عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى الأدبي والشعر و الألغاز
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى الأدبي والشعر و الألغاز المواضيع الأدبية والخاطرة والمقال والشعر الفصيح والشعبي.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 21-06-2007, 10:59 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
رحيل نازك الملائكة.. "عاشقة الليل" ومبدعة الشعر الحر

القاهرة ستحتضن جثمانها
رحيل نازك الملائكة.. "عاشقة الليل" ومبدعة الشعر الحر


القاهرة- رويترز

توفيت أمس الاربعاء بمستشفى في العاصمة المصرية الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة عن 84 عاما اثر هبوط حاد في الدورة الدموية. وقالت الشاعرة العراقية ريم قيس كبه وهي من اسرة الملائكة ان نازك التي عانت من أمراض الشيخوخة في الايام الاخيرة تدهورت صحتها فجأة ثم فارقت الحياة وستشيع جنازتها ظهر الخميس 21-6-2007 وتدفن بمقبرة للعائلة غربي القاهرة.

ولدت نازك صادق الملائكة في بغداد يوم 23 أغسطس اب عام 1923 في أسرة تحتفي بالثقافة والشعر فكانت أمها تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسم أدبي هو "أم نزار الملائكة" أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة (دائرة معارف الناس) في عشرين مجلدا، وهنا يشار إلى أن الملائكة لقب أطلقه على عائلة الشاعرة بعض الجيران بسبب ما كان يسود البيت من هدوء ثم انتشر اللقب وشاع وحملته الاجيال التالية.

ودرست الشاعرة الراحلة اللغة العربية في دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 كما درست الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة، ثم درست اللغات اللاتينية والانجليزية والفرنسية وأكملت دراستها في الولايات المتحدة عام 1954 حيث حصلت بعد عامين على شهادة الماجستير في الادب المقارن من جامعة وسكنسن.


خيول لعربات الموتى

وعملت الملائكة بالتدريس في كلية التربية ببغداد ثم بجامعة البصرة ثم بجامعة الكويت وتعد من أبرز رواد الشعر العربي الحديث الذين تمردوا على الشعر العمودي التقليدي وجددوا في شكل القصيدة حين كتبوا شعر التفعيلة متخلين عن القافية لاول مرة في تاريخ الشعر العربي.

ونشرت الشاعرة قصيدتها الشهيرة (الكوليرا) عام 1947 فسجلت اسمها في مقدمة مجددي الشعر مع الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب الذي نشر في العام نفسه قصيدته (هل كان حبا) واعتبر النقاد هاتين القصيدتين بداية ما عرف فيما بعد بالشعر الحر.

وسجلت نازك الملائكة في كتابها (قضايا الشعر الحديث) أن بداية حركة الشعر الحر كانت سنة 1947 في العراق. ومن العراق بل من بغداد نفسها زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله، وكادت بسبب تطرف الذين استجابوا لها تجرف أساليب شعرنا العربي الاخرى جميعا.

وتتابع قائلة: "كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة (الكوليرا) وكنت قد نظمت تلك القصيدة 1947 أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي دهمها وقد حاولت فيها التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير الى اكتشاف الشعر الحر".

وصدر ديوانها الاول "عاشقة الليل" عام 1947 ببغداد ثم توالت دواوينها التالية ومنها "شظايا ورماد" عام 1949 و"قرارة الموجة" عام 1957 و"شجرة القمر" عام 1968 و"يغير ألوانه البحر" عام 1970. كما صدرت لها عام 1997 بالقاهرة مجموعة قصصية عنوانها "الشمس التي وراء القمة".

ومن بين دراساتها الادبية "قضايا الشعر الحديث" عام 1962 و"سايكولوجية الشعر" عام 1992 فضلا عن دراسة في علم الاجتماع عنوانها "التجزيئية في المجتمع العربي" عام 1974.


هروب من "شهوة الحكم"

ورحبت الشاعرة شعرا بثورة رئيس الوزراء العراقي الاسبق عبد الكريم قاسم عام 1958 لكنها اضطرت لترك العراق وقضت في بيروت عاما كاملا بعد "انحراف قاسم" الذي "استهوته شهوة الحكم" بحسب تعبيرها.

ورغم غياب نازك الملائكة عن المنتديات الثقافية في السنوات الاخيرة فانها ظلت في دائرة الضوء اذ حصلت على جائزة البابطين عام 1996 وجاء في قرار منحها الجائزة أنها "شقت منذ الاربعينيات للشعر العربي مسارات جديدة مبتكرة وفتحت للاجيال من بعدها بابا واسعا للابداع دفع بأجيال الشعراء الى كتابة ديوان من الشعر جديد يضاف الى ديوان العرب... نازك استحقت الجائزة للريادة في الكتابة والتنظير والشجاعة في فتح مغاليق النص الشعري".

