عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 10-07-2007, 07:16 PM   #1
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 6
قوة التقييم: 0
هنبعل is on a distinguished road
تهافت الخراشية

تهافت الخراشية

شغلت الساحة السعودية في الأيام الأخيرة بفتوى للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، ذهب فيها إلى تكفير الليبراليين، ومطالبتهم بالتوبة عن فكرهم والتخلي عن آرائهم المتناقضة مع الدين.
وقد تتبعت مسار الفتوى، فرأيتها مجرد تسليم لفتوى صيغت على شكل سؤال أرسله إليه المدعو سليمان بن صالح الخراشي وصف فيه الفكر الليبرالي بأنه يدعو " لحرية بلا ضوابط " وإلى مساواة المسلم والكافر والتخلي عن أحكام الشرع.
وللخراشي كما هو معروف مواقف سابقة مع الليبراليين والفكر الليبرالي في كتبه ومقالاته المنتشرة على نطاق واسع، ذهب فيها المذهب ذاته، فكان استفتاءه مجرد حيلة لا تنطلي على أحد للاستناد إلى أحد أكابر العلماء، فاته سياق السؤال ومراميه، فانساق عفا الله عنه إلى السقوط في الفخ الذي نصبه له السائل، دون تبصر ونظر معمق في المسألة التي استفتي فيها.
وقد اشتهر الخراشي ـ كما تبين أعماله المنشورة ـ بالوقوف المتصلب ضد كل دعاة التجديد والإصلاح، ورميهم بأبشع الأوصاف والنعوت والحكم عليهم بالمروق من قويم الدين، دون تمييز بين مشارب الفكر والمذاهب والآراء الداخلة في منطوق ما يسميه تارة بالعصرانية وتارة بالليبرالية.
فلا فرق عنده بين المصلح المجدد المجتهد من نوع العلمين الجليلين محمد عبده والأفغاني والمفكر الإسلامي المستنير من نوع أحمد كمال أبو المجد ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي أو الوجوه الإصلاحية السعودية المتميزة المتشبثة بالمشروعية الإسلامبة .
ولا شك أن هذا الخلط مقصود وذلك التلبيس مراد لأغراض لا تخفي على أحد.


ولقد أطلعت على جملة ما كتب في صراعه الطاحوني الساذج مع دعاة التحديث والإصلاح فعزمت على إبراز وهنه وضعفه وافتقاده للحد الأدنى من الأنصاف والموضوعية، فضلا عن هشاشة قاعدته العلمية وضحالة أسسه الفكرية، وسأتناول الموضوع في ثلاث دعاوى أقيم عليها بإذن الله الدليل الساطع الذي لا يبقى معه التباس ولا غموض.
أما الدعوى الأولى فهي خروج الخراشي عن مرجعية السلف التي يدعى الاستناد إليها في أحكامه التكفيرية العدائية لدعاة الإصلاح والتجديد.
وأما الدعوى الثانية فهي جهل الخراشي المركب بالفكر الحديث مذاهب وأفكار واتجاهات،على عكس ادعائه الذي يضحك به على ذقون السذج من طلبة العلوم الشرعية.
وأما الدعوى الثالثة فهي خطورة أفكار الخراشي على النسيج العقدي والاجتماعي السعودي وإثبات أنها تشكل بيئة حاضنة لنزعات العنف والإرهاب التي عانت منها المملكة وباقي بلاد الإسلام كل الضرر.


الدعوى الأولى: الخراشي ليس سلفيا.

لا ينفك الخراشي يوهم القارئ انه المدافع الأمين عن صرح السلفية، في مواجهة المذاهب الهدامة التي تعارضها، ولا يفتأ يتدثر بثوب السلفي المخلص الذي يذود عن الحمى ويطرد عنه كل المتسللين إليه، المترصدين لدخوله، إلى حد أن المرء يتولد لديه هاجس الخوف المرضي على العقيدة الصحيحة والدين السليم.
فكان الثقافة الإسلامية المكينة في المملكة استهدفت في الصميم وأصبحت في موقع الخطر
أمام غزو شتات من الأعداء من أصناف متنوعة منهم الصوفي المشرك والشيعي الرافضي والأشعري الضال والإسلامي الثوري والليبرالي الملحد.
وفي هذه الصورة المخيفة، يبقى الخراشي وحده ثابتا على الموقف عاضا بالنواجذ على الحق في حقبة ضلال الخلق.. وفي ذا غرور مرضي يستدعي اللجوء للمصحات النفسية للعلاج.

ولنبادر إلى الإشارة هنا إلى أن منهج الخراشي يقوم على اختزالين خطيرين علميا هما:
- اختزال مرجعية الإسلام ومشروعيته في تقليد عقدي ومذهبي واحد من بين عشرات التقاليد التي تشكل ثراء الإسلام وتنوعه.
- اختزال التقليد السلفي في إحدى قراءاته وتجلياته بدل الاستناد إليه في مرجعيته العامة و الثرية.
ولنبدأ بإظهار الاختزال الأول، الذي يبدو في صورة ناصعة في محاكمته العدوانية لمن نادى بمراجعة المناهج وتنقيتها من من التوتر تجاه المسلمين من حولنا ممن هم داخل دائرة أهل السنة والجماعة ( كالأشعرية والماتريادية ) أوتجاة الطوائف الأخرى سواء من فرق أهل القبلة كالجعفرية الإثني عشرية . فضلا عن علاقة المسلمين باأتباع الأديان الأخرى في لعالم من حولهم .
ففي رده على المظالبين بمراجعة المناهج التربوية يستند إلى حجة واهية وهي أن هذه المناهج تعكس الصورة الوحيدة الصحيحة للإسلام التي هي السلفية التيمية الوهابية في مقابل كل مذاهب الإسلام الأخرى.
فها هو يقول بوضوح " أن من يطعن في مناهجنا الشرعية فإنما هو يطعن ـ شاء أم أبى ـ في الكتاب والسنة...,,
نستنج من ذا إن كل بلاد الإسلام التي ليست على هذه المناهج متنكرة للكتاب والسنة، طاعنة فيها، وكأنها ليست إحدى تأويلات الممكنة لنصوص الدين المرجعية.
من هذا المنظور لا يرى في التصوف الإسلامي سوى الشرك، استنادا إلى ممارسات التبرك والاستغاثة والتوسل التي يقوم بها عامة المتصوفة، مما ينعته ب" تجارب الشرك الأكبر، وبالكفر والضلال".
كما لا يرى في الشيعة وهم طائفة واسعة من ملة الإسلام سوى فئة منحرفة متعاونة مع أعداء الإسلام قديما وحاضرا.
أما الأشعرية والماتريدية وهما الأساس العقدي لعموم أهل الإسلام، فينظر إليهما بأنهما مذهبان ضالان خارجان عن إطار أهل السنة والجماعة.

