LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-06-2007, 02:20 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي كتاب (خزانة الأدب)

مقدمة الكاتب
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله البديع الرفيع الذي أحسن ابتداء خلقنا بصنعته وأولانا جميل الصنيع فاستهلت الأصوات ببراعة توحيده وهو البصير السميع أدب نبينا محمدا فأحسن تأديبه حتى أرشدنا جزاه الله عنا خيرا إلى سلوك الأدب وأوضح لنا بديعه وغريبه
نحمده حمدا يحسن به التخلص من غزل الشهوة إلى حسن الختام ونشكره شكر من شعر ببديع صفاته فأحسن النظم وأعوذ بالله من قوم لا يشعرون بهذا النظام ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شاعر بأنه الواحد وأن سيدنا محمدا وعبده ورسوله المبعوث من بيت عربي فصاحته على الأعراب والإعراب أعظم شاهد وعلى آله وأصحابه الذين هم نظام هذا البيت الشريف ودوائر بحره وأنواع بديعة وديباج صدره وسلم تسليما كثيرا
وبعد فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه على منوال طرز البردة وكان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري سيدي محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة جمل الله الوجود بوجوده هو الذي ثقف لي هذه الصعدة وحلب لي ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة
وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى التزم فيها بتسمية النوع البديعي وورى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي تغمده الله تعالى برحمته لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل غير أن الشيخ عز الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن الله أن ترفع ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبيالأصبع وربما رضي في الغالب بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمى ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقده نظما
( فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال )
فاستخار الله مولانا الناصري المشار إليه ورسم لي بنظم قصيدة أطرز حلتها ببديع هذا الالتزام وأجاري الحلي برقة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام فصرت أشيد البيت فيرسم لي بهدمه
وخراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس ويقول بيت الصفي أصفى موردا وأنور اقتباسا
فأسن كل ما حده الفكر وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره وقد صار لي فكرة إلى الغايات سباقه
فجاءت بديعية هدمت بها ما نحته الموصلي في بيوته من الجبال وجاريت الصفي مقيدا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول العقال وسميتها تقديم أبي بكر عالما أنه لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال
وكان المشار إليه عظم الله شأنه هو الذي مشى أمامي وأشار إلى هذا السلوك وأرشد فاقتديت برأيه وهل يقتدي أبو بكر بغير محمد


في حسن الابتداء وبراعة الاستهلال
حسن الابتداء عند المتقدمين
( لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم )
اعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلة المعاني واضحة في استهلالها وأن لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة وأن يكون التشبيب بنسيبها مرقصا عند السماع وطرق السهولة متكفلة لها بالسلامة من تجشم الحزن ومطلعها مع اجتناب الحشو ليس له تعلق بما بعده
وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه بحيث لا يكون شطره الأول أجنبيا من شطره الثاني
وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال حسن الابتداء وفي هذه التسمية تنبيه على تحسين المطالع وإن أخل الناظم بهذه الشروط لم يأت بشيء من حسن الابتداء وأورد في هذا الباب قول النابغة
( كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب )
قال زكي الدين بن أبي الأصبع لعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس حيث قال
( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل )


فرأى ابتداء امرئ القيس على تقدمه وكثرة معانيه متفاوت القسمين جدا لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك
وعلى هذا التقدير مطلع النابغة أفضل من جهة ملايمة ألفاظه وتناسب قسميه وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني وما عظم ابتداء امرئ القيس في النفوس إلا الاقتصار على سماع صدر البيت فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت وإذا تأمل الناقد البيت بكماله ظهر له تفاوت القسمين
وقال أعني ابن أبي الأصبع إذا وصلت إلى قول البحتري من هذا الباب وصلت إلى غاية لا تدرك وهو قوله
( بودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق )
انتهى كلام زكي الدين بن أبي الأصبع
ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي حيث قال
( أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي )
ومثله قوله أي قول حبيب
( حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع )
وما ألطف قول أبي تمام في هذا الباب
( لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار )
ومثله قول أبي العلاء المعري
( يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر )
وقد خلب القلوب ابن المعتز في تناسب القسمين بقوله
( أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصبا عليه السلام )

وما أحلى ما ناسب ابن هانئ قسمي مطلعه بالاستعارات الفائقة حيث قال
( بسم الصباح لأعين الندماء ... وانشق جيب غلالة الظلماء )
وقال الشريف أبو جعفر البياضي يشير إلى الرفق بالإبل عند السرى وتلطف ما شاء في تناسب القسمين حيث قال
( رفقا بهن فما خلقن حديدا ... أو ما تراها أعظما وجلودا )
وهذه القصيدة طريقها الغريب لم يسلكها غيره فإنه نسجها جميعها على هذا المنوال ومنها
( يفلين ناصية الفلا بمناسم ... وسم الوجا بدمائهن البيدا )
( فكأنهن نثرن درا بالخطا ... ونظمن منه بسيرهن عقودا )
ومما يعذب في الذوق من هذا الباب قول ابن قاضي ميلة
( يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف ... ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف )
وقد نبه مشايخ البديع على يقظة الناظم في حسن الابتداء فإنه أول شيء يقرع الأسماع ويتعين على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين وتفقد ما يكرهون سماعه ويتطيرون منه ليتجنب ذكره ويختار لأوقات المدح ما يناسبها
وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو العمدة في حسن الأدب فقد حكي أن أبا النجم الشاعر دخل على هشام بن عبد الملك في مجلسه فأنشده من نظمه
( صفراء قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول )
وهشام بن عبد الملك أحول فأخرجه وأمر بحبسه
وكذلك اتفق لجرير مع أبيه عبد الملك فإنه دخل عليه وقد مدحه بقصيدة حائية أولها
( أتصحو أم فؤادك غير صاح ... )
فقال له عبد الملك بل فؤادك يا ابن الفاعلة

ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب المتنبي خطابه لممدوحه في مطلع قصيدة حيث قال
( كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا )
ومن مستقبحات الابتداء قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها
( لك الويل من ليل تقاصر آخره ... )
فقال بل لك الويل والخزي وأما قصة إسحاق ابن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند سماعها وما ذاك إلا أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان فشرع في إنشاء قصيدة نزل بمطلعها إلى الحضيض وكان هو وحكاية الحال في طرفي نقيض وهو
( يا دار غيرك البلا ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك )
فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع وأمر بهدم القصر على الفور فنعوذ بالله من آفة الغفلة هذا مع يقظة إسحاق وسير الركبان بحسن محاضرته ومنادمته للخلفاء ولكنه قد يخبو الزناد وقد يكبو الجواد مع أنه قيل إن أحسن ابتداء ابتدأ به مولد قول إسحاق الموصلي حيث قال
( هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل )
فانظر إلى هذا الأديب الحاذق المتيقظ كيف استطردت به خيول السهو إلى أن خاطب المعتصم في قصر رياحين تشييده غضة بخطاب الأطلال البالية وانظر إلى حشمة أبي نواس كيف خاطب الدمن بخطاب تود القصور العالية أن تتحلى بشعاره مع بلوغه في تناسب القسمين الطرف الأقصى حيث قال
( لمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم )
وقصة ذي الرمة مع عبد الملك تقارب قصة إسحاق مع المعتصم فإنه دخل عليه يوما فأمره بإنشاد شيء من شعره فأنشد قوله
( ما بال عينك منها الماء ينسكب )
وكان بعين عبد الملك رمش فهي تدمع أبدا فتوهم أنه خاطبه وعرض به فقال له ما سؤالك عن هذا يا ابن الفاعلة
فمقته وأمر بإخراجه



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 02:31 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
 

إحصائية العضو







افتراضي

رائع سالم
/
\
/

~¤§¦ أشكرك ¦§¤~


















التوقيع

-
-
قديم 04-06-2007, 02:59 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
شعرة معاوية
ريشة ساحرة
 

إحصائية العضو








افتراضي

جميل !! ، أعجبني تحليله للأبيات ، ما اسم مؤلفه أخي سالم ؟!

لدي كتاب يشابه نوعا ما اسمه :(جمع الجواهر في الملح والنوادر) للحصري ، وفي الصفحة الأولى منه
وردت قصته :

قصة الكتاب :

(من نوادر كتب الحصري صاحب (زهر الآداب). طبع لأول مرة في مصر بعنوان (ذيل زهر الآداب) وقد علل ناشروه هذه التسمية، بأن مؤلف (زهر الآداب) لم يذكر فيه ملحاً ونوادر، ولذلك جعل هذا الكتاب ذيلاً له، فجمع فيه هذه الملح. وهو في الأصل كتاب مستقل جمع فيه الحصري نوادر الملح، وطرائف الفكاهات، ومنازه المضحكات، وفصولاً من مختار الشعر وجيد النثر، متجنباً المجون، وما تستهجنه العادات الحسنة، والأخلاق الطيبة. وطبع بتحقيق علي محمد البجاوي سنة 1954م على إثر نشرته لزهر الآداب، معتمداً مخطوطتين من محفوظات دار الكتب المصرية، نسخت إحداهما سنة 1274هـ، والثانية بلا تاريخ. وقد لحق النسختين كثير من التحريف والتصحيف. وانظر كتاب (الحصريان) تأليف د. محمد بن سعد الشويعر (النادي الأدبي: الرياض 1399هـ)
أوردته في المرفقات ...علما ان الملف مشفر وكلمة مروره :tipsclub

وشكرا لك استاذي سالم
الملفات المرفقة
نوع الملف: rar جمع الجواهر.rar‏ (245.4 كيلوبايت, المشاهدات 40)


















التوقيع

خطٌ رفيع ..
-رجل المستحيل ، الشهرستاني ، البرق الخاطف ، صمام الأمان ، قمة الجبل ، السموأل ، .. وكل من أمامكم أو خلفكم ... قبساتكم ملتهبة ، ارفعوها كما كنتم ، فالرفعة تفيض على صاحبها نورا .... ونارا !.
- حورية بحر ، بنت الشياهين ، بنت الاسلام ، بنت الشيحية ، غربة الاسلام ، أم علي .. دروبكن عبقة بالطهر والرزان ، فأكملن الخطو !.