كما أقامت دار الاوبرا المصرية يوم 26 مايو ايار 1999 احتفالا لتكريمها "بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي". وشارك في الاحتفال الذي لم تشهده نازك الملائكة لمرضها شعراء ونقاد مصريون وعرب بارزون اضافة الى زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة الذي أنجبت منه ابنها الوحيد البراق.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
قديم(ـة) 21-06-2007, 03:44 PM   #2
ريشة ساحرة
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
البلد: حيث أرواحهم تقيم !
المشاركات: 2,083
قوة التقييم: 0
شعرة معاوية is on a distinguished road

لقد ماتت العراق سابقا ، فلا حداد يُقام بعد ذلك على أحد ..!!
اذكر انني قبل أسابيع مررت على أحد المواقع العراقية الثقافية وفيها نداء يوجه الى العالم العربي في النظر
الى حالة الشاعرة نازك الصحية وسرعة التدخل لإنقاذها ، ولم يعلموا ان ذلك العالم لم ينقذ مواطن النوازك قبلها !!
من قصائدها :


" الكوليرا "
سكَنَ الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كلِّ فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزَّقَـهُ الموت
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
* * *
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر, أصِخْ, انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ, عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى, مَوْتَى, ضاعَ العددُ
مَوْتَى , موتَى , لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
* * *
الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداء
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
* * *
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ, الموتُ, الموتْ
يا مصرُ شعوري مَزَّقَـهُ ما فعلَ الموتْ

مرثية امرأة لا قيمـة لها
" صور من زقاق بغداديّ "
ذهبتْ ولم يَشْحَبْ لها خَدٌّ ولم ترجفْ شفاهُ
لم تسْمعِ الأبوابُ قصَّةَ موتِها تُرْوَى وتُرْوَى
لم ترتفعْ أستارُ نافذةٍ تسيلُ أسىً وشَجْوَا
لتتابعَ التابوتَ بالتحديـقِ حتى لا تـراه
إلا بقيَّـةَ هيكلٍ في الدربِ تُرْعِشُه الذِّكَرْ
نبأٌ تعثَّرَ في الدروبِ فلم يَجد مأوىً صـداهُ
فأوى إلى النسيانِ في بعضِ الحُفَـرْ
يَرثي كآبَتَهُ القَمَرْ .
* * *
والليلُ أسلمَ نفسَهُ دونَ اهتمـامٍ ، للصَّباحْ
وأتى الضياءُ بصوتِ بائعةِ الحليبِ وبالصيامْ
بِمُواءِ قِطٍّ جائعٍ لم تَبْقَ منه سوى عظـامْ
بِمُشاجراتِ البائعين ، وبالمـرارةِ والكفاحْ
بتراشُقِ الصبيان بالأحجارِ في عُرْضِ الطريقْ
بِمَساربِ الماءِ المُلَوَّثِ في الأزِقَّـةِ ، بالرياحْ
تلهو بأبوابِ السطوح بلا رفيقْ
في شبهِ نسيانٍ عميقْ


وهذة الأخيرة كتبتها عام 1952 ولكأنها ترثي نفسها !
شكراً سالم ..
__________________
خطٌ رفيع ..
-رجل المستحيل ، الشهرستاني ، البرق الخاطف ، صمام الأمان ، قمة الجبل ، السموأل ، .. وكل من أمامكم أو خلفكم ... قبساتكم ملتهبة ، ارفعوها كما كنتم ، فالرفعة تفيض على صاحبها نورا .... ونارا !.
- حورية بحر ، بنت الشياهين ، بنت الاسلام ، بنت الشيحية ، غربة الاسلام ، أم علي .. دروبكن عبقة بالطهر والرزان ، فأكملن الخطو !.
شعرة معاوية غير متصل  
قديم(ـة) 21-06-2007, 07:00 PM   #3
قلـم نزاري
 
صورة أوريـانتيا الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
المشاركات: 246
قوة التقييم: 0
أوريـانتيا is on a distinguished road
حين أتاني خبر وفاتها اليوم برسالة جوال قصيرة تفاجأت قليلاً
ظناً مني ربما بأن مثلها لن يموت!
رحمة الله عليها
__________________
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
أوريـانتيا غير متصل  
قديم(ـة) 22-06-2007, 04:13 AM   #4
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 430
قوة التقييم: 0
وقاص is on a distinguished road
اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها شعرة معاوية مشاهدة المشاركة