والسؤال المطروح: ماذا يبقى إذا من مادة الإسلام ومرجعيته؟
الجواب الواضح: أنه التقليد السلفي وحده. ولكن ليحذر القارئ هنا. فليست السلفية المقصودة هنا هي الدعوة الإصلاحية التيمية ( نسبة لابن تيمية)
وإنما هي قراءة ضيقة اقصائية محدودة لهذا التراث السلفي الثري، باختزاله في بعض نصوص الأمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دون الانتباه إلى سياق دعوة الإمام وظرفية إطلاقه لبعض الأحكام التي لم يسلمها كثير من علماء السلف. والرجل في نهاية الأمر بشر يجوز في حقه الخطأ والنسيان.
والواقع أن الخراشي متعامل مع شيوخه على طريقة القائلين بعصمة الأئمة من الشيعة أو على طريقة تقديس بعض بسطاء الصوفية لأشياخهم.
والمأزق الذي يؤدي إليه هذا الاختزال المزدوج هو هدم الإسلام وتوهين عراه بإخراج أغلبية المسلمين منه وحملهم على أحد مذاهبه، بل إحدى نسخ هذا المذهب، بل قراءته هو الخاصة لهذه النسخة.

فالسؤال الذي لا يمكن للخراشي أن يجيب عليه هو:
ما هو أصل الاختلاف بين المسلمين من حيث العقيدة والمذهب والاجتهادات الفقهية؟
فأما أن يفترض أن مصدر هذا الخلاف هو الهوى المذموم والأعراض المكابر عن الحق الساطع، وعندئذ يرمي أعلام الأمة وعلمائها ونسكائها بهذه التهمة الخطيرة التي لا نظن أحدا يمكن أن يتحمل مسؤوليتها الجسيمة.
فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في هذه الأمور العقدية والفقهية، بل اقتتلوا حولها،وتنازعوا في تأويل النص المحكم وهم الذين حضروا نزول الوحي وصحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى في حله وترحاله، كما أنهم أدرى الناس بأساليب العرب في التعبير.
فإذا كانوا قد اختلفوا في هذه المسائل، فالجواب الوحيد الممكن هو أن النص ذاته حمال أوجه كما نقل عن الإمام على كرم الله وجه أي أنه يولد بنفسه ثراء دلالة وتنوع معان، ولا يمكن لأحد أن يحيط بتأويله.
ولقد كان أجلاء الصحابة يتخوفون من القول في القرآن بالرأي ويهابون تفسير النص المنزل، مستشعرين ما فات صاحبنا من أن الإقرار بالمصدر الإلهي للنص يقتضي بداهة التسليم بعدم القدرة على احتكار تأويله, وبالتالي مشروعية تعدد القراءات والتأويلات.
وذلك ما أدركه أئمة السلف الأول من أمثال الإمام مالك بن أنس رحمه الله الذي كان يقول بأن الاختلاف رحمة، وليس نقمة تورث التباغض والتدابر.
وقد جانب صاحبنا الصواب عند ما ضيق هامش الخلاف المشروع في فروع الفقه وجزئياته، بدل أصول العقائد والعبادات.
فالمذاهب الكلامية مثلا نشأت كلها من سؤال جوهري تطرحه مسألة الصفات الإلهية في علاقتها بعالم الخلق. ومن السذاجة والتعسف إلغاء هذه الإشكالية، بحجة واهية أن طرحها بدعة وتنطع، في حين أن المسلم العادي يطرحها بعقله، فضلا عن المشتغلين بالعلم والنظر.
فعلماء الكلام الذين تصدروا للمسألة لم يكن يحركهم الفضول العقلي الفارغ، بل كانوا يدافعون عن دينهم في مقابل المفاهيم الفلسفية الوافدة، ويجتهدون في الرد على ما يعتري المسلم من شبهات عقدية يمكن أن تشوش على عقيدته وتضعف إيمانه.
ومن حق أي أحد أن يستدرك على المذاهب الكلامية ، لكن ليس من حقه اتهامها بالضلال والابتداع، من منطلق كلامي مغاير ليس بأقوى حجة ولا أكثر تماسكا نظريا.
فالمعتزلة مثلا لم يقولوا على عكس ما يتوهم الخراشي بالتعطيل ونفى الصفات، وإنما أرادوا الوقوف ضد التشبه المنافي للتوحيد بنفي الصفات الخبرية و تأكيد الصفات الذاتية، كما أن الاشاعرة صدروا في تمييزهم بين الصفات الفعلية والأزلية عن هاجس حفظ النزيه الإلهي.
وليس من الصحيح أن مذهب ابن تيمية هو الأخذ بظاهر الصفات الخبرية ورفض التأويل، مما يعني تصديق ما يتهمه خصومه به من قول بالتجسيم والتشبيه.
وحاشاه في ذلك وهو المتكلم الواسع النظر القوي الحجة. والواقع أن ابن تيمية ـ كما يدرك جيدا المتخصصون ـ هو صاحب نظرة تأويلية عميقة، لئن كانت ترفض الشطط الميتافزيقي للفلاسفة، وتحذر من التشويش على معتقدات العامة المحمولة على البساطة، إلا أنها تقدم تصورا فلسفيا رصينا لعلاقة الذات بالصفات، بتأكيد وحدتهما ، والنظر إلى الصفات كأجناس وأنواع كلية، لكنه يدرك أن القول بوحدة الذات والصفات، يقتضي القول بقدم العالم والتخلي عن فكرة الخلق من عدم ( بالمعنى المألوف للعبارة ). ولم يسلم أبن تيمية في أقواله هذه من تكفير الجهلة الذين توهموا أن قدم الخلق يعني رفض فكرة الخلق والحدوث.
ولا شك أن الخراشي لم يقرأ كتاب " درء تعارض العقل والنقل " أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" بل اكتفى بالرسائل القصيرة إلى كتبت في خضم الصراع العقدي، السياسي المحتدم في عصر ابن تيمية.
ومن الواضح أن ابن تيمية يستخدم مصطلحات المتكلمين من جوهر وعرض وجسم وتأليف وجزء لا يتجزأ .. حتى لو كان ينتقدهم نقدا مشروعا لا يلغي أهميتهم، دافعا التصور الكلامي إلى مداه ببنائه على منطلقات فلسفية صلبة.
فالتجديد الأهم الذي أدخله ابن تيمية على القول الكلامي هو نظرته المزدوجة للمعرفة التي تقوم على التمييز بين الحقل التعبدي الديني الذي مداره الالتزام بالنص المنزل والحقل الطبيعي الإنساني الذي هو مجال حر لمعرفة وضعية إجرائية، ما دام قد أبطل القول بجوهرانية الوجود ومفارقته ( أي اسناد الألوهية له ) كما اعتقد الفلاسفة.
ولذا من السذاجة أدعاء التصورات التشبيهية والتجسيمية لابن تيمية، مادام أقام حدا قطعيا فاصلا بين عالم الوجود الطبيعي الإنساني ودائرة الألوهية كما أنه من الخلف التأكيد بنفيه للتأويل في المسائل العقدية ورفضه للمجاز، وهو صاحب نظرية عميقة في اللغة تقوم على فكرة اشارية اللغة وتداوليتها ما دام ينفي التصور اليوناني المألوف بأنها انعكاس مباشر للوجود أو نسخة منه.