قديم 04-06-2007, 04:35 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

أختي شعرة معاوية


شعاع
قلم... من الماضي
د. طاهر تونسي


كان عصر المماليك بحق عصراً خصباً ثراً، ذلك لأن المماليك شجعوا العلماء واغدقوا عليهم ورفعوا من مكانتهم وأسسوا لهم دور العلم الكثيرة التي تتبعها واتقن وصفها تقي الدين المقريزي في خططه بتفصيل واسع.
وقد نشط أدباء الكتابة والإنشاء وجودوا صناعتهم وتتابعت طبقاتهم ونبه شأن بعضهم حتى عُد بين أفذاذ أعلام الأدب ومن هؤلاء نذكر قلماً رائعاً بديعاً من أقلام ماضينا العظيم. وهذا اليراع الفذ هو يراع الأديب ابن حجة الحموي.. «حجة بكسر الحاء لا فتحها، هكذا ضبطها الإمام شمس الدين السخاوي في أعيان القرن التاسع».
وقد اشتهر ابن حجة الحموي بين قراء الأدب بكتابه الشهير الذي قل أن يستغني عنه أديب من الأدباء وهو كتاب خزانة الأدب. وقد كانت البداية في مدينة حماة حيث ولد ابن حجة الحموي وحماة مدينة في شمال سورية يرجع تاريخها إلى ما قبل مولد المسيح عليه السلام بنحو ألفين وخمسمائة عام. وقد سكنها الآراميون والكنعانيون ثم حكمها الفراعنة والآشوريون إلى أن ملكها الرومان ثم العرب.
وقد ولد أديبنا تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سنة 767هـ واشتغل في مطلع حياته بعمل الحرير وعقد الازارير ثم مال إلى طلب العلم ومعاناة الأدب وقرض الزجل وعكف على الاطلاع وقراءة الكتب. يقول عنه الإمام شمس الدين السخاوي «تشعر وأنت تطالع أسفاره وبخاصة خزانة الأدب أن الرجل موسوع العقلية طوف على آفاق العلم والأدب ورحالة في مختلف أسفارها قديمها ومحدثها يجمع منها الشوارد ويقيد الأوابد ويقرب بين المتباعد ويسوي بين هذا الشتات فإذا هو خلق جديد فيه دماثة وملاحة واسجاح وسماحة».
وابن حجة الحموي محيط بآداب من سبقوه ولاسيما الشعراء والكتاب والنقاد والبلغاء وهو واسع الإحاطة بأدب القاضي الفاضل صفي الدين الحلي وابن نباتة وبآداب معاصريه.
ولقد تأثر أدبه وذوقه بأدب هؤلاء الفحول وبدا ذلك واضحاً من مناهج أسلوبه في الشعر والكتابة.
وقد ترك حماة قبل عام 790هـ إلى دمشق فمدح قاضيها ابن جماعة ثم دخل القاهرة وعاد إلى بلاده ويبدو أنه لبث بمصر شهوراً. وفي سنة 791هـ ترك القاهرة إلى دمشق فأدركها محاصرة من قبل الملك الظاهر برقوق واشتعل بها حريق كبير سجله ابن حجة الحموي في رسالة له إلى صديقه فخر الدين بن مكافي.
ثم سافر إلى مصر ثانية ولبث بها بين عامي 802هـ قصيدة في التشوق إلى حماة. وقد كان ابن حجة في حلب سنة 807هـ اماما لكافلها الأمير علان ثم اختفى في فتنة قامت هناك.
وقد زار الخليفة العباسي المستعين بالله دمشق سنة 813هـ فمثل أمامه ابن حجة الحموي وأنشأ في ذلك رسالة طويلة مسهبة موجودة بخطه الآن بدار الكتب المصرية.
واستمر ابن حجة في رحلاته وتصانيفه حتى أدركه الأجل في بلده الأثير حماة ودفن بها في تربة الجسر وبنيت على قبره قبة بقيت جدرانها إلى نهاية القرن الثالث عشر فأقام بعض الناس حجارة على لحده وحفر عليها أن هذا قبر الغزالي أي صاحب كتاب احياء علوم الدين، والعامة يزورونه باسم الغزالي ويجهلون أنه قبر ابن حجة الحموي وأما الغزالي فقد دفن في مدينة طوس.
وقد تعددت جوانب ابن حجة فهو مؤلف وناقد وكاتب وشاعر ومؤلفاته كثيرة منها دواوين شعره وفي رأي صاحب هذه السطور أن أعظم كتبه وابقاها أثراً هو كتابه «خزانة الأدب» وقد بدأت فكرته بأن نظم ابن حجة الحموي قصيدة بديعية في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمن كل بيت نوعاً بديعياً مع الإشارة إلى اسم هذا النوع في البيت نفسه. ثم قام في خزانته بشرح بديعيته ومنهجه في الكتاب أنه يعرض للنوع البديعي فيعرفه تعريفاً بلاغياً ثم يسوق أمثلة على النوع وتطبيقه ويسجل بيت بديعيته وما يقابله في غيرها.
وقد أكثر من الأمثلة الشعرية في بعض الأبواب حتى تحولت إلى دواوين من بابها وفي الكتاب شواهد من شعر شعراء مصر والشام وبخاصة شعراء العصر المملوكي والشعراء المعاصرين للمؤلف أضف إلى ذلك الشواهد من شعر أبي حجة الحموي نفسه فأصبح كتابه سجلاً حافلاً بنصوص أدبه قد لا تظفر بهما في سواه.
وله كتاب «ثمرات الأوراق» وقد نقله من عدة مراجع مثل درة الغواص للحريري صاحب المقامات والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ووفيات الأعيان لابن خلكان وسرح العيون لابن نباتة.
ولابن حجة الحموي آراء نقدية منها رأيه في ضرورة الاهتمام باستهلال الكلام وذلك اهتماما منه باجتذاب القارىء إلى النص يقول في ذلك.. «اعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلة المعاني واضحة في استهلالها وان لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة.. وأن يكون التشبيب بنسيبها مرقص عن السماع وطرق السهولة متكلفة لها بالسلامة من تجشم الحزن. ومطلعها مع تجنب الحشو ليس له تعلق بما بعده. وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه بحيث لا يكون شطره الأول أجنبياً من شطره الثاني وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال... حسن الابتداء».
وله كتاب «كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام» وله كتاب «تأهيل الغريب» وكتاب «قهوة الإنشاء» وكتاب «جنى الجنتين». وله ديوان شعر وشعره يغلب عليه التكلف ولكنه رصين السبك والصياغة ومن شعره الذي تظهر فيه طريقته قوله:




قد مال غصن النقا عن صبه هيفا
يا ليته بنسيم العتب لوعطفا
غصن غدا مخلفا.. لكن لعاشقه
ولم نجد عنه في بان النقا خلفا
ما لاح خاطف برق من ثنيته
إلا غدا منه لون البرق مختطفا
شريف حسن ومخضر العذار له
علامة وبهذا تعرف الشرفا






تحياتي



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

آخر تعديل سالم الصقيه يوم 04-06-2007 في 04:47 PM.
قديم 04-06-2007, 05:00 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

حسن الابتداء عند المحدثين
انتهى ما أوردته في حسن الابتداء للعرب والمولدين وفحول الشعراء ونبهت على حسنه وقبيحه ولكن جذبتني يا أخا العرب نسبة المتأخرين إلى أن أثبت في هذا المحل تشبيبها ونسيبها وأظهر في شرح هذه البديعية الآهلة بديعها وغريبها ليعلم من تنزه في هذه الحدائق الزاهرة إن ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد وأن لكل زمان بديعا تمتع بلذة الجديد وهنا بحث لطيف وهو أن الاستشهاد بكلام المولدين وغيرهم من المتأخرين ليس فيه نقص لأن البديع أحد علوم الأدب الستة وذلك أنك إذا نظرت في الكلام العربي إما أن تبحث عن المعنى الذي وضع له اللفظ وهو علم اللغة وإما أن تبحث عن ذات اللفظ بحسب ما يعتريه وهو علم التصريف وإما أن تبحث عن المعنى الذي يفهم من الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلم وهو علم العربية وإما أن تبحث عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال بحسب الوضع اللغوي وهو علم المعاني وإما أن تبحث عن طرق دلالة الكلام إيضاحا وخفاء بحسب الدلالة العقلية وهو علم البيان وإما أن تبحث عن وجوه تحسين الكلام وهو علم البديع
فالعلوم الثلاثة الأول يستشهد عليها بكلام العرب نظما ونثرا لأن المعتبر فيها ضبط ألفاظهم والعلوم الثلاثة الأخيرة يستشهد عليها بكلام العرب وغيرهم لأنها راجعة إلى المعاني ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم إذا كان الرجوع إلى العقل
وقال أبو الفتح عثمان بن جني المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ
قال ابن رشيق في العمدة الذي ذكره أبو الفتح صحيح بين لأن المعاني اتسعت باتساع الناس في الدنيا وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض فإنهم حضروا الحواضر وتفننوا في المطاعم والملابس وعرفوا بالعيان ما دلتهم عليه بداهة عقولهم من فضل التشبيه ونحوه ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائما لامه وقال له لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه فقال له أنشدني شيئا من قوله أعجز عن مثله فأنشده في صفة الهلال
فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر )
فقال له ابن الرومي زدني فأنشده
( كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه )
( مداهن من ذهب ... فيها بقايا غالية )