لقد ماتت العراق سابقا ، فلا حداد يُقام بعد ذلك على أحد ..!!
عبارة هزتني , بقدر حزني على شاعرتنا ...
وقاص غير متصل  
قديم(ـة) 22-06-2007, 08:43 PM   #5
Banned
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
البلد: لبنان
المشاركات: 736
قوة التقييم: 0
أمة اللّه is on a distinguished road
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أخي سالم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
موقف رائع منك على ضفّة هذا الحدث الأليم..
لا يمكن لي أن أضيف على ما قالته أختي شعرة معاوية كلمة واحدة
:



[QUOTE=شعرة معاوية;1132825]
لقد ماتت العراق سابقا ، فلا حداد يُقام بعد ذلك على أحد ..!!
اذكر انني قبل أسابيع مررت على أحد المواقع العراقية الثقافية وفيها نداء يوجه الى العالم العربي في النظر
الى حالة الشاعرة نازك الصحية وسرعة التدخل لإنقاذها ، ولم يعلموا ان ذلك العالم لم ينقذ مواطن النوازك قبلها !!


كلّ الشّكر لك، ولأختنا الرّائعة بتعقيبها الموافق لما يفيض في نفسي من أسى عميق على العراق وأهله.....
أمة الله
..
أمة اللّه غير متصل  
قديم(ـة) 22-06-2007, 11:40 PM   #6
مشرف المنتدى الأدبي
عضو مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
البلد: القصيم - الرس
المشاركات: 13,373
قوة التقييم: 28
الطموح will become famous soon enough
الحق أن رد شعرة معاوية ألجمنا فلا نعلم على من نبكي


نازك الملائكة ماتت إلا أنها حية بأدبها وذكرها فرحمها الله
__________________
هنا ذكريات جميلة .. وأحلام قلب.. وأغنيات الصداقة
هنا الحاضر المؤلم
هنا المسقبل المجهول
وهناك أحلام تولد al6amooh@
الطموح غير متصل  
قديم(ـة) 25-06-2007, 04:04 AM   #7
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
رحيل نازك الملائكة..
الخيط المشدود لشجرة السرو.. الأشجار تموت واقفة!!



عبدالله القفاري
ماتت نازك الملائكة وهي تهرب بصمت مطبق عن كل ما يذكرها بعالم الريادة لقصيدة العرب الحديثة بعيدة عن العراق، وهي تطوي آلامها النفسية وانكفاءاتها بشرودها وصمتها.. الذي لا أخاله إلا احتجاجاً مبكراً على أوضاع العراق المأزوم الذي كانت تهرب من استبداد طغاته.. حتى قتلها استبداد حريته المدمرة اليوم لكل بقايا الإنسان

برحيل الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة الأسبوع الماضي.. أسدل الستار على آخر رواد الشعر العربي الحديث، لم تكن نازك الملائكة في نظري مجرد شاعرة رائدة.. انها أيضاً تعبير عن مرحلة عربية لها نكهة خاصة ووهج خاص وأحلام باذخة.. لا يمكن فصل شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وغيرهم.. عن مرحلة عربية.. حملت حلمها شعراً ونثراً وتحولات سياسية واجتماعية وثقافية.. انها مرحلة ولادة بكل ما تعني الكلمة من معنى. هنا أنا لا اكتب في الأدب.. بل ألتمس إضاءة مرحلة ربما أعادتنا إليها لحظة وفاة رائدة الشعر العربي الحديث نازك الملائكة.

طالب بحث كثير من النقاد والأدباء عن لحظة ولادة قصيدة التفعيلة والشعر الحر، ومهما اختلف هؤلاء بأسبقية التعبير عن هذا النوع من الأدب الشعري، ولحظة التحول والإعلان عن تلك الانبثاقة الإبداعية المؤسسة.. فإن نازك الملائكة يمكن اعتبارها الإعلان الأكبر عن ولادة هذه الطفرة. استأذن اساتذة الأدب ونقاده لاستخدام مفردة الطفرة أو بالتعبير العلمي (البراديجم) على طريقة توماس كون في تعبيره عن الثورات العلمية، يمكن اعتبار لحظة ولادة وتأسيس الشعر العربي الحديث (براديجم) جديد لا يختلف بحال عن طفرة الثورات العلمية. لم تكتف نازك الملائكة بتدشين قصيدة شعر التفعيلة في قصيدتها (الكوليرا) عام 47.بل انها عملت من خلال كتابها الشهير (قضايا الشعر المعاصر) على التأسيس لمفهوم هذا التحول الإبداعي الجديد.. فهي أعلنت لحظة الولادة الإبداعية، كما انها نظّرت وأسست لأنساق هذا التحول.

كمجرد قارئ لهذا النوع من الشعر ولهؤلاء من الرواد، أجد لهذا الأدب طاقة داخلية فذة، وأجده اقرب تذوقاً وذاكرة وانفعالاً من الشعر العربي التقليدي مهما كانت ومضاته الإبداعية أو الإشراقية أو الجمالية.