فما توحي به بعض نصوص ابن تيمية الرافضة للمجاز هو التحذير من القراءة الباطنية للنص أي القول بتضارب المعاني أو إزدواجيتها مما يهدم فعلا البنية العقدية للإسلام.
لكنه وهو الضليع في البلاغة وأساليب البيان يدرك أن الإبلاغ فعل أشاري لا وصفي مما يعني ثراء الدلالة واتساع الرؤية لا ازدواجية المعنى.
أنظر قوله في " دقائق التفسير " : و""اللفظ يختلف معناه بالإطلاق والتقييد .."منتهيا إلى القول " مع أن قول القائل: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظي".
ومن رجع إلى تفسير أبن تيمية للآيات القرآنية أدرك أنه من أكثر المفسرين لجوءا إلى التأويل ، بإبراز المستويات المجازية في النص المقدس واعتماد أحدى التفسيرات لها من منطلقاته العقدية والفكرية.
ينتج عن هذا التصور موقف تأويلي متسامح عكس النزعة التكفيرية العدوانية التي يتبناها الخراشي و اضرابه.
يقول ابن تيمية " فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية العلمية، أو في المسائل الفروعية العملية.. هذا الذي عليه أصحاب النبي وجماهير ائمة الإسلام. وأما تفريق المسائل إلى أصول يكفر بانكارها، ومسائل فروع لا يكفر بانكارها، فهذا التفريق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بحساب ولا عن أئمة الإسلام.".
فأنظر وفقك الله إلى هذا التصور المتسامح الرفيع، وقارنه بسرعة لجوء الخراشي إلى التكفير والتبديع حتى في الأمور الخلافية البسيطة ، فهل كان سلفيا في موقفه التكفيري المتشدد؟.
فأبن تيمية يعتمد الرأي الذي عليه إجماع الملة بمنع تكفير المسلم في المسائل المتنازع فيما بين أهل القبلة.
أنظر إلى قول ابن حزم: " لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا.. وهذا هو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة، ولا نعلم له خلافا.
وقد أوضح الإمام الشافعي هذا القول بتأكيده أن المسلم لا يكفر بما يبدر منه من ألفاظ الكفر إلا أن يعلم المتلفظ بها أنها كفر.
فما أدركه كل هؤلاء الأعلام ( الذين ليسوا من العصرانيين ولا التحديثيين) هو أنه لا سبيل للحافظ على النسيج العقدي للأمة إلا بتأكيد مشروعية التعددية التأويلية، مادام لا أحد يحتكر الحق، ولو كان من السلف المزكى.
ألم يكن هذا هو كل ما قاله القاسم والسكران فلماذا التحامل عليهم بالقول أنهم " يتكلمون بلساننا، ويلبسون ثيابنا رضوا لأنفسهم أن يكونوا ظهيرا للمجرمين في حملاتهم على بلاد التوحيد ومناهجها بغية زحزحتها عن مصدر عزها وفخرها وسعادتها ونجاتها...
وما يصدق على المذاهب العقدية ، يصدق على التصوف الذي لا يرى فيه الخراشي سوى الشرك، وكأن تبرك بعض عامة المتصوفة بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وقبور الصالحين أو توسلهم بهم فيه إقرار بمنح الألوهية لهم، مع أن اجهل عامة المسلمين يدرك بداهة الفرق الجوهري بين الألوهية والنبؤة ولا أحد منهم يدعي لشيخة أنه إله أو نبي فلماذا التحامل على المسلمين في ممارسات خلافية لا يقصد منها إلا طلب الخير وتوقير الصالحين من عباد الله المتقين.
لقد خرج الخراشي في هذه المسألة أيضا عن مرجعيته السلفية المزعومة.
فلقد ثبت بالقطع عن الإمام أحمد بن حنبل جواز التبرك بالقبور كما نقل عنه ابنه عبد الله في كتابه " العلل ومعرفة الرجال" بقوله " سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، فقال : لا بأس بذلك.
ونقل أبن تيمية عن الإمام أحمد أنه كتب جزءا في زيارة الإمام الشهيد الحسين بن علي، وما يفعله الزائر لضريحه الشريف ، كما نقل ابن تيمية أن كثير من الصحابة الأجلاء كانوا يتشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتوسلون به ، فكيف إذن يوصف المستغيث والمتوسل والمتبرك بالمشرك، وهو يقر لله بالوحدانية؟
أما اصطلاحات الصوفية المعتدلين فليست سوى مفاهيم وعبارات تحتوها للتعبير عن تجاربهم الروحية ـ شأنهم شأن النحاة والأصوليين وعلماء مصطلح الحديث.. فلماذا التحامل عليهم في استخدام اصطلاحاتهم العلمية الذين هم أدرى بتكييفها وتأويلها؟
أما الصراع مع الشيعة ونعتهم بنعوت موروثة عن عهود الفتنة والشقاق ، فلا ينم إلا عن ضيق الأفق وفساد الطوية.
فإذا استثنينا الفئات المتطرقة من الشيعة ( ولكل طائفة متطرفوها ) ألفينا أن الخلافات القائمة بين الشيعة والسنة لا تتجاوز الحيز السياسي، وهي في عمومها خلافات متجاوزة تتعلق بالفتنة بين الصحابة وبرواسب الصراع التاريخي بين أنظمة حكم بائدة.
فما الذي يبرر تكفير أخواننا الشيعية في مرحلة يرفع فيها شعار التقريب بين المذاهب؟ وما الذي يسمح بتكفير القائل بالوصية وعصمة الأئمة مهما كان الاعتراض على هذا القول؟
وحتى فلاسفة الإسلام الذين تحامل عليهم أشد التحامل ورماهم بأبشع الأوصاف والنعوت، فإنما هم في الغالب قوم حركهم الدفاع عن الإسلام لتبني مشروع التوفيق بينه والمعقول اليوناني، واجتهدوا في التقريب بين ما اعتبروه البرهان العقلي اليقيني والنص المنزل الذي آمنوا وتمسكوا به . ( راجع هجومه على فلاسفة الإسلام في كتابه المعنون بنقض أصول العقلانيين).
لقد خالف أيضا أبن تيمية في هذا الأمر الذي لئن نقد آراء الفلاسفة إلا أنه تحدث عنهم باحترام وتقدير. فذكر في كتاب " الرد على المنطقيين" أن لارسطو وأتباعه " كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم يقصدون الحق، ولا يظهر عليهم العناد."
فإذا كان هذا حديثة عن فلاسفة اليونان غير المسلمين فماذا يكون القول في الفلاسفة المسلمين من نوع الفارابي وابن سينا وابن رشد.
كان من الأحرى أن ينظر الخراشي إلى فلاسفة العصر الراهن بهذه العين الموضوعية، بدل استسهال تكفيرهم وتفسيقهم.
وحاصل الأمر، أن الخراشي لم يستأنس بمناهج السلف وأخلاقياتهم في النظر للبنية العقدية والمعرفية الإسلامية في تنوعها واختلافها، وانما نزع إلى مسلك التفرقة وتشتيت صفوف الأمة واستهداف أعراض الناس والعياذ بالله.