فقال واغوثاه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ذاك إنما يصف ماعون بيته لأنه ابن الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به أمدح هذا مرة وأهجو هذا كرة وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا
انتهى كلام ابن رشيق
ورأيت الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمه الله تعالى قد استشهد في شرح البردة الذي سماه بالرقم بغالب أهل عصره في ما عرض له من أنواع البديع حتى أورد لهم شيئا من محاسن الزجل
رجع إلى ما كنا فيه من حسن الابتداء وتناسب القسمين وإيراد ما وعدنا به من كلام المتأخرين
قال قاضي هذه الصناعة وفاضلها والمتأخر الذي لم يتقدم عليه بغير الزمان أوائلها
( زار الصباح فكيف حالك يا دجى ... قم فاستذم بفرعه أو فالنجا )
أنظر إلى حسن هذا الابتداء كيف جمع مع اجتناب الحشو بين رقة النسيب وطرب التشبيب وتناسب القسمين وغرابة المعنى
ومثله قوله يخاطب العاذل
( أخرج حديثك من سمعي فما دخلا ... لا ترم بالقول سهما ربما قتلا )
وما ألطف ما قال بعده
( وما يخف على قلبي حديثك لي ... لا والذي خلق الإنسان والجبلا )
ومثله قوله
( سمعتك والقلب لم يسمع ... فكم ذا تقول وكم لا أعي )
وما ألطف ما قال بعده
( يقول وما عنده أنني ... بغير فؤاد ولا أضلع )
( أما مع هذا الفتى قلبه ... فقلت نعم يا فتى ما معي )
وأما مطلع قصيدة ابن النبيه فإن الأذواق السليمة تنتبه به إلى فتح هذا الباب وهو
( يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت ... نزحتم فهي بعد الباب ما نزحت )


والقصيدة كلها تحف وطرف وعارضها ابن نباتة فما حلا معها مكرر نباته وأجرى الصفي معها ينابيع فكره فما صفا له معها مورد وجاراها الصفدي فتصفدت سوابق قوافيه عن لحاقها ومنها
( وروضة وجنات الورد قد خجلت ... فيها ضحى وعيون النرجس انفتحت )
( تشاجر الطير في أفنانها سحرا ... ومالت القضب للتعنيق فاصطلحت )
( والقطر قد رش نوب الدوح حين رأى ... مجامر الزهر في أذياله نفحت )
ومما يحسن نظامه في هذا السلك قوله
( رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا ... فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى )
ومما اختاره الشيخ جمال الدين بن نباته رحمه الله من ديوان أبي الفتوح نصر الله ابن قلاقس وهو حسن في هذا الباب قوله
( كم مقلة للشقيق الغض رمداء ... إنسانها سابح في بحر أنداء )
وقوله
( قفا واسألا مني زفيرا وأدمعا ... أكانا لهم إلا مصيفا ومربعا )
وهو من الغايات التي اختارها الشيخ جمال الدين بن نباتة من شعر ابن قلاقس فإنه قال طالعت ديوان الأديب البارع أبي الفتوح نصر الله بن قلاقس فطالعت الفن الغريب وفتح علي بتأمل ألفاظه فتلوت ( نصر من الله وفتح قريب )
بيد أني وجدت له حسنات تبهر العقول فضلا وسيئات يكاد بذكرها ابن قلاقس يقلي
انتهى كلام الشيخ جمال الدين بن نباتة
ومما وقع في تناسب القسمين إلى الغاية قول الشيخ ظهير الدين بن البارزي رحمه الله وهو


( يذكرني وجدي الحمام إذا غنى ... لأنا كلانا في الهوى يعشق الغصنا )
ذكر الصلاح الكتبي في كتابه فوات الوفيات أن الشيخ أثير الدين أبا حيان قال رأيت الشيخ المذكور صوفيا بحماة المحروسة وأنشدني لنفسه هذه القصيدة وعدة مقاطيع منها
( أراك فأستحيي فأطرق هيبة ... وأخفي الذي بي من هواك وأكتم )
( وهيهات أن يخفى وأنت جعلتني ... جميعي لسانا في الهوى يتكلم )
وتوفي بعد الثمانين والستمائة وأما مطلع الشيخ شمس الدين بن العفيف في هذا الباب فظرافته لا تنكر لأنه كان ينعت بالشاب الظريف قال في شطره الأول
( أعز الله أنصار العيون ... )
وفي الثاني
( وخلد ملك هاتيك الجفون ... )
وما أظرف ما قال بعده
( وضاعف بالفتور لها اقتدارا ... وجدد نعمة الحسن المصون )
وما أحسن ابتداءات الشيخ عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة فجميعها نسجت على هذا المنوال منها قوله
( حروف غرامي كلها حرف إغراء ... على أن سقمي بعض أفعال أسماء )
وقوله
( ويلاه من نومي المشرد ... أواه من شملي المبدد )
وقوله
( أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للإغفاء أهلا )
وما أحلى ما قال بعده
( لكنه وافي وقد ... حلف السهاد علي أن لا )
وقد توارد هو وابن عنين في هذا المعنى وكل كساه ديباجة تأخذ بمجامع القلوب ومطلع ابن عنين قوله
( ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى )

وقوله مهيار الديلمي في هذا الباب مشهور والذي أقوله إن الشيخ جمال الدين ابن نباتة نبات هذا البستان وقلادة هذا العقيان ومن مطالعه التي هي أبهج من مطالع الشمس قوله في هذا الباب
( في الريق سكر وفي الأصداغ تجعيد ... هذا المدام وهاتيك العناقيد )
وقوله
( بدا ورنت لواحظه دلالا ... فما أبهى الغزالة والغزالا )
وقوله
( سلبت عقلي بأحداق وأقداح ... يا ساجي الطرف بل يا ساقي الراح )
وما ألطف ما قال بعده
( سكران من مقلة الساقي وقهوته ... فاترك ملامك في السكرين يا صاح )
وقوله
( إنسان عيني بتعجيل السهاد بلي ... عمري لقد خلق الإنسان من عجل )
وقوله
( قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء )
وقوله
( نفس عن الحب ما حادث وما غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت )
وقد تقدم شروط لا بد من اجتنابها في حسن الابتداء منها الحشو ولكن وقاك الله حشو اللوزينج
وقوله
( لام العذار أطالت فيك تسهيدي ... كأنها لغرامي لام توكيد )
ولولا الإطالة لأفعمت الأذواق من هذا السكر النباني
ورأيت للشيخ صفي الدين الحلي في الأرتقيات قصيدة قافية مطلعها في هذا الباب غاية وهو قوله
( قفي ودعينا قبل وشك التفرق ... فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي )
وأنشدني من لفظه الشيخ عز الدين الموصلي قصيدة نونية نظمها بحماة ومطلعها في حسن الابتداء حسن
( سمعنا حمام الدوح في روضة غنا ... فأذكرنا ربع الحبائب والمغنى )
ولقد سهوت عن مطلع الشيخ علاء الدين علي بن المظفر الكندي الشهير بالوداعي فإنه ليس له في تناسب القسمين قسيم وهو
( بدر إذا ما بدا محياه ... أقول ربي وربك الله )

وعارضه الشيخ جمال الدين ابن نباته في هذه القصيدة بعينها وترقى إلى مطلع بدره وزاحمه في حسنه فمطلع الشيخ جمال الدين
( له إذا غازلتك عيناه ... سهام لحظ أجارك الله )
ومن مطالعي التي حصل لي فيها الفتوح في هذا الباب قولي
( طلعتم بدورا في أعز المطالع ... فبشرني قلبي بسعد طوالعي )
وقولي
( إغراء لحظك ما لي منه تحذير ... ولا لتعريف وجدي فيك تنكير )
وقولي
( في عروض الجفا بحور دموعي ... ما أفادت قلبي سوى التقطيع )
وقولي
( لله قوم لنظم الوصل قد نثروا ... شعرت في حبهم يا ليتهم شعروا )
وقولي
( جردت سيف اللحظ عند تهددي ... يا قاتلي فسلبتني بمنجرد )
وقولي
( هواي بسفح القاسمية والجسر ... إذا هب ذاك الريح فهو الهوى العذري )
وكأني بمنتقد تألم قلبه على المتقدمين بكثرة النقد ومالت نفسه إلي مع المتأخرين ليستوفي الشروط الأدبية في مباشرة هذا العقد
وقولي
( قد مال غصن النقا عن صبه هيفا ... يا ليته بنسيم العتب لو عطفا )
فأقول وبالله المستعان إن جماعة من المخاديم بدمشق رسموا أن أعارض شيئا من نظم الشيخ جمال الدين بن نباته وتخيروا لي خمس قصائد منها قصيدته الكافية التي مطلعها
( تصرمت الأيام دون وصالك ... فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك )
فلما انتهيت إلى معارضتها وجدت بين الشطر الثاني من المطلع وبين الشطر الأول مباينة كما تقدم في مطلع امرئ القيس من الكلام على أن في شطره الأول ما ليس في الثاني
وقد اتفق علماء البديع على أن عدم تناسب القسمين نقص في حسن الابتداء وقد تقدم قول زكي الدين بن أبي الأصبع إن مطلع النابغة أفضل من مطلع امرئ القيس لتناسب القسمين وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني
انتهى ولو قال الشيخ جمال الدين في مطلعه

( تمذهبت في هجري بطول مطالك ... فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك )
لجمع بين تناسب القسمين
ومطلعي الذي عارضت به الشيخ جمال الدين
( رضيع الهوى يشكو فطام وصالك ... فداوي بني الحب يا ابنة مالك )
وكذلك من مطلع الشيخ صفي الدين الحلي في قصيدته الجيمية التي هي من جملة القصائد الأرتقيات التي امتدح بها الملك المنصور صاحب ماردين
( جاءت لتنظر ما أبقت من المهج ... فعطرت سائر الأرجاء بالأرج )
فالشطر الثاني ليس من جنس الشطر الأول فإن الشطر الأول في الطريق الغرامية ليس له مثيل ومن أنكر هذا النقد ينتظر في مطلع الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدس الله سره فإنه في هذا الباب طرفة وهو
( ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرج )
وهنا نكتة لطيفة تؤيد هذا النقد
اتفق أن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي الأديب المشهور الذي من نظمه قوله
( وا طول شوقي إلى ثغور ... ملأى من الشهد الرحيق )
( عنها أخذت الذي تراه ... يعذب من شعري الرقيق )
لما ورد إلى هذه البلاد اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير وتطفل على موائد طريقته الغرامية وسأله الإرشاد إلى سلوكها فقال له طالع ديوان الحاجري والتلعفري وأكثر المطالعة فيهما وراجعني بعد ذلك فغاب عنه مدة وأكثر من مطالعة الديوانين إلى أن حفظ غالبهما ثم اجتمع به بعد ذلك وتذاكرا في الغراميات فأنشده الصاحب بهاء الدين زهير في غضون المحاضرة يا بان وادي الأجرع وقال أشتهي أن يكمل لي هذا المطلع فافتكر قليلا وقال سقيت غيث الأدمع فقال والله حسن لكن الأقرب إلى الطريق الغرامي أن تقول هل ملت من طرب معي وما ألطف مطلع الحاجري في هذا الطريق