كثيراً ما حرك بدر شاكر السياب الذي لا يمكن اعتباره إلا تجسيداً حقيقياً لريادة الشعر العربي الحر، تلك العذابات الإنسانية، وجسد في تصوير هائل منفعل يحمل كل تدفقات ورؤى ومشاعر وصخب الإنسان. ربما كان بعض سر الاقتراب من هذا الإبداع حد الدهشة.. هو ذلك الشعور القريب من ضجيجنا الداخلي، والمفردة الشعرية الملامسة لذائقتنا المعاصرة، والبحث عن وجه ذلك الإنسان في مرحلتنا بكل تحولاتها وعذاباتها وأحلامها وانكفاءاتها.

رحل رواد الشعر العربي الحديث من بدر شاكر السياب إلى عبدالوهاب البياتي إلى بلند الحيدري إلى نازك الملائكة.. لكن بقى هذا التراث علامة كبيرة ليس فقط على تلك الطفرة التي ولدت في أرض الرافدين.. بل على شهادة مرحلة أيضاً، حلمت أحلامها وتحولاتها وانكفاءاتها.. التراجع اليوم واضح في قيمة الشعر وفي تدفق الإبداع وانسياب القصيدة إلى مسام عقل عربي ووجدان عربي ما عاد يحتفل بها، هذه الذائقة تتعرض لضربة هائلة. كل مرحلة تحمل أحلامها وتحمل قدرتها على التعبير عن ذاتها. لكن مرحلتنا هذه يتوقف فيها التعبير الشعري ليعطي للصورة المكان الأبرز، وكثيراً ما كانت صورة مؤذية، تكرارها البائس قتل تلك المشاعر أو لحظة الاحتجاج أو الاجتياح النفسي للتعبير الخلاق عن أبعادها.

التراجع العربي لم يطل القصيدة والأدب والشعر والنثر.. إنه تعبير عن تراجع مرحلة الحلم، بكل ما يحمل هذا الحلم من أبعاد إنسانية أو قومية أو وطنية.. انها تراجع ينسحب على مجمل مفاصل الحياة العربية.. التي تدهورت فيها الذائقة لأن القيم طالها هذا التدهور وخطفت فيها القصيدة حتى صارت تعبيراً يكرس أوضاع الجمود والتوقف أو تمارس رذيلة التسول.

الثقافة بكل مفاعليها هي تعبير عن مرحلة وعن توهج لحظة تاريخية وعن حلم يتحرك جنينه بلا توقف.. تحمل معها القصيدة بعض حمولة الصورة البصرية.. لكن الفارق كبير بين قصيدة تتحرك بروح الشعر وتصوير التحولات واكتشاف تلك العذابات والإشراقات والاكتشافات.. إلى مصاف الانفعال بالحلم الفائق الدهشة أو الانكسار البالغ العذابات.. وبين صورة مؤذية تطالعنا بلا روح على شاشة الفضائيات تمر كخير.. يراكم شعور البلادة لتكراره.. لكن لحظة الدهشة تتراجع عن مستوى أن تكون تعبيراً عن عذابات أو إشراقات أو أحلام ذلك الإنسان.

ماذا بقي للشعر اليوم؟

من حفار القبور إلى المومس العمياء إلى أنشودة المطر.. من الكوليرا إلى الخيط المشدود لشجرة السرو من أباريق البياتي المهمشة.. إلى إشراقات صلاح عبدالصبور إلى عذابات أمل دنقل.. نبض الشعر انثيال في ضمير وصراخ في وجدان وإبداع متجدد يحمل حضور تلك العبقرية الشعرية. الشعر تعبير عن مرحلة.. ومرحلتنا اضطراب في كل شيء وتراجع في كل شيء على صعيد السياسة والثقافة والأحلام. هل هذا يفسر هذا التراجع في قيمة القصيدة اليوم، وتراجع الذائقة، وتراجع ذلك الوهج الذي صنعته مرحلة؟

أتوسل ضمير الإنسان، لو أن هذا الاكتشاف المؤذي لحق البشرية بالحياة السوية في العراق (أطفالاً معاقين يحتضرون ملقون على الأرض عرايا في دار إيواء.. تركهم القائمون على الدار من العراقيين أنفسهم يواجهون مصيرهم المحتوم.. بل انهم في الحقيقة استهدفوا قتل تلك الإعاقات البشرية في ابشع صور القتل).. اتوسل لهذا الضمير الإنساني الذي صار يواجه الموت السريع والبطيء يومياً.. لو حدث هذا في زمن آخر أو مجتمع آخر أو بلد آخر هل يمر بهذه البشاعة التي لا تحرك فينا شعرة. تألمت نازك الملائكة في العراق لما يحدث في مصر عندما اجتاح جنوبها وباء الكوليرا في عام 47ونشرت قصيدتها (الكوليرا) التي اعُتبرت لدى كثير من النقاد البدايات الحقيقية للشعر العربي الحديث.. يا عراق يا عراق.. ماذا بقى من مشاهد البؤس.. حتى تتوقف عبقرية الشعر المنتحر تحت جنازير الإبادة اليومية. الإبادة الأخطر موت بقايا الشعور الإنساني الذي لم يلتفت إليه عابر ليقول تعالوا نقف لحظة حداد على موت ضمير الإنسان. لو أن بدر شاكر السياب يعيش في هذا العصر ربما لرثى حفار القبور.. أو لاحتبس الشعر في صدره.. كما احتبس في صدر نازك الملائكة التي انسحبت من المشهد الشعري منذ أكثر من ثلاثة عقود. يحتبس هذا الأرق الموجع في صدورنا.. حتى عز اليوم حفار القبور.