الدعوى الثانية: الخراشي جاهل بالحداثة

يقدم الخراشي نفسه خبيرا بالحداثة ومذاهبها وأفكارها مطلعا على أقول المحدثين وفلسفاتهم وقد كتب لهذا العرض عدة كتب ورسائل تمحورت حول أفكار ثلاثة ظاهرة التهافت، بينة الضحالة والسطحية هي:
- العقلانية نزعة يهودية لهدم النصوص الدينية
- العصرانية نظرية علمانية خطر على المجتمع المسلم
- الليبرالية نزعة كافرة.
من الواضح إذن أن الخراشي يخوض صراعا مريرا ضد مفاهيم ثلاثة هي العصرانية والعقلانية والليبرالية، ويتصيد فيها ما يزعم أنه خطرها على المجتمع المسلم.
والمفاهيم الثلاثة كما هو معروف تنتمي للحقل الدلالي للحداثة ، وهو مبحث وسع معقد، يتطلب اطلاعا غزيرا ومتشعبا في ميادين متنوعة ومتشابكة كالفلسفة والتاريخ والعلوم الاجتماعية والاقتصاد فأين الخراشي من هذا كله
مجرد تسليم لفتوى صيغت على شكل سؤال أرسله إليه المدعو سليمان بن صالح الخراشي وصف فيه الفكر الليبرالي بأنه يدعو " لحرية بلا ضوابط " وإلى مساواة المسلم والكافر والتخلي عن أحكام الشرع.


فأين الخراشي من هذا كله وهو الذي ليس من الزاد والعدة سوى قصاصات الجرائد الهزيلة وكتابات الجهلة من الدعاة.؟
هلا أتقى الله فترك ما لا يفقه ولا يعرف لذوي التخصص.
ولنبدأ بالمفهوم الأول الذي خصص له كتابا تجاوزت صفحاته المائتين بعنوان فيه أدعاء مخل بتواضع العلماء " نقض أصول العقلانيين " وقد أراد الإجابة فيه على أسئلة محورية من نوع "ما العقل؟ وأين مكانه؟ ما موقف الإسلام منه؟ كيف نرد على من يعظمه على حساب النصوص الشرعية؟.
وفي حين كان يتوقع القارئ إجابة فلسفية مركزة على هذه الأسئلة التي شغلت أهل الفلسفة منذ أفلاطون إلى هايدغر، إذا به يلوك مراجع ثانوية سطحية من نوع معجم جميل صليبا وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم. أما الفلسفة الحديثة فمصدره الوحيد عنها هو كتابات محمد قطب التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
والمضحك في تعريفات الخراشي أنه بعد أن استشهد بكثير من أقوال العلماء المسلمين في تحديد ماهية العقل، انتهى إلى اعتماد تعريف يوناني مبتذل على الرغم من حملته الشرسة على الفلاسفة اليونانيين.
أنظر إليه متبنيا التعريف الذي يؤكد أن العقل " هو ملكة في النفس تستعد بها للعلوم والأدراكات".
وبعد هذا التعريف يجمل ملكات العقل في خمس هي الإرادة والإدراك والاستنتاج والحافظة والذاكرة.
ولقد فات صاحبنا المسكين أنه يستنسخ كلام أرسطو في نظريته الشهيرة للنفس التي تبناها فلاسفة الإسلام.
ومع هذا يدعي أنه التزم في كتابه نظرية أبن تيمية في كتابه " درء تعارض العقل والنقل " ولا أخاله فهم منه شيئا ما دام يردد دون وعي نظرية النفس العاقلة الأرسطية.
وبعد أن يعرج الخراشي على أراء الفلاسفة في العقل بتبسيط مخل ودون الرجوع لمهمات الكتب وموثوق المصادر، يخلص إلى حكم غريب مفاده:
" وهذا القول الذي امتاز به فلاسفة اليونان في العقل دعاهم إليه دعوى تنزيه الإله أو الخالق عن أن تصدر عنه الكثرة المشاهدة في المحسوسات فاخترعوا لأجل ذلك قضية توالد العقول..".
ولقد غاب عن صاحبنا أن لا مكان في الفلسفية اليونانية لفكرة الإله الخالق التي تنتمي للتقليد المسيحي ـ الإسلامي الوسيط، وليس " الخير الأسمى" لدى أفلاطون سوى مثال للمثل ينتمي لنظام الوجود، وليس " المحرك الأول" لدى أرسطو إلها بل مبدأ فيزيائيا طبيعيا. وليس الواحد لدى أفلوطين إلها بل هو مبدأ تكويني وغائي في نظريته الكوسمولوجية.