( لك أن تشوقني إلى الأوطان ... وعلي أن أبكي بدمع قان )
والآراء على هذا النوع تستحسن هنا مطلع ناصر الدين بن النقيب فإنه أعدل شاهد مقبول والتشبيب بنفسه الطيب يغني في هذه الحضرة عن الموصول وهو
( قلدت يوم البين جيد مودعي ... دررا نظمت عقودها من أدمعي )
وبالنسبة إلى حسن الابتداءات مطلع الشيخ برهان الدين القيراطي مع حسنه وبهجته فيه نقص وهو
( قسما بروضة خدها ونباتها ... وبآسها المخضل في جنباتها )
فإنه لم يأت بجواب القسم ولا ما يحسن السكوت على مطلعه ولا تتم الفائدة إلا به
ومشايخ البديع قرروا أن لا يكون المطلع متعلقا بما بعده في حسن الابتداء
وقد آن أن أحبس عنان القلم فإن الشرح قد طال ولم أطله إلا ليزداد الطالب إيضاحا ويداوي علل فهمه بحكم المتقدمين ويتنزه في رياض الأدب على النبات الغض من نظم المتأخرين
براعة الاستهلال في النظم
انتهى ما أوردته في حسن الابتداء وقد فرع المتأخرون منه براعة الاستهلال في النظم والنثر وفيها زيادة على حسن الابتداء فإنهم شرطوا في براعة الاستهلال أن يكون مطلع القصيدة دالا على ما بنيت عليه مشعرا بغرض الناظم من غير تصريح بل بإشارة لطيفة تعذب حلاوتها في الذوق السليم ويستدل بها على قصده من عتب أو عذر أو تنصل أو تهنئة أو مدح أو هجو وكذلك في النثر فإذا جمع الناظم بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال كان من فرسان هذا الميدان وإن لم يحصل له براعة الاستهلال فليجتهد في سلوك ما يقوله في حسن الابتداء
وما سمي هذا النوع براعة الاستهلال إلا لأن المتكلم يفهم غرضه من كلامه عند ابتداء رفع صوته به ورفع الصوت في اللغة هو الاستهلال يقال استهل المولود صارخا إذا رفع صوته عند الولادة
وأهل الحجيج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته
ومما وقع من براعات الاستهلال التي

تشعر بغرض الناظم وقصده في قصيده براعة قصيدة الفقيه نجم الدين عمارة اليمني حيث قال
( إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب )
فإشارات العتب والشكوى لا تخفى على أهل الذوق في هذه البراعة ويفهم منها أن بقية القصيدة تعرب عن ذلك فإن زكي الدين بن أبي الإصبع قال براعة الاستهلال هي ابتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله وهذه القصيدة في حكمها وتحشمها وتسيير أمثالها نهاية والموجب لنظمها على هذا النمط أنه كان بينه وبين الكامل بن شارر صحبة أكيدة قبل وزارة أبيه فلما وزر استحال عليه فكتب إليه هذه القصيدة التي من جملتها
( ولا تحتقر كيدا صغيرا فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب )
ومنها
( إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب )
( فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب )
ومنها
( وما راعني غدر الشباب لأنني ... ألفت لهذا الخلق من كل صاحب )
ومنها
( إذا كان هذا الدر معدنه فمي ... فصونوه عن تقبيل راحة واهب )
( رأيت رجالا حالهم في مآدب ... لديكم وحالي عندكم في نوادب )
( تأخرت لما قدمتكم علاكم ... علي وتأبى الأسد سبق الثعالب )
( ترى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهن أكرم خاطب )
( ليالي أتلو ذكركم في مجالس ... حديث الورى فيها بغمز الحواجب )
ومن ألطف البراعات وأحشمها براعة مهيار الديلمي فإنه بلغه أنه وشي به إلى ممدوحه فتنصل من ذلك بألطف عذر وأبرزه في معرض التغزل والنسيب فقال
( أما وهواها حلفة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليك فامحلا )
وما أحلى ما قال بعده
( سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا )



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 05:12 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

واذكرني مهيار بحسن براعته ما كتبت به إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين ملك المتأدبين أبي الحسن علي بن الآدمي الحنفي الناظر في الحكم العزيز بالديار المصرية والممالك الإسلامية جمل الله الوجود بوجوده من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية بدمشق المحروسة ورياحين الشبيبة غضة وكانت مطالعاتي قد تأخرت عن أبوابه العالية لعارض حجب الفكر عن هذا الفن وهي رسالة مشتملة على نظم ونثر فصدرت الجواب بقصيدة ترفل في حلل النسيب على طريق مهيار وكلها براعة استهلال أولها
( وصلت ولكن بعد طول تشوقي ... ودنت وقد رقت لقلبي الشيق )
وما أحلى ما قلت بعده
( فثملت من طرب برجع حديثها ... فكأنما قد نادمت بمعتق )
وجميعها على هذا الطريق البديعي ومثله
إن المقر المخدومي الأميني الحمصي لما انتقل من توقيع حمص المحروسة إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق قصد نقلتي من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية وحب حماه يفتر العزم عن ذلك وهذا يفهم من قولي في بعض قصائدي فيها
( يلذ عناق الفقر لي بفنائها ... وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط )
ولكنه قطع أسئلته العالية بعد أن كانت كؤوس الإنشاء دائرة بيننا فكتبت إليه بقصيدة تشعر بعتب لطيف وبلابل الغزل تغرد في أفنانها على طريقة مهيار الديلمي وطريق مولانا قاضي القضاة صدر الدين عظم الله تعالى شأنه وبراعة استهلالها
( من بأسياف هجرهم كلمونا ... ما عليهم لو أنهم كلمونا )
ولم أعرب في نحو هذه القصيدة عن غير هذه الإشارات اللطيفة
ومنها
( غلقوا باب وصلهم فتح الله ... لهم بالهناء فتحا مبينا )
( وصلوا هجرنا وعيش هواهم ... لم نحل عنهم ولو قطعونا )
( ملكوا رقنا فصرنا عبيدا ... ليتهم بعد رقنا كاتبونا )

ولم أزل أغازل عيون هذه المعاني إلى المخلص فقلت
( حبكم فرضنا وسيف جفاكم ... قد غدا في بعادنا مسنونا )
( والحشا لم يخن عهود وفاكم ... فاسألوا من غدا عليها أمينا )
ومما يشعر بالتهنئة والنصر على الأعداء براعة العلامة لسان الدين بن الخطيب وهي
( الحق يعلو والأباطل تسفل ... والحق عن أحكامه لا يسأل )
فإنه قال نظمت للسلطان أسعده الله وأنا بمدينة سلا لما انفصل طالبا حقه بالأندلس قصيدة كان صنع الله مطابقا لاستهلالها ووجهت بها إلى رندة قبل الفتح ثم لما قدمت أنشدتها بين يديه بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها الفتح الغريب في الفتح القريب منها
( فإذا استحالت حالة وتبدلت ... فالله تعالى لا يتبدل )
( واليسر بعد العسر موعود به ... والصبر بالفرج القريب موكل )
( والمستعد بما يؤمل ظافر ... وكفاك شاهد قيدوا وتوكلوا )
ومنها
( محمد والحمد منك سجية ... بحليها بين الورى يتجمل )
( أما سعودك فهو دون منازع ... عقد بأحكام القضاء يسجل )
( ولك السجايا الغر والشيم التي ... بغريبها يتمثل المتمثل )
( ولك الوقار إذا نزلت على الربا ... وهفت من الروع الهضاب المثل )
ومنها
( عوذ كمالك ما استطعت فإنه ... قد تنقص الأشياء مما تكمل )
( تاب الزمان إليك مما قد جنى ... والله يأمر بالمتاب ويقبل )
( إن كان ماض من زمانك قد مضى ... بإساءة قد سرك المستقبل )
( هذا بذاك فشفع الثاني الذي ... أرضاك فيما قد جناه الأول )
( والله قد ولاك أمر عباده ... لما ارتضاك ولاية لا تعزل )

( وإذا تغمدك الإله بنصره ... وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل )
ومنها
( وظعنت عن أوطان ملكك راكبا ... متن العباب فأي صبر يجمل )
( والبحر قد خفقت عليك ضلوعه ... والريح تبتلع الزفير وترسل )
( ولك الجواري المنشآت قد اغتدت ... تختال في برد الشباب وترفل )
( خرقاء يحملها ومن حملت به ... من يعلم الأنثى وماذا تحمل )
( صبحتهم غرر الجياد كأنما ... سد الثنية عارض متهلل )
( من كل منجرد أغر محجل ... يرمي الجياد به أغر محجل )
( زجل الجناح إذا أجد لغاية ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل )
( جيد كما التفت الظليم وفوقه ... أذن ممشقة وطرف أكحل )
ومنها
( وخليج هند راق حسن صفائه ... حتى يكاد به يقوم الصيقل )
( غرقت بصفحته النمال وأوشكت ... تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل )
( فالصرح منه ممرد والصفح منه ... مورد والشط منه مهدل )
( وبكل أزرق إن شكت ألحاظه ... مره العيون فبالعجاجة يكحل )
( متأود أعطافه في نشوة ... مما يعل من الدماء وينهل )
( عجبا له إن النجيع بطرفه ... رمد ولا يخفى عليه مقتل )
( لله موقفك الذي وثباته ... وثباته مثل به يتمثل )
( والخيل خط والمجال صحيفة ... والسمر تنقط والصوارم تشكل )
( والبيض قد كسرت حروف جفونها ... وعوامل الأسل المثقف تعمل )

