عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن المواضيع المنقولة من الانترنت وأخبار الصحف اليومية و الوطن.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 01-11-2006, 06:21 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
الوعي يتطلب الشك

الوعي يتطلب الشك

عبدالله المطيري*
يؤكد إبراهيم البليهي باستمرار أن " العقل يحتله الأسبق إليه " بمعنى أن المعرفة الأولى التي يكتسبها الفرد يغلب أن تبقى معه دون تغيير وأن تسير حياته وفقا لها وفي ضوئها. لا يهم هنا مستوى هذه المعرفة ومدى معقوليتها وتقدمها أو تأخرها كل هذا لا يهم فهي ستقدم له على أنها المعرفة الحقة وهو سيتشربها بالتربية ويتبرمج عليها وستشكل له كيانه وأفقه ونظرته للحياة والعالم والآخرين وكافة الرؤى. هذه الفكرة تفسر القناعة التي يمتلكها كل أفراد العالم عن ثقافاتهم ومعارفهم. أقول كل هنا لأن الاستثناء بسيط جدا عدديا في مقابل هذه الأغلبية.
إشكالية المعرفة الأولى إشكالية عميقة تمتد إلى كل مجالات المعرفة البشرية، لن أتحدث عنها هنا وسأخصص لها مقالا مستقلا، ما يعنينا هنا هو علاقة الوعي بالشك انطلاقا من أن العقل يحتله الأسبق إليه ؟ بمعنى أن الوضع الطبيعي والمستقر هو أن يتربى الفرد على أن معرفته وثقافته وتاريخه هي الأفضل وأن محيطه الخاص هو أفضل محيط على الإطلاق وأن رؤيته للحياة ونمط تفكيره هما الصحيحان. كل التربيات وطرق التنشئة تقوم على هذا الأساس. يتعلق الأمر هنا أيضا بقضايا نظرة الإنسان لذاته وتقييمه لها. تقييمه لعقله ولحريته وللمعاني المشكلة لذاته. إن كان الأمر على هذا الوجه فإن مفارقة الفرد لوعيه الأول، وهو مزيف بالتأكيد لأنه تمثله دون أن يملك قدرة على الفهم والنقد والتعقل أمر ممكن الحدوث. البرمجة الأولى عمل لم يشارك الفرد فيه بل كان موقفه في صناعته سلبيا فهو متلق لا أكثر. مفارقة الوعي الأول " البرمجة " إلى وعي يخلقه الفرد لذاته انطلاقا من اختياره وإعماله لعقله وبحثه وتحريه تحتاج إلى لحظة حاسمة. ستكون نقطة فارقة بين التسليم المطلق وبين التفكر والتساؤل. بين البرمجة والتفرد، بين الاستلاب والتحقق. هذه اللحظة هي لحظة الشك. اللحظة الأعظم في مسيرة أية فكرة عظيمة.
في الغالب أن لحظة الشك هذه المتمثلة في التوقف عن الهرولة في الطريق السابق لمحاولة تبيّن معالم الطريق والاتجاه، لحظة تساؤل عن طرق أخرى يمكن أن تكون، عن اتجاهات أخرى. إنها جملة من الأسئلة التي تنتج توقفا عن السير للمراجعة والفحص والتأمل. في الغالب أن تتم عملية الشك في الجزئيات الصغيرة قبل الكليات الكبرى. وهذا يمكن فهمه من أكثر من جهة فالجزئيات هي الأقرب إلى التفكير الإنساني بحكم مباشرتها وقربها من الحس. ومن جهة أخرى فإن الشك في الكليات أو القضايا الكبيرة يقف دونه حاجز نفسي شديد الأهمية يحتاج اختراقه الكثير من المعاناة فالبرمجة تمثل للفرد في لحظة من لحظاته كيانه الخاص ولا يتخيل له وجود دونه.
لا يمكن وعي الواقع والذات دون هذه اللحظة فكما ذكرنا أن الصورة الأولى صورة مضللة بحكم طبع بشري منحاز للذات باستمرار وعاجز عن تمثل القضايا بنسبة مقبولة من الموضوعية يبدو أن العقل الجمعي لا يتقبل مثل هذه الأحكام. لحظة الشك هي لحظة مرافقة للتفكير السليم باستمرار وهي التي تحميه من خطر التسليم وتحفظه من الانجراف إلى التقليد والتبعية. لحظة الشك تعني أن كل شيء مشكل وأن كل معرفة تمتلك جزءا من الحقيقة ولا يمكن قبولها بدون تمحيص وأن هذا التمحيص يحتاج إلى إعادة نظر باستمرار ؛ فالمعرفة البشرية تزداد يوما بعد يوم ولم يعد هناك إجابة نهائية وحاسمة.