ولم يتردد الخراشي في نعت جهود فلاسفة الإسلام في التوفيق بين الدين والفلسفة بأبشع النعوت التكفيرية والتفسيقية دون تمحيص أو تدقيق.
والواقع أن فلاسفة الإسلام لم يأخذوا بالمقول اليوناني على حرفيته، كما يدعي الخراشي دون مستند، وإنما طوروا منهجياتهم ومفاهيم بقراءة مزدوجة لنصوص اليونان وتراثهم العقدي، واجتهدوا في تجاوز العقبات العقدية التي يطرحها مجهود التوفيق بين النصين.
ولهذا الغرض كان إسهام فلاسفة الإسلام الأساسي هو نظرية " التخييل" التي بلورها الفارابي، وأخذها عنه أغلب الفلاسفة المسلمين . ولئن كانت هذه النظرية تحمل بصمة أرسطية ـ أفلوطينية إلا أنها في الواقع نظرية جديدة في الفكر الفلسفي الغرض منها وجود قنطرة منهجية ومعرفية للوصل بين المنقول الديني والمعقول الفلسفي.
فالخيال ليس مذموما ، بل هو المصدر الآخر لمعرفة حقائق الوجود إلى جانب العقل.

أما كلام الخراشي عن المدارس العقلية في الغرب فيصلح فعلا لإضحاك الثكلى والهاء الصبيان. والمرجع الوحيد تقريبا الذي يعتمد عليه صاحبنا هو محمد قطب في قراءته السحرية لتاريخ الفكر الغربي التي تتلخص في أن الغرب انتقل من تأليه العقل في العصر اليوناني إلى إلغائه في العصور المسيحية قبل العودة لتأليهه في العهد الراهن على يد اليهود.
أن هذه القراءة التي لا تستحق بالفعل وقفة انتباه ، تعاني من ثغرات كثيرة، نشير إلى ثلاث منها:
- لئن كانت الفلسفة اليونانية أعلت من شأن العقل، إلا أنها فهمته في سياق مغاير تماما للمفاهيم العقلانية الحديثة، فلا يصح القول أن الفلسفات الحديثة امتداد للفكر اليوناني القديم.
فما الذي يجمع بين عقل المثل والجواهر الذي يتماثل مع نظام الوجود والعقل الذاتي الحديث القائم على علاقة التخارج بين الفكر والطبيعة؟
والواقع أن عبارة " عقلانية " حديثة ، لا يصح أطلاقها على السياق اليوناني لأن اللوغوس اليوناني لا يسمح بأن نطلق عليه مقولة " عقل" التي ترتبط عضويا بمقولة الذات المفكرة ويستدعي هذا التدقيق تبسطا ليس هذا محله.
- لئن كانت المسيحية شكلت بالفعل تحولا نوعيا جذريا في الثقافة الغربية، إلا أنه من الخطأ القول أنها اصطدمت بالمعقول اليوناني، بل الواقع أنها تكيفت معه قبل أن تدمجه في نسقها العقدي، مما يعرفه من له أدنى اطلاع على تاريخ الفكر المسيحي.
- ليس لليهود دور يذكر في الفلسفات العقلانية الحديثة.
فالفيلسوف الحديث الوحيد الذي ينتمي لأصول يهودية هو سبينوزا الذي كان أهم من نقد اللاهوت اليهودي وشكك في الأساطير الملفقة التي التبست بالتوراة، ويعتبره اليهود مفكرا ملحدا مارقا عن الدين .
فأين الأثر اليهودي في العقلانية المعاصرة التي تشكلت على يد فلاسفة من نوع ديكارت وكانط وهيغل، لا أحد منهم له قرابة انتماء أو تأثر باليهودية بل تربوا في بيئات معادية لليهود.
أما القول بأن اليهود يسعون لنشر العقلانية في العالم الإسلامي، فليس سوى نكته سخيفة، لا تستحق سوى ابتسامة استهزاء.
ومن المثير فعلا أن الخراشي لم يقدم أي تصور إيجابي للعقلانية بل حكم على كل تصوراتها بالكفر والخروج عن الدين، غير مدرك أنه بهذا الحكم يعزز الاتهامات الباطلة لديننا الحنيف بأنه دين يعارض العقل ويناقضه.
إن ما فات صاحبنا هو أن النظريات العقلانية الحديثة، لم تعد تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة في مقابل الديانات، بل غدت تؤكد أن العقل ليس جوهرا ثابتا، بل هو فاعلية لغوية تأويلية، تخضع للتاريخ وتتأثر بالسياقات المجتمعة وتمتزج بباقي أشكال التعبير الثقافي الأخرى.
ولذا لا معنى لثنائية العقل والنقل المألوفة، ذلك أن لا سبيل لممارسة التعقل خارج النص، كما أن كل تأويل للنص هو في الواقع ممارسة برهانيه استدلالية حتى ولو كانت قراءة تنحو استنساخ النص والتقيد بحرفيته.
أما مفهوم العصرانية الذي خصص له الخراشي بحثا ركزه على أفكار الإصلاحيين المسلمين في الحقبة الحديثة، فيخلو من أي تدقيق منهجي، ولا يتعدى الاتهامات الجزافية الغائمة، التي لم يسلم منها أعلام أجلاء كنت أتصور أنهم موضوع إجماع كافة أطياف الأمة، من أمثال المفكرين المجددين الكبيرين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده رحمهما الله.
والذي يظهر من كلام الخراشي هو أن عبارة عصرانية تعني لديه كل محاولات إصلاح الدين وتجديد الثقافة الإسلامية من منظور تصالحي مع الحداثة، سواء كان هذا الجهد مؤطرا بالمرجعية الإسلامية أو متنكرا لها.