وهي طويلة وجميعها فرائد ولم أكثر منها إلا لعلمي أن نظم الوزير لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى غريب في هذه البلاد
ومن البراعات التي يفهم من إشاراتها أنها تهنئة بمولود قول أبي بكر بن الخازن رحمه الله تعالى
( بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا )
ومما يشعر بقرينة الذوق أن الناظم يريد الرثاء قول التهامي
( حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار )
وهذه القصيدة يرثي بها ولده وهي نسيج وحدها وواسطة عقدها
ومنها
( ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار )
( جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأقذار )
( وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار )
( فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار )
وما أعلم أن أحدا استهل للمراثي بأحسن من هذه البراعات ومنها يشير إلى ولده وهو من المعاني المستغربة
( جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري )
وأما قصيدة الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى في تهنئة السلطان الملك الأفضل بسلطنة حماة وتعزيته بوفاة والده الملك المؤيد سقى الله ثراه فإنها من عجائب الدهر فإنه جمع فيها بين نقيضي المدح والرثاء في كل بيت وبراعتها
( هناء محاذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما )
( ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما )
( يرد مجاري الدمع والبشر واضح ... كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى )

سبحان المانح والله من لا يتعلم الأدب من هنا فهو من المحجوبين عن إدراكه
وكتب إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي قصيدة ضمن فيها إعجاز معلقة امرئ القيس وصرح في براعتها بغليظ العتب ولم يأت في البراعة بإشارة لطيفة يفهم منها القصد بل صرح وقال
( أفي كل يوم منك عتب يسوءني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل )
فأجابه الشيخ جمال الدين بقصيدة ضمن فيها الأعجاز المذكورة وبراعة استهلالها
( فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا ... أفاطم مهلا بعض هذا التدلل )
والإشارة بقوله أفاطم مهلا بعض هذا التدلل لا يخفى على حذاق الأدب ما مراده منها وفي هذا القدر كفاية وما أحلى ما قال بعده وهو مما قصده في تلك الإشارة
( فدونك عتب اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل )
وهنا بحث وهو إني وقفت على بديعية الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر الأندلسي الشهيرة ببديعية العميان فوجدته قد صرح في براعتها بمدح النبي وهي
( بطيبة إنزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانشر طيب الكلم )
فهذه البراعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده بل أطلق التصريح ونثر المدح ونشر طيب الكلم فإن قال قائل إنها براعة استهلال قلت إن البديعية لا بد لها من براعة وحسن مخلص وحسن ختام فإذا كان مطلع القصيدة مبنيا على تصريح المدح لم يبق لحسن التخلص محل ولا موضع ونظم هذه القصيدة سافل بالنسبة إلى طريق الجماعة غير أن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبا جعفر الأندلسي شرحها شرحا مفيدا
وهنا فائدة وهو أن الغزل الذي يصدر به المديح النبوي يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ويتضاءل ويتشبب مطربا بذكر سلع ورامة وسفح العقيق والعذيب



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 05:15 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

والغوير ولعلع وأكناف حاجر ويطرح ذكر محاسن المرد والتغزل في ثقل الردف ودقة الخصر وبياض الساق وحمرة الخد وخضرة العذار وما أشبه ذلك وقل من يسلك هذا الطريق من أهل الأدب وبراعة الشيخ صفي الدين الحلي في هذا الباب من أحسن البراعات وأحشمها وهي
( إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... وأقر السلام على عرب بذي سلم )
فقد شبب بذكر سلع والسؤال عن جيبرة العلم والسلام على عرب بذي سلم ولا يشكل على من عنده أدنى ذوق أن هذه البراعة صدرت لمديح نبوي ومطلع البردة أيضا في هذا الباب من أحسن البراعات أيضا وهو
( أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم )
فمزج دمعه بدمه عند تذكر جيران بذي سلم من ألطف الإشارات إلى أن القصيدة نبوية وما أحلى ما قال بعده
( أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من أضم )
وحشمة الشيخ جمال الدين بن نباتة في براعة قصيدته الرائية النبوية يتعلم الأديب منها سلوك الأدب وهي
( صحا القلب لولا نسمة تتخطر ... ولمعة برق بالفضا تتسعر )
وما أحشم قوله بعده
( وذكر جبين المالكية أن بدا ... هلال الدجى والشيء بالشيء يذكر )
( سقى الله أكناف الفضا سائل الحيا ... وإن كنت أسقى أدمعا تتحدر )

وأما قصيدتي النبوية الموسومة بأمان الخائف فإنها عزيب هذا البارق وحلبة مجرى هذه السوابق لأنني لم أخرج في تغزلها عن التباري والتشبيب بذكر المنازل المعهودة وبراعتها
( شدت بكم العشاق لما ترنموا ... فغنوا وقد طاب المقام وزمزم )
وقلت بعده
( وضاع شذاكم بين سلع وحاجر ... فكان دليل الظاعنين إليكم )
( وجزتم بواد الجزع فاخضر والتوى ... على خده بالنبت صدع منمم )
( ولما روى أخبار نشر ثغوركم ... أراك الحمى جاء الهوى يتنسم )
وما أليقه أن يكون صدرا للمدائح النبوية ومنها
( فيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي فيه خيموا )
( رفعتم قبابا نصب عيني ونحوها ... تجر ذيول الشوق والقلب يجزم )
( ويا من أماتونا اشتياقا وصيروا ... مدامعنا غسلا لنا وتيمموا )
( منعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا )
( يقولون لي في الحي أين قبابهم ... ومن هم من السادات قلت هم هم )
( عريب لهم طرفي خباء مطنب ... بدمعي وقلبي نارهم حين تضرم )
ومن ألطف الإشارات إلى أن هذا التغزل صدر قصيدة نبوية قولي منها
( أوري بذكر البان والزند والنقا ... وسفح اللوى والجزع والقصد أنتم )
ولم أزل في براعة الاستهلال أستهل أهلة هذه المعاني إلى أن وصلت إلى حسن التخلص فقلت

( تقنعت في حبي لهم فتعصبوا ... علي وهم سادات من قد تلثموا )
( لهم حسب عاني ببطحاء مكة ... لأن رسول الله في الأصل منهم )
ومن الأغزال التي لا تليق أن يكون غزلها لمديح قصيد نبوي قصيد السري الرفاء فإنه مدح بها الفاطميين وجدهم وجرح القلوب بندبة الحسين عليه السلام فإنه قال منها
( مهلا فما نقلوا آثار والده ... وإنما نقضوا في قتله الدينا )
وهذه القصيدة مشتملة على مدح النبي وآل بيته وندبة الحسين بن علي عليهما السلام فما ينبغي أن تكون براعتها
( نطوي الليالي علما أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واسقينا )
ما أحق هذه البراعة ليعدها من المديح بقول القائل
( تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضى يا بعد ما أتمناه )
وما كفاه حتى قال بعد ذلك
( وتوجي بكؤوس الراح راحتنا ... فإنما خلقت للراح أيدينا )
( قامت تهز قواما ناعما سرقت ... شمائل البان من أعطافه اللينا )
( تدير خمرا تلقاها المزاج لها ... ألقيت فوق جنى الورد نسرينا )
( فلست أدري أتسقينا وقد نفحت ... روائح المسك منها أم تحيينا )
( وقد ملكنا زمان العيش صافية ... لو فاتنا الملك راحت عنه تسلينا )
أقول غفر الله له هذا الغزل فيه إساءة أدب على مماديحه فإنه شبب بوصف القيان وبذكر الخمر وبينه وبين المديح مباينة عظيمة
رجع إلى البراعات البارعة التي تشعر أنها صدر المديح النبوي بالإشارات اللطيفة منها براعة الشيخ برهان الدين القيراطي وهي قوله
( ذكر الملتقى على الصفراء ... فبكاه بدمعة حمراء )

وأما براعة بديعيتي فإنها ببركة ممدوحها نور هذه المطالع وقبلة هذا الكلام الجامع فإني جمعت فيها بين براعة الاستهلال وحسن الابتداء بالشرط المقرر لكل منهما وأبرزت تسمية نوعها البديعي في أحسن قوالب التورية وشنفت بأقراط غزلها الأسماع مع حشمة الألفاظ وعذوبتها وعدم تجافي جنوبها عن مضاجع الرقة وبديعية صفي الدين غزلها لا ينكر غير أنه لم يلتزم فيها تسمية النوع البديعي مورى به من جنس الغزل ولو التزمه لتجافت عليه تلك الرقة
وأما الشيخ عز الدين الموصلي فإنه لما التزم ذلك نحت من الجبال بيوتا وقد أشرت إلى ذلك في الخطبة بقولي وهي البديعية التي هدمت بها ما نحته الموصلي في بيوته من الجبال وجاريت الصفي مقيدا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول العقال وسميتها تقديم أبي بكر عالما أنه لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال
ومن أحسن إشارات براعتي التي تشعر أنها صدر مديح نبوي تشبيبي بعرب ذي سلم وخطابي لهم بأن لي في مدائحهم براعة تستهل الدمع وكأنني وعدتهم بشيء لا بد من القيام به وهذا حسبما أراده ابن أبي الأصبع بقوله براعة الاستهلال هي ابتداء الناظم بمعنى ما يريد تكميله
براعة الاستهلال في النثر
انتهى ما أوردته هنا من البراعات البارعة نظما وأما براعات النثر فإنها مثلها إن لم تكن براعة الخطبة أو الرسالة أو صدر الكتاب المصنف دالة على غرض المنشىء وإلا فليست ببراعة استهلال
وقد رأيت غالب البديعيين قد اكتفوا عند استشهادهم على براعة الاستهلال في النثر بقول الصاحب عمرو بن مسعدة كاتب المأمون فإنه امتحن أن يكتب للخليفة يخبره أن بقرة ولدت عجلا وجهه كوجه الإنسان فكتب الحمد لله الذي خلق الأنام في بطون الأنعام
ورأيت الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته قد ألقى عند الاستشهاد بها عصا التسيار واحتجبت عنه في هذا الأفق الشموس والأقمار أين هو من علو مقام القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وقد كتب عن السلطان الملك الظاهر إلى الأمير سنقر الفارقاني جوابا عن مطالعته بفتح سوس من بلاد السودان واستهل بقوله ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة )
الله