اختطفت حقاً الصورة البصرية، الصورة الشعرية، حتى العواطف والأحلام صارت تتوسل معنى الصورة لا ذاكرة الوجدان وانفعالات المشاعر والأحاسيس المؤرقة بالتوحد والجمال والإشراق والعذاب الجميل أيضاً.

عصر الرواية، تعبير عن هذا الاختطاف أو التحول سمه ما شئت، لكنه عصر بلا أنساق دقيقة لها صفة الإبداع الكبير الذي يحرم على أنصاف الشعراء أو متوسليه الدخول إلى عالمه أو مضماره. عاشت نازك الملائكة حتى سن الرابعة والثمانين، لكنها في الحقيقة ولدت وعاشت في ذاكرة جيل وفي تاريخ تحول منذ كتبت قصديتها الأولى، واعلنت ريادتها للشعر العربي الحديث عطاءً وتأسيساً فنياً.. لا يهم التحولات فيما بعد أو الصمت أو الموت احتجاجاً.. انسحبت نازك الملائكة من المشهد اليومي منذ عقود، لأنه مشهد لم يعد يغريها بالبقاء في عالم خال من الشعر، وخال من الحلم، وخال من تفاعلات مرحلة هي التي تؤسس لانطلاقات كبرى أو تحولات كبرى.. قادت إلى ما عُرف بالقصيدة العربية الحديثة التي اجتاحت العالم العربي. مات رواد القصيدة العربية الحديثة من السياب حتى نازك الملائكة بعيدين عن العراق الذي ولدت فيه تلك اللحظة الإبداعية الحاسمة التي شكلت بنية القصيدة العربية الحديثة. ماتت نازك وهي تعلن احتجاجها بصمت مطبق على هذا الوضع الذي انحدر فيه الحلم إلى كوابيس وصلت بنا إلى مرحلة بزوغ التوحش الإنساني الذي لا نظير له ولا في الأساطير.. ما زلت أعتقد أن صورة أيتام العراق المعاقين تلك المبثوثة على كل وسائل الإعلام العالمية هي التعبير الأكثر بذاءة على هذا الانهيار الأخلاقي والإنساني والتوحش البشري.

تراجع الإبداع العربي في الشعر وفي سواه من ملامح الثقافة والفن، هو تعبير عن حالة تراجع شاملة، تطال كل شيء من وجه الإنسان إلى أحلامه إلى قيمه إلى أوضاعه الاقتصادية إلى بناه القيمية.. لا يمكن أن يزدهر الفن أو الشعر أو تخرج ومضات الإشراق بدون أحلام كبرى.. عندما تموت الأحلام الكبرى تنطوي حتى حاسة الإبداع داخل تلافيف العقل والروح المأزوم بمطاردة شبح البقاء.

ماتت نازك الملائكة.. لكن الخيط المشدود لشجرة السرو ما زال يشدنا إلى معنى بقائها الذي جسدته قيمة فنية ورؤية إبداعية وطفرة هائلة في بنية التعبير الشعري. مات السياب وهو يرثي العراق السياسي آنذاك، ومات البياتي وبعض أحلامه تراوده بالعودة إلى حضن العراق.. ومات بلند الحيدري في لندن وهو يستعيد إضاءة مرحلة لا تعود لكن جذورها ما زالت حية.. وما زالت أمامنا أجيال ستعاود القراءة في مشهد مرحلة الولادة الشعرية العبقرية الفذة، التي صنعت لأول مرة منذ تاريخ القصيدة العربية ذلك التحول الكبير في شكل القصيدة ووظيفتها ونسقها.