فالتحديث كله " تغريب" و " انحراف " والإصلاح كله " قنطرة نحو العلمانية" ويدخل في خانة العصرانية المذموم فقهاء أجلاء مبرزون من نوع الشيخ يوسف القرضاوي وإسلاميون سياسيون من نوع راشد الغنوشي، أما المسؤولية الكبرى فيحملها صاحبنا لرائدي الإصلاح النهضوي الحديث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
أما أولهما فيصفه بالغموض، ويتردد بين ذمه بالتشيع المخفي والخلط بين الديانات والمذاهب مما يعني الخروج عن مرجعية الإسلام واستبداله بالنزعة الشرقية المذمومة .أما دوره ودور تلميذه محمد عبده في الثورة العرابية فيحسب عليه ولا يرى فيه صاحبنا سوى افساد الناس والتمرد على أولياء الأمر.
أما محمد عبده فهو " الثوري العصراني الذي شجع استيراد أفكار الغرب وقيمه " فأنتقل من النقيض إلى النقيض، ومن مفسده إلى أخرى أشد منها".
ويتدثر صاحبنا بغطاء هش في محاكمة العلمين الجليلين، بالرجوع لأنور الجندي ومحمد محمد حسنين دون أن يكلف نفسه القراءة المتأنية في أعمال رائد الإصلاح الإسلامي الحديث.
ويحار المرء فعلا في تطاول الخراشي على هاتين القامتين الساميتين فمن له أدنى اطلاع على أفكار الرجلين يعرف أن مشروعهما تمحور حول ثلاثة أهداف أساسية مترابطة هي:
- تجديد الدين من الداخل، وتنقية ممارسة المسلمين العقدية والتعبدية من شوائب الانحطاط التي مست نمط تدينهم، مما يعني إعادة الاعتبار للاتجاهات والآراء التي تعلي من شأن العقل والحرية ومقاصد الشرع.
- تبني قيم التحديث التي سمحت للغرب بالتقدم مع الحرص على صبغها بصبغة الإسلام، واستيعابها ضمن مرجعيته القيمية.
- الدفاع عن الإسلام وداره في مواجهة الزحف الغربي الوافد و التهديدات الاستعمارية مما يعني إعادة توحيد صفوف الأمة والوقوف ضد الحكام المستبدين الذين يضطهدونها.
فما هو المرفوض المذموم في هذه الأفكار؟ وأين مواقع الطعن فيها؟ وهل يكفي تكرير اتهامات لفقها أعداء الإسلام من استعماريين ومستشرقين لهدم صورة المصلحين العظيمين؟
ومن فنون التلبيس الخطيرة التي يلجأ إليها الخراشي لتشويه فكر الإمام محمد عبده وتحميله كل آثام العلمنة النظر لدعوته للحوار بين الديانات كهدم الإسلام، واعتبار حصره للجهاد في الدفاع عن الدين إماتة لفريضة من فرائض الإسلام ( وهو القول المشهور لدى أهل السنة ) ودعوته لفتح باب الاجتهاد انفلاتا وشذوذا ودعوة لتحرير المرأة تشجيعا للسفور والتسيب و ليس في كلام محمد عبده المنشور في أعماله المطبوعة المنتشرة ما يسمح بهذه التأويلات المغرضة، كما بين محمد عمارة الذي هو محقق مؤلفات محمد عبده ودارسها.
والغريب فعلا حكم الخراشي بأن العصرانية والعلمانية وجهان لعملة واحدة، والفرق الوحيد بينهما هو " أن العصرانيين قدموا أفكارهم بعد أن غلفوها وألبسوها اللباس الشرعي أما العلمانيون فلم يفعلوا هذا.
ولم يستطع صاحبنا تقديم دليل واحد على هذا الحكم الخطير الذي يحكم باستحالة بناء موقف حداثي متصالح مع الإسلام فما الذي يفضي إليه هذا الموقف الصدامي الساذج والانتحاري؟
أنه خيار القطيعة مع العالم المعاصر والانفصال عنه وكأن المسلمين في جزيرة معزولة محاطة بالأعداء الذين لا سبيل للتواصل معهم.
وما هو جلي أن الرجل لم يقرأ شيئا عن مفاهيم وقيم الحداثة ، وإنما أكتفي بالنظر إليها من حيث ما اعتبره هويتها العقدية المسيحية اليهودية متناقضا مع نفسه بوصفها بالقنطرة نحو العلمانية.
فالحداثة كما يعرف من له أدنى اطلاع على أديباتها مشروع تاريخي كوني، لئن بدأ في الغرب، إلا أن جذوره برزت في الحضارة الإسلامية الوسيطة، في حين أفضى هذا المسار إلى صياغات متمايزة، بحسب اختلاف السياقات الحضارية العالمية.
وإذا كانت الثقافات الهندية والصينية واليابانية استوعبت مفاهيم الحداثة في أرضياتها الخصوصية، فما الذي يمنع ثقافتنا من استيعاب هذه المفاهيم التي تتمحور حول النزعة الإنسانية ( أي تكريم الإنسان والإعلاء من شأنه ) وفكرة الحرية ( في مقابل الاستبداد والإكراه) والعقلنة ( في مقابل الخرافة والجمود )؟
لم يقل دعاة التحديث الإسلامي إلا بهذا الطموح المشروع الذي لا يناقض التصور الإسلامي ولا يصطدم بأي حكم من أحكام الشرع.
وإذا كان صاحبنا يحاكم الإصلاحية التحديثية من منطلق النموذج السلفي الوهابي، فلعله لم يدرك الفارق النوعي في الخلفية بين التجربتين الإصلاحيتين: التي انبثقت إحداهما في سياق مغلق لا أثر فيه للمعادلة الغربية الجديدة فكان تركيزها على تحصين هوية الأمة العقدية في حين انبثقت الأخرى في سياق الصدام مع الثقافة الغريبة الوافدة والتهديد الاستعماري فكان لا بد لها أن تؤصل موقفا مسؤولا وناجعا من التحدي الخارجي.