الشك الذي أتحدث عنه هنا هو ما يعرف بالشك المنهجي أي الشك الذي يقود إلى المعرفة وليس الشك الذي هو نهائي ومحبط لكل طلب للتعرف. الشك المنهجي يعني أن نعيد التفكير من خلال مناهجنا التي نملكها في كل مشكلاتنا تجاوبا مع أسئلتنا وبحثا عن إجابات نجتهد فيها قدر الإمكان على ألا نعطيها أي شكل من أشكال القدسية صحيح أننا نعمل بها ونمارس بها حياتنا ولكن لا بد أن يكون لدينا استعداد لمراجعتها والشك فيها من جديد.
وبحكم أن الوعي الحقيقي هو وعي ذاتي بالدرجة الأولى. وعي ذاتي بمعنى أنه منطلق من الذات ومتوجه لها بالدرجة الأولى. بما أن الوعي كذلك وبحكم أن المعرفة الأولى هي معرفة مفروضة على الفرد وليست نابعة من الذات وبحكم أن الشك هو اللحظة التي تفصل الفرد عن برمجته الأولى وتعيد له المهمة من جديد، بحكم هذا كله تظهر العلاقة الضرورية بين الوعي والشك. لا يوجد وعي بدون شك. وهذه الفكرة يمكن تفعيلها لنقول إننا يجب أن نشك لنحقق وعينا لنعيش به. هذه الفكرة وإن بدت مكررة إلا أنها تنقل الطرح إلى ذواتنا لتحملها مسؤوليتها وتجعلنا نواجهها بدون أي مراوغة. طبعا الحديث هنا يتوجه لمن يهمه هذا الأمر ومن يريده دون هذا الاهتمام وهذه الرغبة لا يمكن لأي فعل أن يتحقق خصوصا في قضية شديدة الدقة والاتصال بالذات كقضيتنا هذه.
حين نوجه المسؤولية في تحقيق وعينا لذواتنا فإننا نتخلص من كثير من الأوهام المتعلقة في أن هناك من هو مسؤول عن توعيتنا ونطلبها منه. التخلص من هذه الأوهام يجعلنا نختصر الطريق لنواجه مهمتنا الأساسية. وأنا أؤكد مفردة المواجهة هنا عن قصد فليس من السهل على الفرد أن يشك في معرفته التي يظن أنها تشكل هويته وذاتيته هذا بالتأكيد يسبب هزة في البداية إلا أن المكاسب المتحققة من المعرفة الجديدة وارتباطها بتجربة شخصية يجعل هذا التوازن يعود وبشكل أكثر ثباتا ورسوخا.
فكما أن عمليات الشك والمراجعة الكبرى التي تحدث في ومضات من التاريخ تهز كيان الثقافة المسيطرة وتثير فيها الكثير من الحركة إلا أنها مع تراكم المراجعات تخرج ثقافة جديدة أشد قوة وثباتا هذا ما يحدثنا عنه التاريخ فمثلا في التاريخ العربي كانت دعوة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بمثابة التدمير والفناء لمن كان يعتقد أن كيانه كان مرتبطا بالأفكار التي تبرمج عليها كما هو الحال مع آبائه وأجداده إلا أن الذي حدث أن الكيان الجديد أصبح أقوى وأكثر صلابة وقطف ثمرته الكثير من أعدائه في السابق. هذا الحدث يتكرر ولعل من أهم الأمثلة عليه الحضارة الغربية اليوم التي هي ثمرة لعصر التنوير والعقل وهو العصر الذي كان ينظر إلى رواده في بداياته على أنهم مخربون وخطر على الشعوب لكن الذي حدث العكس تماما.إذا كان هذا الأمر يحدث على مستوى الحضارات الجماعية فإن ذات الشيء يحدث على مستوى الفرد فمع أول المراجعات والتساؤلات يشعر الفرد بنوع من الاهتزاز إلا أنه كما ذكرنا يخرج من هذه التجربة أقوى بحكم اقتناعه وتحمله لمسؤولية اختياره.
وكما أنه على مستوى الحضارات هناك حرس للفكر القديم وللبرمجة الراسخة يدافعون عنها ويحاولون قمع كل من يقترب منها متسائلا ومتشككا فإن ذات الشيء يحدث مع الفرد ذاته فأفكاره الراسخة تبدي ممانعة ضد المراجعة والتساؤل متمثلة في شعور يتولد عند الذات شعور مدافع يحاول أن يوجد وباستمرار التبريرات والأعذار لما يعتقده ومن هنا يمكن أن نفهم المستوى الذي يصل إليه الفرد في رحلة الشك والمراجعة ؛ فالبعض يكتفي بمساءلة القشور والسطوح والبعض يتعمق قليلا ومنهم من يصل إلى اللب وهذا بالتأكيد هو أكثرهم جرأة وصدقا وفائدة.
من المهم هنا التأكيد أن رحلة الشك لا تستوجب رفض القديم كله واستبداله بقدر ما تستوجب فحصه ومساءلته والكشف عنه فإن كان قادرا على الصمود بقي وإن لم يقدر فلا مبرر للإبقاء عليه دون اقتناع.
كاتب سعودي
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 01:03 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19