|
«براز الفنان»..
علية القوم أم علية البوم؟
جعفر عباس
في أول زيارة لي الى مدينة الرياض قبل نحو ست سنوات، دعاني الأمير عبدالعزيز بن سلمان وكيل وزارة البترول، لتناول العشاء في بيته، فوجدت عنده نفرا من أصدقائه، ولسوء حظي كانت هناك مباراة كرة قدم بين فريقين سعوديين كبيرين، وبما ان علاقتي بكرة القدم ليست أفضل من علاقة مقتدى الصدر بجورج بوش، فقد أحسست بالملل لأن جميع من حولي كانوا مشدودين الى شاشة التلفزيون.. وغادرت مقعدي الى جزء آخر من المجلس كانت جدرانه مزينة بلوحات فنية جميلة من النوع «المفهوم» أي الخالي من التعقيدات والخطوط والشخابيط عديمة المعنى .. قلت للأمير عبدالعزيز: إنني لاحظت أن جميع اللوحات أصلية، فابتسم وأكد لي أنها فعلا أصلية وليست بينها واحدة منسوخة عن لوحة أخرى، ثم أضاف هامسا: سأبوح لك بسر.. لا تحسب أنها لوحات من الصنف الذي تسمع أنه يباع في الصالات الفنية الكبرى بعشرات ومئات الآلاف.. لقد اشتريتها من فنانين مغمورين يعرضون لوحاتهم في شوارع باريس أو متاجر التحف العادية.. وأضاف ان بعض ضيوفه من الخواجات ينظرون الى اللوحات ويهتفون: واو، لابد أنها كلفتك «فورشن».. أي مبلغا طائلا.. وإنه لا يؤكد او ينفي لهم استنتاجهم.. وقد يكون الأمير عبد العزيز قد اشترى تلك اللوحات بتراب الفلوس (لاحظ أننا نصف الشيء الرخيص بالتراب ثم ندعو بعضنا البعض الى الدفاع عن تراب الوطن.. لماذا أدافع عن شيء رخيص؟).. ولكنها على درجة عالية من الإتقان والبراعة... وأطمئنه بأن السر الذي ائتمنني عليه في بئر!!
في شهر مايو المنصرم اشترى أحدهم لوحة للفنان الايطالي الراحل مانزوني بـ150 ألف دولار... كان الرسام الشاب يرى ان هواة جمع اللوحات والتحف الفنية جهلة واستعراضيون في معظمهم، فقرر الضحك عليهم فأتى بتسعين علبة معدنية ووضع عليها ملصقات بها عبارة «ميردا دا آرتستا» وتعني «براز الفنان».. تكالب «هواة الفن» على تلك العلب واشتروها، بل إن صالة تيت البريطانية وهي من أشهر صالات الفنون في العالم، اشترت علبة منها بنحو 35 ألف دولار (وبمرور الزمن ارتفع سعر علبة الغائط الى 150 ألف دولار).. ثم ضحك مانزوني من قبره على من اشتروا تلك العلب لأن بعضها انتفخ ثم انفجر واتضح انها تحوي مادة الجير.. في بريطانيا يعرض أشهر رساميها المعاصرين داميان هيرست جمجمة مغطاة بالألماس بقيمة 80 مليون دولار.. الجمجمة تعود لشخص مات في القرن التاسع عشر، ولا تزال تحتفظ بأسنانها الأصلية وقد بدأ التهافت على شرائها.. أناس يضيعون ثرواتهم لشراء الغائط المعلب وآخرون يزينون بيوتهم بجماجم الموتى وهناك من يسمي هؤلاء «علية القوم».
|