ماتت نازك الملائكة وهي تهرب بصمت مطبق عن كل ما يذكرها بعالم الريادة لقصيدة العرب الحديثة بعيدة عن العراق، وهي تطوي آلامها النفسية وانكفاءاتها بشرودها وصمتها.. الذي لا اخاله إلا احتجاجاً مبكراً على أوضاع العراق المأزوم الذي كانت تهرب من استبداد طغاته.. حتى قتلها استبداد حريته المدمرة اليوم لكل بقايا الإنسان.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 25-06-2007, 09:08 AM   #8
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
نازك الملائكة.. وحزن الشعر !؟

عبدالله الجفري


* أخيراً... أطفئت قناديل أمسيات الحب والشجن، ورحلت (عاشقة الليل): شاعرة التجديد ومدرسة الشعر الحديث/ نازك الملائكة، مبتعدة عن عالم يدعي الراعصون فيه أنهم: أحياء، وبعض الحياة تتحول إلى موت، كواقع وطنها وأهلها فيه، بعد أن انتشرت (الكوليرا) الاستعمارية في العراق.. وكانت تنتحب، وتشكو الواقع المر منذ ارتضت (المنفى) تحدق في النيل ودموعها تشتاق إلى دجلة والفرات منذ عام 1989م:
* آهـ.. كاد اليأس يعروني
لولا أنني لُذْت بأحلام السماء
وتخيَّـرت خيال الشعراء!!
* نازك الملائكة: أول من أقدم على التجديد للشعر نحو التحديث عام 1947، وفي صفها: بدر شاكر السياب، وصلاح عبدالصبور.. وأصدرت ديوانها الأول: «عاشقة الليل»، واعتبر النقاد قصيدتها الأكثر شهرة وعمقاً: (الكوليرا): انطلاقة التجديد الحقيقي.. ثم أصدرت دواوينها: شظايا ورماد، قرارة الموجة، شجرة القمر، مأساة الحياة وأغنية للإنسان... هذه الأغنية التي تحولت في العراق إلى: فوهات تمطر الرصاص.. ووصفت «نازك» عزلتها التي طوتها في الصمت فقالت:
* «لقد عدت خيالاً مضمحلاً/ فاتركيني بخيالي أتسلى».
* * *
* هكذا يرحل (المحبون) الذين غرسوا بذور المحبة وسقوها بدموعهم وبخفقهم.. وفي رحيلهم تاريخ لا يترمد، وزمان لا يتكرر، وعشق لا يخون.
وها هو الشعر: باك حزين في عصر قتل الإنسان، لا يصفه رثاء، ولا يدفئ لياليه الصقيعية.
في غربتها بعيداً عن وطنها: لم تكن قد تبقت لها دموع، لكن أصداء قصيدتها تتردد:
* كثر القتل يا أمي
وتعدد موتك حين رأيت حمانا
يستباح ونُرمى ولا نَرمي
والعدو يصادر حتى تسابيحنا وكراما
وطفولتنا ودمانا
يسكن منا مزق الدم والعظم
وله النصر في كل حرب، ونحن الضحايا
المآذن والعتبات تسابق سبايا!!
* * *
* وهكذا تستمر «الفيالق» العربية تقتحم الصمت، والخوف، والتخاذل، والعزلة.. وقد كانت على امتداد تاريخها: تقتحم الميادين، وتثير غبار الخيل، وتفتتح الأمصار... وعاشت «نازك الملائكة» سنين عمرها الأخيرة: غريبة في وطنها، غريبة وسط قومها العرب، غريبة الصوت الذي كان ينشد الشعر العربي... ولكنها ماتت وهي: مشروخة الكرامة، وقد شج سلامها وأمنها.. تحيا التصادم مرددة مقولة مناضل: (تصدقوا علي بحماسكم لأمنحكم عناوين الجنود اليتامى الذين حاربوا بلا بنادق وسواعد مقطوعة)!!
* * *
* آخر الكلام:
* من شعر المجددة/ نازك الملائكة:
- يا جارات الحارة، يا فتيات القرية
الخبز سنعجنه بدموع مآقينا
سنقص جدائلنا، وسنسلخ أيدينا
لتظل ثيابهم بيض اللون نقية!!
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 26-06-2007, 05:23 AM   #9
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
الأزمنة
نازك الملائكة .. والتجديد الشعري
عبدالله بن إدريس





لا يختلف اثنان على أن نازك الملائكة إحدى القامات الشعرية السامقة في العالم العربي؛ خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري - العشرين الميلادي.. أما الاختلاف في قضية تجديد الشعر فهو وارد وقائم على (قدمين وساقين)! وليس على قدم وساق.. كما في المثل.

فقد اعتبرت قصيدتها (الكوليرا) التي كتبتها عام 1947م تعبيراً عن تفاعلها مع المرض الذي اجتاح الشعب المصري في ذلك العام .. اعتبرتها أول قصيدة (تفعيلية) تكتب في العربية.. إلا أنها تراجعت فيما بعد عن موقفها هذا.. واعترفت بأن شعر التفعيلة قد وجد في عام 1932م. ولعلها تقصد الشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير الذي أوجد مسرحيات شعرية على النسج الجديد.. القصيدة التفعيلية.