أكبر إن من البلاغة لسحرا والله ما أظن هذا الاتفاق الغريب اتفق لناثر ولإهلال كاتب المأمون في هذا الاستهلال بزاهر وهذا المثال الشريف ليس له مثال منه صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي تثني على عزائمه التي دلت على كل أمر رشيد وأتت على كل جبار عنيد وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء ( وما ربك بظلام للعبيد )
وبراعة الشيخ جمال الدين بن عبد الرزاق الأصفهاني في رسالة القوس تجاري براعة القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في هذه الحلبة وتساويها في علو هذه الرتبة فإنه أتى فيها بالعجائب وأصاب غرض البلاغة بسهم صائب واستهلها بعد البسملة بقوله تعالى ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فاتبع سببا ) منها شيطان تطلع شمس النصرة من بين قرنيه مارد لا يصلح إلا بتعريك أذنيه صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم
وأما براعة الشيخ جمال الدين بن نباتة في خطبة كتابه المسمى بخبز الشعير فإنها خاص الخاص ولا بد من مقدمة تكون هي النتيجة الموجبة لتسمية هذا الكتاب بخبز الشعير فإنه مأكول مذموم وما ذاك إلا إنه كان يخترع المعنى الذي لم يسبق إليه ويسكنه بيتا من أبياته العامرة بالمحاسن فيأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي بلفظه ولا يغير فيه غير البحر وربما عام به في بحر طويل يفتقر إلى كثرة الحشو واستعمال ما لا يلائم فلم يسع الشيخ جمال الدين إلا أنه جمعه من نظمه ونظم الشيخ صلاح الدين واستهل خطبته بقوله تعالى ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) ورتب كتابه المذكور على قوله قلت أنا فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين قلت
( ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك )
( قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكي )



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 05:20 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( غار على سرح الكرى عندما رمى الكراكي ... غزال للبدور يحاكي )
( فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراكي )
ومن ذلك قال الشيخ جمال الدين قلت
( أسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب )
( صرعت طيرا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب )
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال من البحر نفسه
( قلت له والطير من فوقه ... يصرعه بالبندق الصائب )
( سكنت في قلبي فحركته ... فقال لم أخرج عن الواجب )
قال الشيخ جمال الدين قلت
( وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه )
( شغف العذار بخده ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه )
فأخذه الصلاح وقال
( وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى ... تميل حمامات الأراك إليه )
( له عارض لما رأى الطرف ناعسا ... أتى خده سرا فدب عليه )
وأحسن ما وقع في هذا الباب للشيخ جمال الدين أنه قال
( بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... ملي الحسن خالي الوجنتين )
( له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين )
فأخذه الصلاح وقال
( بروحي خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبة )
( كأن الحسن يعشقه قديما ... فنقطه بدينار وحبه )

فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين قال لا إله إلا الله الشيخ صلاح الدين سرق كما يقال من الحبتين حبة
قال الشيخ جمال الدين قلت
( يا غادرا بي ولم أغدر بصحبته ... وكان مني محل السمع والبصر )
( قد كنت من قلبك القاسي أخال جفا ... فجاء ما خلته نقشا على حجر )
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( ما زلت أشكو حين وفر لي الضنا ... فسما وأسلمني إلى البلوى وفر )
( حتى توفر من شكاية لوعتي ... لي قلبه فرأيت نقشا في حجر )
قال الشيخ جمال الدين قلت
( يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال قاتلتي ألذ وأزين )
( فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن )
فأخذه صلاح الدين مع البحر بل أخذ الكل مع القافية وقال
( بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين )
( كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن )
ومن ذلك قال الشيخ جمال الدين وأجاد إلى الغاية
( فديتك أيها الرامي بقوس ... ولحظ يا ضنى قلبي عليه )
( لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه )
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( تشرط من أحب فذبت وجدا ... فقال وقد رأى جزعي عليه )
( عقيق دمي جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه )
وما أظن الشيخ صلاح الدين غفر الله له لما سمع ما قاله الشيخ جمال الدين ونظم بعده هذين البيتين كان في حيز الاعتدال وأين انجذاب القوس إلى الحاجب من

انجذاب الدم إلى الخد وليته في براعة استهلاله بقول الله تعالى ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) قال بعدها اللهم ومن دخل بيتي كافرا بفوائدي المنعمة وبيت شعري سارقا من ألفاظه ومعانيه المحكمة فأخجله في سره وعلانيته وعاقبه على قوله ونيته
ومنها بلغني أن بعض أدباء عصرنا ممن منحته ودي وأنفقت على ذهنه الطالب ما عندي وأقمته وهو لا يدري الوزن مقام من زكاة نقدي وأودعته ذخائر فكري فأنفقها وأعرته أوراقي العتيقة فلا والله ما ردها ولا أعتقها بل إنه غير الثناء بالهجاء والولاء بالجفاء ونسبني إلى سرقة بيوت الأشعار مع الغناء عنها والغنى فتغاضيت وقلت هماز مشاء بنميم وغصة صديق أتجرعها ولو كانت من حميم وأخليت من حديثه باب فمي ومجلس صدري وصرفت ذكره عن فكري
ولكن وقفت له على تصانيف وضعها في علم الأدب والعلم عند الله تعالى ووشحها بشعره وشعري المغصوب المنهوب يقول يا صاحبي ألا لا
وما يتوضح من جيد تلك الأشعار لمعة إلا ومن لفظي مشكاتها ولا تتضوع زهرة إلا ومني في الحقيقة نباتها فضحكت والله من ذهنه الذاهل وذكرت على زعمه قول القائل
( وفتى يقول الشعر إلا أنه ... فيما علمنا يسرق المسروقا )
وعجب له كيف رضي لنفسه هذا الأمر منكرا وكيف حلا لذوقه اللطيف هذا الحرام مكررا وقد أوردت الآن في هذا الكتاب قدرا كافيا ووزنا من الشعر وافيا وسميته خبز الشعير المأكول المذموم وعرضته على معدلة مولانا ليعلم أينا مع خليله مظلوم
ولولا الإطالة لأوردت جميع أبيات الشيخ جمال الدين التي دخلها الشيخ صلاح الدين بغير طريق ليرتدع القاصر عن التطاول إلى معاني الغير
ومن البراعات التي يستهل بها في هذا الأفق الذي مرآة سمائه صقيلة براعة المقر المخدومي القضائي الفخري عبد الرحمن بن مكانس مالك أزمة البلاغة وملك المتأخرين نظما ونثرا في رسالة كتبها إلى المقر المرحومي القضائي الزيني أبي بكر

ابن العجمي عين كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة وبقية الفضلاء الذين فضلوا بالطريق الفاضلية بسبب عبد الله القيرواني الضرير
فإني نقلت من خط المشار إليه ما صورته ورد علينا شخص من القيروان ضرير يتعاطى نظم الشعر المقفى الموزون الخالي من المعاني فتردد إلي في مجالس متفرقة ثم بلغني بعد ذلك أنه وشى إلى صاحبي الشيخ زين الدين بن العجمي بأني اهتضمت من جانبه وانتقصته وغضضت منه بالنسبة إلىالأدب وأنه يستعين بكلام الغير كثيرا فتأذى بسبب ذلك وتأذيت من كذب الناقل فكتبت إليه رقعة براعة استهلالها ( ليس على الأعمى حرج )
أقول إنه يستغنى بهذه البراعة عن الرسالة
منها وبلغ المملوك أنه رماه بعض الأصحاب برمية مثل هذه فأصمى وتردد إليه مرة أخرى ف ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى )
ولقد خسرت صفقته إذ المملوك ما برح مخلصا لمولانا في ولائه ومبايعا له على سلطنة البلاغة وأجل من تشرف بحمل لوائه
ومولانا بحمد الله أولى من استفتى قلبه واستدل على صفاء صدق محبته بشواهد المحبة والمسؤول من صدقاته أمران أحدهما الجواب فإن يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة والآخر رد كل فاسق عن هذا الباب العالي فإن أبا بكر أولى من يصلب في الردة
انتهى كلام القاضي فخر الدين
ولقد كشف الشيخ جمال الدين بن نباتة عن هذا الوجه القناع وأظهر من بهجته في رسالة السيف والقلم ما ليس لمطالع البدور عليه اطلاع فإن الرسالة مبنية على المفاخرة بينهما ولما انتصب القلم لمفاخرة السيف كانت براعته ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) واستهل بعدها بقوله الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم
وبراعة استهلال السيف قوله تعالى ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) واستهل بعده بقوله الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف وما أظن أن أحدا من المتقدمين نسج على هذا المنوال ولا نفث في عقد أقلامهم مثل هذا السحر الحلال
وممن طلع من العصريين في هذا الأفق الساطع فأبدر ورقي ببلاغته أعواد هذا المنبر القاضي ناصر الدين بن البارزي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية فإنه اتفق له بحماة محنة كان لطف الله تعالى متكفلا له بالسلامة منها ولم يضرم نارها إلا من غذي بلبان نعمته قديما وحديثا فالحمد لله الذي أسعف الإسلام والمسلمين بنجاته وأمتع العلم الشريف والرياسة بطول حياته ولما هاجر من حماة المحروسة إلى دمشق المحروسة كان إذ ذاك مولانا السلطان الملك المؤيد كافلها ففوض إليه خطابة الجامع الأموي فلم يبق أحد من أعيان دمشق حتى حضر في تلك الجمعة لأجل سماع الخطبة فكانت براعة خطبته الحمد لله الذي أيد محمدا بهجرته ونقله من أحب البقاع إليه لما اختاره من تأييده ورفعته فعلت بالجامع الأموي أصوات ترنم حركت أعواد المنبر طربا وكاد النسر أن يصفق لها بجناحيه عجبا
وما ألطف براعة الشيخ العلامة نور الدين أبي الثناء محمود الشافعي الناظر في الحكم العزيز بحماة المحروسة والشهير بخطيب الدهشة بحماة المحروسة في كتاب أدعيته المسمى بدواء المصاب في الدعاء المجاب وهي الحمد لله سامع الدعاء ودافع البلاء
وفيها البناء والتأسيس فإنه أشار بسامع الدعاء إلى الدعاء المجاب وبدافع البلاء إلى دواء المصاب
وأما براعة خطيب الخطباء أبي يحيى عبد الرحيم بن نباتة الفارقي فإنها شغلت أفكاري مدة ولم يسعني غير السكوت والإحجام عنها فإنه استهلها في خطبة وفاة النبي بقوله الحمد لله المنتقم ممن خالفه المهلك من آسفه
ولقد اعتذر عنها جماعة من أكابر العلماء
وأورد الشيخ سري الدين بن هانئ في شرحه الذي كتبه على ديوان الخطب على هذه البراعة عذرا لأبي البقاء أرجو أن تهب عليه نسمات القبول
وما أحشم ما استهل الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي في خطبة وفاة النبي الحمد لله الذي استأثر بالبقاء وحق له أن يستأثر وحكم بالفناء على سكان هذا الفناء فأذعنوا لحكمه القاهر
وأما خطبة الشيخ صفي الدين في صدر شرح بديعيته فإن استهلالها نير ولكن فيه نظر وبعض مباينة عما نحن فيه فإنه قال الحمد لله الذي حلل لنا سحر البيان