أما مفهوم الليبرالية الذي يكثر الحديث حوله هذه الأيام فقد تناوله الخراشي في أعمال سابقة قبل الفتوى المثيرة الأخيرة.
فالليبرالية حسب التعريف الذي يقدمه الخراشي هي " نبتة يهودية" زرعتها بروتوكولات صهيون لهدم الإسلام كما يزعم في رسالة بعنوان " الليبرالية .. النبت اليهودي" في حين يذهب في عمل بعنوان " كيف تسللت الليبرالية إلى العالم الإسلامي (مقتبس من كتاب الفكر الاجتماعي في مصر لبسام بطوش) إلى تعريفها بأنها " مذهب ينادي بالحرية الكاملة، وفي ميادين الحياة المختلفة لا تقيدها أحكام الدين
ويتبع الخراشي مسار دخول الليبرالية إلى العالم الإسلامي من منطلقها خلال حملة نابليون واقفا عن أبرز مفكري التيار الليبرالي المصري كرفاعة الطهطاوي وعلى مبارك ومحمد عبده، انتهاء بأحمد لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرازق وقاسم أمين..
ومع أن المؤلف يعتمد طريق السرد في محاكمته للفكر الليبرالي إلا أن الخيط الموجه لهذا السرد هو اختزال الليبرالية في الفساد العقدي والأخلاقي والخروج من سلطة الدين.
وليس من همنا تكرير براهيننا الواضحة في دحض قراءة الخراشي للإصلاحية الإسلامية التي يحشرها هذه المرة في خانة الليبرالية المذمومة، وانما حسبنا الإشارة إلى خلفية عداء صاحبنا المرضي للتيار الليبرالي هي صدامه مع دعاة التحديث والإصلاح في المملكة العربية السعودية.
وإذا تجاوزنا هذه الخلفية المعروفة ، أمكننا القول أنه من السذاجة اختزال الليبرالية في انعكاساتها الأخلاقية والاجتماعية في بعض الساحات التي اختبرت فيها, ومن الواضح أن صاحبنا الذي استند إلى مراجع هامشية لا يعول عليها ـ لا يفقه شيئا من مسار الليبرالية ولا يميز بين حقول انطباقها الثلاثة التي هي :
- حرية الملكية والتملك، التي أفضت الى النظام الرأسمالي لكنها لا تنحصر فيه لأن مبدأ السوق الحرة يشكل أحد ركائز النسق الاقتصادي الحديث ويرتبط بنمط الانتاج الذي أفرزته الحضارة الصناعية، وليس الأمر مدار اختيار فلسفي أو عقدي كما توهمت الايديولوجيات الشيوعية التي يبدو أن صاحبنا تأثر بها من حيث لا يدري، فجامع الحطب يخاف عليه دوما من الاحتراق.
- حرية التعبير والتنظيم السياسي التي أفضت إلى النظام الديمقراطي القائم على التمثيل الحر وتحكم الأمة في مصيرها، وليس من الصحيح أنه يمتزج بالعلمانية ويلتبس بها فليست الديمقراطية سوى نمط من التنظيم السياسي وصيغة إجرائية لإدارة اختلاف الرأي الذي لا يخلو منه مجتمع، وهي صالحة للتأقلم مع كافة السياقات العقدية والثقافية، مما أثبته التجربة الملموسة.
- حرية المعتقد والوعي التي أفضت إلى تحرر المجتمع من السلط التي تكبل خياراته، ويعني الأمر هنا في الغرب سلطة الكينسة المتحالفة مع الدولة الاسبتدادية.

وليس من الصحيح أن هذه الحرية تؤدي إلى خراب الدين ودمار القيم. فإذا كانت هذه الحريات قد أسيئ استخدامها في البلدان الغربية، فإن بلدان أخرى في آسيا كاليابان والهند حافظت على موروثها الأخلاقي والقيمي ضمن محددات حرية المعتقد والوعي.

ولا أدري ما الذي تخالف فيه هذه الأفكار دينينا الحنيف، الذي كان أول دين يعلن حرية الاعتقاد ويحرم الإكراه، ويشجع قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ويرفض الاستبداد ويدعو للشورى.
وحاصل الأمر أن محاكمة الخراشي لليبرالية والليبرالين هشة، ضعيفة الحج، تظهر جهله الفظيع بالفكر الليبرالي ونظمه.


الدعوى الثالثة: الخراشي داعية تطرف وإرهاب.

لا ينفك الخراشي يستعدي أولي الأمر على دعاة الإصلاح والتجديد بحجة واهية مفادها أنهم يريدون الالتفاف على شرعية البلاد وهدم عقيدتها الرسمية والتعرض لرموزها العلمية والدينية.
ولم أجد شيئا من ذلك لدى هؤلاء الرجال الغيورين على بلادهم المتشبثين بدينهم ومرجعية بلادهم الإسلامية وشرعيتها التاريخية.

والواقع أن هذه البلاد التي تعرضت في السنوات الأخيرة لموجة عاتية من الإرهاب الإجرامي الفظيع، لم يصبها من السوء أكثر ما أصابها من تحكم بعض طلبة العلم المتطرفين في عقول شبابها البسطاء من ذوي النية الحسنة والثقافة الضحلة.
فالمسؤولية الفعلية يتحملها دعاة التطرف والتشدد الذين يشيعون وينشرون ثقافة الإرهاب ومن هؤلاء الخراشي.
وبيان هذه الدعوى، أنه يؤسس لفكرة التطرف والعنف من مداخل أربعة هي:
1- نزعته التكفيرية المشطة في الغلو التي لا تسلم منها طائفة من طوائف الملة ولا مذهب من مذاهب الدين إلا السلفية التي يتناقض مع منهجها القويم الأصيل ويختزلها في بعض الأراء والاجتهادات المعزولة الضيقة.
فإذا كان الشيعة كفار والصوفية مشركون، والأشاعرة والماتريدية ضالون فما الذي بقى من نسيج الإسلام؟
وليس ثمة سوى حاجز بسيط وشعرة خفيفة بين تكفير المسلم وقتله، بل أن التكفير اغتيال معنوي أخطر على المسلم من الإعدام نفسه.