التجديد في الشعر ليس وليد عصرنا هذا.. بل هو إرث (تواتُري).. تتعاقب مقوماته بتعاقب العصور والمؤثرات التي تكتنف حياة المجتمعات العربية وارتباط أي مجتمع عربي بثقافة مجتمع أجنبي.

فكل ما كان الخضوع لسياسة الدول المستعمِرة - بكسر الميم - أشد.. كان التأثر بها ثقافياً.. أوضح. ومما لا شك فيه أن الشعراء العرب الذين جددوا في القصيدة الخليلية هم ممن تأثر بالشعر الغربي مباشرة.. أو بترجمته إلى العربية.. على أن التجديد في الشعر العربي هو إرث تواتري - كما قلت آنفاً - ولذلك جاءت (الموشحات) الأندلسية بما هو أكثر ثورة في الشعر العربي من التجديد المعاصر الذي قادته وثلة من معاصريها الشاعرة الناقدة نازك الملائكة.

الشعراء العراقيون (الأربعة) بدر شاكر السياب، نازك، يلند الحيدري، عبد الوهاب البياتي.. والأخير هو أضعفهم شاعرية - هم الذين أحدثوا الضجيج.. بالتجديد في العالم العربي.. وتبعهم في ذلك صلاح عبد الصبور، أمل دنقل وآخرون.. وفي المشاحَّة على (الأولوية) في كتابة القصيدة التفعيلية يذكر الشاعر اللبناني فؤاد الخشن في مقدمة ديوانه الذي جمع فيه شتات شعره وسماه (ديوان فؤاد الخشن) (ثم نشرت قصيدة (إلى ملهمتي الأولى) وعندما نشرت هذه القصيدة في مجلة (الأديب) للبير أديب، ترجمها المستشرق البريطاني الأستاذ في جامعة كمبرج (اللورد آربري) إلى الإنجليزية.. ثم اعتبرتها سلمى الخضراء الجيوسي (أول) قصيدة حديثة نشرت في العالم العربي، وكان ذلك عام 1946م).. مقدمة ديوانه ص 8.

الحداثة الشعرية المعاصرة اعتمدت بالنسبة لشعرائها الرواد؛ في العراق، ومصر، والشام؛ على قراءات مكثفة لشعراء غربيين في لغاتهم مباشرة.. أو بعد ترجمتها إلى العربية.. ومعنى هذا أن التجديد في الشعر العربي المعاصر.. كان متكئاً على (التقليد) في توجهاته الشكلية والمضمونية.. ولا يستطيع شاعر عربي أن ينكر هذا الواقع. ولست أرى هذا معيباً.. وإن رآه عدد من عمالقة الأدب العربي عيباً كبيراً.. بل هو ردة؛ وطعنة غادرة للغة العربية والشعر العربي.. هذا ما يراه الدكتور طه حسين والأستاذ عباس محمود العقاد في حوار جرى لي مع كل منهما على حدة وسبق أن أشرت إلى ذلك.. بصورة مفصلة في إحدى ذكرياتي.

نعم.. لقد صار الشعر الحديث لدى المنحرفين؛ فكرياً؛ مطية يمتطونها متى أرادوا (طلسمة) فكرهم المريض.. حتى لا يُؤاخذوا.. فالطلسمة في رأيهم تحجب المعنى المقصود.. ويكون لهم فيها مندوحة عما يقصدونه (والله أعلم بما يوعون).

نازك الملائكة - رحمها الله - ليست من هذه الشريحة المهلوسة بل شاعرة لها اتجاه إسلامي جيد.. أدركته من خلال بعض دواوينها التي أهدتها إليَّ.. وكتبت في الإهداء بما يوحي بهذا التوجه.. (شظايا ورماد) و(قرارة الموجة) (شجرة القمر) وغيرها. وكتابها القيم (قضايا الشعر المعاصر). كما أدركت من لقائي بها مرتين في القاهرة.. قبل ثلث قرن.. أنها تحتضن الفكر الإسلامي الشيعي المتصوف.. في شعرها ونثرها.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 28-06-2007, 03:39 AM   #10
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
ميرا الكعبي