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 05:26 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

وكتابه مبني على البديع
ولهذا استهليت خطبة شرح بديعيتي بقولي الحمد لله البديع الرفيع
ولما جمعت ديواني استهليت خطبتي بقولي الحمد لله الذي لا يحصر مجموع فضله ديوان
وكان قد رسم لي أن أنشىء صداقا للملك الناصر وأنا إذ ذاك بدمشق وقد حل ركابه الشريف بها على بنت المرحوم الشريف السيفي كشبغا الظاهر الحموي فاستهليت بقولي الحمد لله الذي أيد السنة الشريفة بقوة وناصر
وتمثلت بعد هذا التاريخ بالمواقف الشريفة الإمامية الخليفية المستعينية العباسية زاد الله شرفها تعظيما فبرزت إلي أوامرها المطاعة أن أنشىء عهدا بكفالة السلطنة بالبلاد الهندية للسلطان العادل مظفر شاه شمس الدنيا والدين صاحب دهلي والفتوحات الهندية فاستهليت براعته بقولي الحمد لله الذي وثق عهد النجاح للمستعين به
وقلت بعد الاستهلال وثبت أوتاده ليفوز من تمسك من غير فاصلة بسببه وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظا فأفرغ على أطراف الأرض حلل الخلافة الشريفة وعلم أن في خلفها الزاهر زهرة الحياة الدنيا فقال عز من قائل ( إني جاعل في الأرض خليفة ) واختارها من بيت براعة استهلاله من أول بيت وضع للناس وسبقت إرادته وله الحمد ان تكون هذه النهاية الشريفة من سقاية بني العباس وذلك في العشر الأواخر من رمضان سنة ثلاث عشرة وثمانمائة
ومما أنشأته في الديار المصرية وقد استقريت منشىء ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية تقليد مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي عظم الله شأنه بصحابة ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية بتاريخ شوال سنة خمس عشرة وثمانمائة واستهليته بقولي الحمد لله الذي أودع محمدا سره وقلت بعد الاستهلال وجعله ناصر دينه فحل به عقد الشرك وشد أزره وأرسله لينشئ مصالح الأمة فهذبنا بترسلاته والله أعلم حيث يجعل رسالاته وبين ديوان الإنشاء الشريف بصاحب من بيت ظهر التمييز بكتابته وأيد الإسلام والمسلمين بملك مؤيد تمسك بمحمد وصحابته
وأنشأت بعد هذا التاريخ توقيعا لرئيس الطب بالديار المصرية فكانت براعته الحمد لله الحكيم اللطيف
وبراعة الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم في غاية الحسن

فإنه استهلها بقوله الحمد لله الذي شرح صدر من تأدب
والكتاب مبني على شيء من علم الأدب
وأما البراعات التي يحلو تقبيلها بوجنات الطروس فمنها براعة الشيخ جمال الدين ابن نباتة من رسالة كتبها إلى القاضي علاء الدين الحسني واستهلها بقوله يقبل الأرض العلية على السحاب نسبا
وقال بعد الاستهلال الموفية على حصباء الأنجم حسبا
هذا الأدب إن أطنبت في وصفه فهو فوق الوصف
وكتب إليه الشيخ برهان الدين القيراطي من القاهرة المحروسة إلى دمشق المحروسة رسالة بليغة واستهلها بقوله يقبل الأرض التي سقت السماء نباتها
وقال بعد البراعة وحرس الله ذاتها وعمر معاني الحسن أبياتها
ومن أظرف ما وقع من البراعات المتوشحة برداء التبكيت براعة القاضي فخر الدين عبد الوهاب كاتب الدرج فإنه كان له صديق منهم يعبده فكتب إليه رسالة يداعبه فيها واستهلها بقوله يقبل اليد الشهابية كثر الله عبيدها
وقال بعد البراعة وضاعف خدمها وأضعف حسودها
وقد خطر لي أن أوردها بكمالها لوجازتها وغرابة أسلوبها فإنه قال بعد يقبل الأرض الخ وينهي بعد ولاء يمتد ودعاء يستد وثناء كأنه عنبر أو كافور راوند إن مولانا توجه والأعضاء خلفه سائره وكل عين لغيبته ساهره ولا يخفى عليه شوق العليل إلى الشفاء والظمآن إلى صيب الماء والغريب إلى بلده والمحصور إلى سعة مسلكه ومقعده فمولانا يطوي هذه الشقة ويقصر هذه المدة ويدع أحد غلمانه يسد مسده فالمملوك قلق لسماع أخبار التشويش في البلاد وتطرق أهل الجرائم والفساد فمولانا يرسم لغلمانه أن يشمروا في خدمته ذيلا ويسهروا عليه بالنوبة لمن يطرق ليلا والله المسؤول أن تكون هذه السفرة معجلة ويخص فيها بالتبرك مخرجه ومدخله ويبلغه من فضله مزيدا ويجعل يومه عليه مباركا وليله عليه سعيدا
وكتب المقر المخدومي فضل الله بن مكانس مجد الأدب الذي ظهر من بيته

فجره ورضيع لبانه الذي ما سقانا منه ذرة إلا قلنا لله دره إلى والده المقر المرحومي الفخري من القاهرة إلى حلب وهو صحبة الركاب الشريف الظاهري يشكو إليه رمدا حصل له بعده وكان مبدأ الرسالة قوله
( ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل )
وقال بعد الاستهلال لا استهلت لمولانا دموع ولا جفا جفنه مدى الليالي هجوع
منها يطالع العلوم الكريمة بما قاساه طرف المملوك من الرمد وما حصل عليه من الكمد
( إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهي )
( بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها )
فلو رآه وقد أخذت عيناه من العناصر الثلاثة بنصيب وعوضها الهواء عن التراب بمضاعفة الماء واللهيب لرأى من نارها ما يفحم القلوب ومن دمعها ما هو البلاء المصبوب واستمر انهمالها حتى أنشدها المتوجع قارنها الدمع فبئس القرين
وطالت مدة رمده حتى لقد أتى على الإنسان حين وتزايد خوف المملوك على مقلتيه وشحه بكريمتيه ففصد في الذراعين وكاد أن يصير لولا أن من الله تعالى عليه أثرا بعد عين
وكتب إلى المقر المخدومي المشار إليه سيدنا الإمام العلامة الذي صلت جماعة أهل العصر خلف إمامته وملك قياد البلاغة ببراعته وعبارته بدر الدين رحلة الطالبين أبو عبد الله محمد بن الدماميني المخزومي المالكي جوابا عن حل لغز في ورد أرسله إليه فاستهله بقوله يقبل الأرض وينهي ورود الجواب الذي شفى الصدور وروده وقال بعد الاستهلال واللغز الذي نسي بوروده منه بان الحمى وزروده منه فاستحلى المملوك منه بالتحريف ورده وود لو اقتطف من أغصان حروفه ورده فرده ذل التقصير عاريا عن ملابس عزه وأنشد قول ابن قلاقس وهو يقلى بنار عجزه
( إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشميم )

فظهر من طريق سعده نصره وعلم أن هذا الورد لا يحسن من غير تلك الحضرة وأن هذه الفاكهة لا تخرجها إلا أغصان أقلام لها بيدي الراحة المخدومية بهجة ونضرة
ومنه وتمشى نظر المملوك من هذا اللغز في بساتين الوزير على الحديقة فرأى كل وردة وأخت الوجنات الحمر فتحير أوردة هي أم شقيقة وعلمت أن الفكر القاصر لا يجاري من بديهته من بحار الفضل رويه وأن الخاطر الذي هو على ضعف من رعايا الأدب لا يقوى على سلطان هذا اللغز لأن شوكته قوية
منه وتمتعت من ورده الوارد بالمشموم ثم تذكرت البعد عن جناب المخدوم فاستقطر البين ماء الورد من حدقي
وكتبت إليه من القاهرة المحروسة في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة عند دخولي إليها في البحر هاربا من طرابلس الشام وقد عضت علي أنياب الحرب بثغرها رسالة مشتملة على حكاية الحال وريت في براعتها بمصنفين له أحدهما الفواكه البدرية الذي جمعه من ثمار أدبه والثاني نزول الغيث الذي نكت فيه على الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم للشيخ صلاح الدين الصفدي واستهليتها بقولي يقبل الأرض التي سقى دوحها بنزول الغيث وأثمر بالفواكة البدرية
وقلت بعد الاستهلال وطلع بدر كمالها من الغرب فسلمنا لمعجزاته المحمدية وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد وأنشد لا فض الله فاه وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد
( لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام )
فأكرم به من مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام ومدينة علم تشرفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام ومجلس حكم ما ثبت لمدعي الباطل به حجة وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة صرت على الحقيقة ابن حجة وأفق معان بالغ في سمو بدر فلم يقنع بما دون النجوم وميدان عربية يجول فيه فرسان العربية من بني مخزوم ومنها أورى بدخوله إلى دمشق ومطارحته للجماعة وتالله ما لفرسان الشقر أو البلق في هذا الميدان مجال وإذا عرفوا ما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح كفى الله المؤمنين القتال وينهي بعد أدعية ما برح المملوك منتصبا لرفعها وتعريدا ثنية ما

