ـ ما تعتبره قابلاً للاعتناق من أمور الدين، [فيما] يصبح "الضمير" الذاتي المحكّم الوحيد لما هو أخلاقي. لكن، بهذا الشكل تفقد الأخلاق و الدين قوتها لخلق مجتمع، و تصبح أمراً شخصياً بالكامل. هذه وضعية خطرة للبشرة، كما نرى في الانحرافات المزعجة للدين و العقل التي تثور بالضرورة عندما يتم تقليص العقل إلى درجة ألا يعود به اهتمام لأسئلة الدين و الأخلاق. إن المحاولات لإنشاء أخلاق من قوانين التطور أو من علم النفس و علم الاجتماع تنتهي ببساطة [إلى نتائج] منقوصة.

قبل أن أعرض لل التي يقود لها كل هذا، يجب أن أشير بإيجاز إلى المرحلة الثالثة لنزع [الطابع] الهيلليني [عن المسيحية]، و التي هي الآن قيد العمل. في ضوء خبرتنا مع التعددية الثقافية، فإنه يتردد هذه الأيام أن الجمع بالهيللينيستية الذي تحقق في [العهد] المبكر للكنيسة كان أقلمة لم يكن عليها أن تكون ملزمة في ثقافاتنا. و يقال أن لهذه الأخيرة الحق في العودة إلى الرسالة البسيطة في العهد الجديد قبل هذه الأقلمة، من أجل أقلمتها عن بدء باستخدام بيئتهم الاجتماعية الخاصة. هذه الفرضية ليست خاطئة فحسب، بل هي فظة و تفتقد إلى الدقة. لقد كتب العهد الجديد باللغة الإغريقية، و يحمل آثار الروح الإغريقية التي كانت قد نضجت بالفعل بينما يتم إنشاء العهد القديم. صحيح [أن] هناك عناصر في تطور الكنيسة القديمة لم يتم إدراجها في كل الثقافات. مع ذلك، فإن القرارات الأساسيةالتي اتخذت حول العلاقة بين الإيمان و استخدام العقل الإنساني هي أجزاء من الإيمان نفسه؛ هي تطورات ثابة في طبيعة الإيمان نفسه.

و هنا نصل إلى نتيجتي. هذه المحاولة، مرسومة بخطوط عريضة، [لصنع] نقد للعقل الحديث من دون أن يكون لها صلة في الداخل بإرجاع الزمن إلى ما قبل [عصر] التنوير و [لا] برفض استبصارات العصر الحديث. إن السمات الإيجابية للحداثة مقبولة بدون تحفظ: نحن كلنا مدينون للاحتمالات الخلابة التي فتحتها أمام البشرية و تطور الإنسانية الذي مُنحنا إياه. أكثر من ذلك فإن الروح العلمية ـ كما قلتم بنفسكم، فخامة الرئيس ـ هي إرادة الانصياع للحقيقة، و ـ بهذا الشكل ـ تحوي مسلكاً ينتمي إلى القرارات الأساسية للروح المسيحية. النية هنا ليست النأي أو النقد السلبي، بل أن نوسع من مفهومنا للعقل و تطبيقاته. و بينما ننعم بالاحتمالات الجديدة المفتوحة أمام الإنسانية، فإننا نرى أيضاً الأخطار البازغة من هذه الاحتمالات و يجب أن نسأل أنفسنا كي يمكن أن نتغلب عليها. سوف ننجح في فعل ذلك فقط إذا اجتمع العقل و الإيمان معاً في طريقة جديدة؛ إذا تغلبنا على الحد الذاتي للعقل في [الحدود] القابلة للتحقق إمبريقياً، و إذا قمنا مرة أخرى بكشف أفقها الشاسع. بهذا المفهوم [فإن] الثيولوجيا ليست مجرد نظام تاريخي و أحد العلوم الإنسانية، بل بوضع خط تحت ’ثيولوجيا‘، كبحث في عقلانية الإيمان ينتمي بأحقية إلى الجامعة و داخل مجال الحوار المتسع للعلوم.