رحيل الملائكة: مرثية للعراق

ليْسَ غريبا عنّا أخبار الموت، ربما لأنّنا شعوب تفوقت في تصدير الموت إلى القارات الأخرى. شاشات أخبارنا كل يوم تتلون بالدماء وبأسماء من قد ماتوا قتلاً أو حرقاً أو غرقاً في "أنهارٍ باردةٍ". ليْسَ غريبا عنّا كل أخبار السدود التي كانت توضع على الأنهار لتمنع تدفق الحياة. فأصبحت توضع بين البشر في المدن لتفصل الإنسان عن الإنسان، وكأننا نعيش في حدائق الحيوان! ويا ليتَ قومي يعلمون أنّ الأنهار أجمل حينما تجري بلا سدود كما العصافير أجمل حينما تغرد بلا أقفاص. وليْسَ غريبا عنّا الانفجارات والسيارات المفخخة بالنار. وليْسَ غريبا عنّا أن أطفالنا في الأعياد يستهوون اللهو بالألعاب النارية، التي لا فرق بينها وبين القنابل والصواريخ في سماوات أخرى. وليْسَ غريبا عنّا فتاوى الموت والتّكفير وسفك الدماء، لأن الدماء أصبحت في "بلاد العرب" أرخص من ثمن علبة "البيبسي" و"الكوكاكولا"!
ليْسَ غريبا كل هذا الموت! لكن الغريب هو موت الشاعر فينا، فكم سنة نحتاج كي ننتظر ولادة شاعر وشاعرة حقيقية؟ قد تمر عشرات السنين بل أكثر دون ولادة! لذا يصبح رحيلهم أصعب، وموتهم يثير الحزن. بالأمس رحلت نازك الملائكة الشاعرة المتألقة أسى ووجدا، لقد رحلت على الرغم من أنها اختارت منذ وقت ليس بالقصير أن تنأى بنفسها غريبة عنّا، وبقيت كتاباتها التي كتبتها في أزمان بعيدة هي خيط الوصل، ربما لأنها قررت أن تنأى بنفسها عن هذا العالم المجنون، وهي التي كانت طفلة حالمة رومانسية، ربما لأن الحياة في القصائد تبدو أجمل.
قبل مدة وجدت مخطوطة أولية لسيرة نازك الملائكة الذاتية بقلمها، والمتأمل في سيرتها سيكتشف سر عزلتها الأخيرة، ففي ولادة نازك ملامح كثيرة من موتها، وصمتها وأنطوائيتها في الصغر تشبه عزلتها بعيداً عن الأضواء في منفاها الأخير. لكن الذي لا يختلف فيه اثنان هو حينما قررت نازك أن تخرج عن هذا الصمت، تكلمت وكتبت بأجمل ما جاء في الشعر، فكانت ولادة الشعر الحر، وليس العبرة هنا بقصيدة كما تقول نازك غير متساوية الأشطر، بل العبرة بروح القصيدة، والروح التي ساهمت في ولادتها والخروج عن الشكل المألوف، كما أن ولادتها كانت تتزامن مع تبعات سلسلة أحداث ثورة رشيد الكيلاني. الكثير ممن يدعون كتابة الشعر الحديث حالياً لا يفقهون روح الثورة في القصيدة الحرة التي جاءت بها نازك الملائكة! هذه الثورة عند نازك لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صوتا وفكرا وأسلوب حياة، والمتتبع لمسيرتها وإنجازاتها في الحياة سيدرك ما معنى أن تتجسد القصيدة في إنسان.
أحد الأسرار الجميلة التي اكتشفتها عن نازك في سيرتها الذاتية، هو عداؤها في الطفولة لمعلمات اللغة العربية! وهي من الأسرار التي أتقاسمها مع نازك. لقد رحلت نازك الملائكة ولا يسعني أن أكتب الكثير، ربما لأنني أتطلع إلى أن أقرأ المزيد عن سيرتها الذاتية، وأتساءل ماذا كانت لتقول عن صخب عالمنا المجنون؟ ماذا كانت لتقول اليوم عن العراق وفلسطين ولبنان؟ ولماذا فضلت الموت بصمت؟! ربما تراها اختارت أن تحزم كلماتها ومشاعرها داخل قصيدة وتمضي.
هذا ليْسَ بتأبين لنازك الملائكة، وإنما مرثية للعراق! إلى أولئك الذين يتفنون في صناعة الموت، اصنعوا لنا شاعرا واحدا في مقابل كل هذا الموت، أو على أقل تقدير أعطونا قصيدة واحدة حتى لو كانت مكسورة بلا وزن وبلا قافية، ودعوا لنا الحياة، امنحونا كلمات جميلة نتذكركم بها، وسنغفر لكم هذا الدمار، وسنرمم آثار الحطام، لأن ولادة الشاعر هي ولادة الحياة، لأن الشاعر يؤرخ للجمال والإبداع، لأن الشاعر موسوعة للإنسانية، لأن الشاعر ذاكرة الأمة، الشاعر هو التاريخ، كما كان قديماً الشعر هو ديوان العرب. فلماذا رحيل "الملائكة" يذكرني "بحضورهم"؟!
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
نبذه عن الشعراء في جميع العصور سالم الصقيه المنتدى الأدبي والشعر و الألغاز 46 06-08-2007 10:21 PM


SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.