لسجع المطوق في الأوراق النباتية مثل سجعها وأشواقا برحت بالمملوك ولكن تمسك في مصر بالآثار
( وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار )
وهذه الرسالة لكونها نظمت في طويل البحر ومديده يفتقر إلى سرد غالبها لتعلقها بحكاية الحال وينهي وصول المملوك إلى مصر مخيما بكنانتها وهو بسهم البين مصاب مذعور لما عاينه من المصارع عند مقاتل الفرسان في منازل الأحباب مكلما من ثغر طرابلس الشام بألسنة الرماح محمولا على جناح غراب وقد حكم عليه البين أن لا يبرح سفره على جناح
( وكان في البين ما كفاني ... فكيف بالبين والغراب )
منها يا مولانا وأبثك ما لاقيت من أهوال البحر وأحدث عنه ولا حرج فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف تقطع منه القلب لما دخل إلى دوائر تلك اللجج وشاهدت منه سلطانا جائرا يأخذ كل سفينة غصبا ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبى فتحققت أن رأي من جاء يسعى في الفلك غير صائب واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب وزاد الظمأ بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله وكم قلت من شدة الظمأ يا ترى قبل الحفرة أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة
( وهل أباكر بحر النيل منشرحا ... وأشرب الحلو من أكواب ملاح )
بحر تلاطمت علينا أمواجه حتى متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب وقامت واوات دوائره مقام مع فنصبنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب وقارن العبد فيه سوداء استرقت مواليها وهي جارية وغشيهم منها في اليم ما غشيهم فهل أتاك حديث الغاشية واقعها الريح فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاض وانشق قلبها لفقد رجالها وجرى ما جرى على ذلك القلب ففاض وتوشحت بالسواد في هذا المأتم وسارت على البحر وهي مثل وكم سمع فيها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل برج



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه

قديم 04-06-2007, 05:30 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
 

إحصائية العضو








افتراضي

مائي ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عد من المصبرين في التابوت تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأن بياضها سواد وتمشي مع الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود وتتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء وكم تطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين وتتصابى إذا هبت الصبا وهي ابنة مائة وثمانين وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال وتدعي براءة الذمة وكم أغرقت لهم من أموال هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج وكم وجلت القلوب لما صار الأهداب مجاذيفها علىمقلة البحر اختلاج وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد ولقد رأيتها بعد ذلك التعاظم وقد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد
وأما البراعة التي لخطبة كتابي المسمى بمجرئ السوابق في وصف الخيول المسومة فإنها أحرزت قصبات السبق وهي الحمد لله الذي يقف عند سابق فضله كل جواد ويقصر في حلبة هذا الكرم الذي ليس له غاية في بديع الاستطراد فمن ألهمه الحزم وأرشده إلى حد المعرفة حاز قصبات السبق ولا نقول كاد نحمده على أن جعل لنا الخير معقودا بنواصي الخيل ونشكره شكرا نعلو به على أشهب الصبح ونمتطي أدهم الليل ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو أن نكون منها في ميادين الرحمة من السابقين ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله قائد العز المحجلين
وقد آن أن نقطع طول هذا البحث برسالة السكين فإن استهلالها يسن ما كل

من الذوق ويبرزه من قراب الشك إلى القطع باليقين وما ذاك إلا أنه لما انفرد كمال الدين عبد الرزاق الأصفهاني برسالة القوس واستوفى جميع المحاسن وجاء الشيخ جمال الدين بن نباتة برسالة السيف والقلم وأظهر فيها معجزات الأدب أردت أن أعززهما من اختراع رسالة السكين بثالث واستهليتها بقولي يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها وقطعت عنا مكروه الفاقة بمسنون عزائمها
منها وينهى وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفا وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفا وتالله ما غابت إلا وبلغ الأقلام من تقشيرها إلى الحفى
منها ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب وذل بعدما خضعت له الرؤوس والرقاب كم أيقظت طرف القلم بعدما خط وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط وكم وجد الصاحب بها في المضايق نفعا وحكم بحسن صحبتها قطعا من أجل أنها تدخل في مضايق ليس للسيف قط فيها مدخل وكلما تفعله توجزه والرمح في تعقيده مطول تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس وكم لها من عجائب تركت السيف في بحر عمدة كالغريق ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل التطريق
انتهى ما أوردته من براعة الاستهلال نثرا ونظما ومن لم ير بهجة ما أبرزته للمتأخرين فهو في هذه أعمى

الجناس
ذكر الجناس المركب والمطلق
( بالله سر بي فسربي طلقوا وطني ... وركبوا في ضلوعي مطلق السقم )
أما الجناس فإنه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب وكذلك كثرة اشتقاق الألفاظ فإن كلا منهما يؤدي إلى العقادة والتقييد عن إطلاق عنان لبلاغة في مضمار المعاني المبتكرة كقول القائل وأستحيي أن أقول إنه أبو الطيب
( فقلقت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل ) ولقد تصفحت ديوانه فلم أجد لوافد هذا النوع نزولا إلا ما قل في أبياته وهو نادر جدا ولا العرب من قبله خيمت بأبياتها عليه غير أن هذا البيت حكمت على أبي الطيب به المقادير ومثله قول القائل
( وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر )
فقرب وقبر لأجل الجناس المقلوب هو الذي قلب عليه القلوب اللهم إلا أن يقع الجناس في حشو بيت من البحور التي تحمل ثقله من غير اعتناء بأمره كقول القائل
( لله لبنى كلما لبنا على ... تعنيقها ونهودها تتقاعد )
( وبنار أسما وهي أسمى رتبة ... لقد احترقت وريقها يتبارد )

ففي طلعة شمس التورية هنا ما يغني عن النظر إلى زحل الجناس ولقد أحسن من قال
( أنظر إلى صور الألفاظ واحدة ... وإنما بالمعاني تعشق الصور )
والجناس من صور الألفاظ وممن وافق على ذلك علامة عصره الشهاب محمود وقال إنما يحسن الجناس إذا قل وأنى في الكلام عفوا من غير كد ولا استكراه ولا بعد ولا ميل إلى جانب الركة ولا يكون كقول الأعشي
( وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول )
ولا كقول مسلم بن الوليد
( شلت وشلت ثم شل شليلها ... فإني شليل شليلها مشلولا )
ولا بأس به في مطالع القصائد إن تعذر على الناظم أن يركبه تورية فإنه نوع متوسط بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع كما قرره مشايخه كالتورية والاستخدام والاستعارة والتشبيه وما قارب ذلك من أنواع البديل
وحكي عن ابن جني أن الأصمعي كان يدفع قول العامة إذا قالوا هذا يجانس هذا إذا كان من شكله ويقول ليس بعربي خالص
وقال ابن رشيق صاحب العمدة هو من أنواع الفراغ
وقلة الفائدة ومما لا يشك في تكلفه
وقد كثر منه هؤلاء الساقة المتعقبون في نظمهم ونثرهم حتى برد ورك انتهى كلامه
ولم يحتج إليه بكثرة استعماله إلا من قصرت همته عن اختراع المعاني التي هي كالنجوم الزاهرة في أفق الألفاظ وإذا خلت بيوت الألفاظ من سكان المعاني تنزلت منزلة الأطلال البالية وما أحلى قول الفاضل هنا
( إنما الدار قبل بالسكان ... ثم بعد السكان بالجيران )
( فإذا ما الأرواح شردها الحتف ... فماذا يراد بالأبدان )
وكان الشيخ صلاح الدين الصفدي يستسمن ورمه ويظنه شحما فيشبع أفكاره منه ويملأ بطون دفاتره ويأتي فيه بتراكيب تخف عندها جلاميد الصخور كقوله غفر الله له

( ونم في أمان بالحبيب ولا تخف ... لقائط واش في لقاء طواشي )
وقوله
( وكم ساق في الظلماء والليل شاهد ... رواحل واط في رواح لواط )
وقوله
( وإني إذا كان الفراق معاندي ... مطالع ناء في مطال عناء )
وقوله في الراح
( وكم ألبست نفسي الفتى بعد نورها ... مدارع قار في مدار عقار )
وقوله
( إذا جرح العشاق قالوا أقمت في ... مدار جراح في مدارج راح )
وقوله
( وكم شمت لما قست مقدار ودكم ... بوارق ياس في بوار قياس )
وقوله
( ولا تفتحن باب الهدايا وعدها ... مطار فراش لا مطارف راش )
وقوله
( ثنت نحوه الأغصان قامة لينها ... طواعن شاط في طواع نشاط )
وقوله
( ومر على غيري سقام وصحة ... ولم يبر قان مثل ذي يرقان )
ورأيت بخط الشيخ بدر الدين البشتكي تحت هذا البيت والذي قبله وهو الضعيف باليرقان وأن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين انتهى ومنه قوله
( فجار وأجرى حين جاورت واجترى ... فما فاته مما يروم جناس )
وقوله
( زاروا وزانوا وزادوا ... هذا الجناس المليح )
وفي ذلك من الركة ما لا يخفى على أهل الذوق السليم ولولا الخشية من سأم الأسماع لأوردت له كثيرا من هذا النمط وما أظرف ما وقع له مع الشيخ جمال الدين ابن نباتة وذلك أنه لما وقف على كتابه المسمى بجنان الجناس وقد اشتمل على كثير من هذا النوع قرأه جنان الخناس وجرى بينهما بسبب ذلك ما يطول شرحه وهذا



















التوقيع

لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع



الساعة الآن 11:35 PM





SEO by vBSEO 3.6.0 PL2 ©2011, Crawlability, Inc.

1 2 3 4 5 6 7 8