بهذا فقط يكون بإمكاننا [إنشاء] ذلك الحوار الأصيل بين الثقافات و الأديان المطلوب بسرعة اليوم. يُعتقد بشكل واسع في العالم الغرب أن العقل الإيجابي و صيغ الفلسفة المعتمدة عليه صحيحة كونياً. مع ذلك ترى ثقافات العالم عميقة التدين هذا الاستثناء للألوهي[/المقدس] من كونية العقل هجوماً على أعمق معتقداتهم. عقل أصمّ عن الألوهي[/المقدس] ينقل الدين إلى عالم من الثقافات الثانوية غير قابل على الدخول إلى جوار الثقافات. في نفس الوقت، و كما حاولت أن أوضح، فإن العقل العلمي الحديث بعنصره الأفلاطوني في حد ذاته يحمل بين طياته سؤالاً يشير إلى ما بعده هو نفسه و [إلى] ما بعد الميثودولوجية [=المنهجية]. على العقل العلمي المعاصر اليوم ببساطة أن يقبل البنية العقلانية للمادة و الاتساق بين روحنا و البنيات العقلانية السائدة للطبيعة كمعطى يجب تأسيس الميثودولوجية عليه. لكن السؤال لماذا يجب أن يحدث ذلك هو سؤال حقيقي، و يجب أن يُحال بواسطة العلوم الطبيعية إلى نهوج و خطط من التفكير - إلى الفلسفة و الثيولوجيا. فالفلسفة، و بشكل مختلف الثيولوجيا باستماعهما إلى الخبرات و الاستبصارات العظيمة للتراث الديني للإنسانية ـ و لهؤلاء [المنتمين] إلى العقيدة المسيحية تحديدياً ـ [يشكلان] مصدراً للمعرفة، و تجاهلهما سيكون قيد غير مقبول على سمعنا و استجابتنا. أذكر هنا شيئاً قاله سقراط إلى فايدون: [حين] أثيرت في محادثاتهما الأولى الكثير من الآراء الفلسفية الخاطئة، فيقول سقراط: "سيكون من المفهوم بسهولة لو أصبح شخص ما منزعجاً جداً لكل هذه المفاهيم الخاطئة [لدرجة] أن يحتقر كلا الكلام عن الوجود و يسخر منه طوال حياته - لكنه بهذه الطريقة سكون محرماً من حقيقة الوجود و سيعاني خسارة عظيمة". لقد كان الغرب مهدداً لفترة طويلة بالإشاحة عن هذه الأسئلة التي تشكل عقلانيته، و بالتالي له فقط أن يعاني من ضرر عظيم. إن شجاعة شحذ كل اتساع العقل، و ألا يتم إنكار عظمته، هي البرنامج الذي تدخل من خلاله ثيولوجيا مستندة إلى العقيدة الإنجيلية إلى مناظرات زمننا. "ألا تتصرف بعقلانية، ألا تتصرف بالـ’لوغوس‘، [هو أمر] يتناقض و طبيعة الإله"، قالها مانويل الثاني ـ طبقاً لفهمه المسيحي للإله ـ رداً على محاوره الفارسي. إنه لأجل هذا الـ’لوغوس‘ العظيم، لأجل هذا الاتساع للعقل، نوجه دعوتنا إلى شركائنا لحوار الثقافات. إن إعادة اكتشافه على الدوام هي المهمة العظيمة للجامعة.

ملحوظة: ينتوي الأب المقدس توفير نسخة لاحقة من هذا النص مكتملة بالحواشي. لذا وجب اعتبار هذا النص مؤقتاً.



http://pope.alamnesis.com/la.htm
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
قديم(ـة) 19-09-2006, 01:19 PM   #2
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 303
قوة التقييم: 0
الاسي is on a distinguished road
كل الشكر والتقدير لك أخي سالم

فمع متابعتي لردود الفعل تجاه كلام البابا

كنت اتمنى أنا أقرأ خطابه بنفسي لا ان يقرأه أحد لي

وأن اتخذ أنا موقفي ولا اجعل المجال للآخرين أن يفكروا بدلا عني ويتخذوا المواقف لي

اللهم انتصر لنبيك صلى الله عليه وسلم ممن ينتقصه


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
الاسي غير متصل  
قديم(ـة) 19-09-2006, 02:08 PM   #3
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
المشاركات: 552
قوة التقييم: 0
عبدالعزيزالقميع is on a distinguished road
بارك الله في عمرك وجهدك وتسلم لنا يالغالي ،،، اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ،،
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
عبدالعزيزالقميع غير متصل  
قديم(ـة) 19-09-2006, 02:22 PM   #4
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 197
قوة التقييم: 0
(أبوتركي) is on a distinguished road
بارك الله فيك ياخوي
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
(أبوتركي) غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 11:59 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19