ألم يلاحظ الخراشي أنه يكيد لاستقرار البلاد وأمنها بتأجيج الفتنة الطائفية الملعونة في الوقت الذي يسعى حكام هذه البلاد إلى لم الشتات وشد الصفوف، ويرعون برنامجا طموحا للحوار الوطني لا يحرم منه أحد من ممثلي الفئات والطوائف التي كفرها.
2- وقوفه ضد كل جهد تحديثي اصلاحي، وكأن الانشداد للماضي في حد ذاته دون تمحيص هو الفلاح والفوز، وكان كل تجديد وتطوير ابتداع وفسوق.
ألم يدر أن الإسلام كما هو دين الماضي هو أيضا دين المستقبل، وأنه يشجع كل جهود البشر في التقدم الحضاري والتقني والاجتماعي التي لا تخرج عن ثوابته وقيمه؟
ألا يؤدي هذا الموقف العدمي الطفولي إلى تخلف المملكة عن ركب البلدان الحديثة، مما يؤدي إلى ضعفها وانعزالها؟
لقد أنتبه إلى هذا الأمر حكام هذه البلاد، منذ الملك عبد العزيز رحمه الله، فأدركوا أن أدعياء العلم الجامدين هم أخطر على العباد والبلاد من أعدائها الخارجين وهو إذ يعمل على تكريس القطيعة بين شباب البلاد والعالم من حولهم يدفعهم إلى الانتحار والعنف واستهداف الأجانب الامينين.
وكم عانت المملكة في السنوات الأخيرة من مشاركة بعض أبنائها المغرر بهم في اعتداءات 11 سبتمبر 2001.
وليس هؤلاء سوى ضحايا الخراشي وأضرابه.
3- أن الخراشي إذ لا يرى في حرية المرأة سوى السفور والانفلات الأخلاقي، يريد شل نصف المجتمع وإبعاده من المشاركة في الحياة العامة، بحجة محاربة الاختلاط الممنوع وصيانة عفاف المرأة.
ونراه يستند في أقواله إلى اجتهادات فقهية ليس مسلمة ولا موضوع إجماع بل هي في الغالب من تكريس العادات الاجتماعية التي التبست بالدين وليست منه.
فلا نص في الشرع يمنع المرأة من العمل والتعليم والمشاركة في الحياة العامة ومن الخطورة والخلف النظر دوما للنساء كجنس قاصر، لا يخرج عن الرعاية الأخلاقية، مما هو جلي في كتابات صاحبنا.
أن هذا الموقف يؤدي بداهة إلى تأجيج الاحتقان الاجتماعي ويكرس النظر الدونية العنيفة للمرأة، وبالتالي يؤدي إلى الفتنة والتصدع والانفلات غير المحسوب.
4- أن الخراشي عند ما يصف أصحاب المواقف السياسية المغايرة لانتمائه بالكفر والفسق، مثل الليبراليين والقوميين، يحول الصراع السياسي إلى دائرة المعتقدات الدينية، في حين أن الأمر يتعلق باعتبارات الجدل والتنافس العاديين حول مواقع التأثير والفاعلية في الحقل العام.
ويفضي هذا التصور إلى الإخلال بالأمن العام، وتوظيف الدين الحنيف الذي هو نقطة إجماع كلي في صراع لا دخل له فيه، ولو كنا نوافق الخراشي في أصوله التكفيرية لاعتبرنا هذا التوظيف تدنيسا لقداسة الدين وتشويها له.

وهكذا يتضح أن الخراشي داعية تطرف وإرهاب، كما بينا في هذه الدعوى بعد أن أثبتنا أنه لا يسير على نهج السلف في تسامحه وقبوله بالرأي المخالف، كما أثبتنا أنه لا يفقه شيئا من فكر الحداثة وفلسفتها.
فالأحرى به أن يلتزم الصمت، ويقبل على التعلم ويتقي الله في عقائد الناس وأعراضهم.


((( منقـــــــــــول)))
الساحة السياسية http://82.96.75.104/sahat?128@223.6Q...gq.2@.3baa3c1d
هنبعل غير متصل  

 
قديم(ـة) 10-07-2007, 10:08 PM   #2
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
المشاركات: 622
قوة التقييم: 0
الحبـّـوب is on a distinguished road
حفظ الله لنا الشيخين الفوزان والخراشي ففتاويهم ونقولاتهم وردودهم العلميه أخرجت الجرذان من جحورها .
وصدق الله يوم قال عن المنافقين (( هم العدو فاحذرهم )) .
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
الحبـّـوب غير متصل  
قديم(ـة) 10-07-2007, 10:11 PM   #3
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
المشاركات: 730
قوة التقييم: 0
~smart~ is on a distinguished road




اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها هنبعل مشاهدة المشاركة
أن الخلافات القائمة بين الشيعة والسنة لا تتجاوز الحيز السياسي
، وهي في عمومها خلافات متجاوزة تتعلق بالفتنة بين الصحابة وبرواسب الصراع التاريخي بين أنظمة حكم بائدة.

قرأت الموضوع وفي نيتي الرد بعلميه عليه ..

فلما وصلت الى ماهو مقتبس اعلاة ...

عرفت القوم ... وتوجهاتهم الضلاميه

فرجعت الى ... مايستحقة مني بحق هؤلاء .. وملاليهم وشيوخهم من التنويرين


وهو ضرب وجوههم ..

تماما كما لو ضايقك .. ذباب


السلام على المحترمين فقط
.
.
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
~smart~ غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
هنا أسماء الناجحين والناجحات لجميع المراحل الدراسية ... ألف مبروك .. أبوعبـــــدالله منتدى التربية والتعليم 163 04-08-2007 03:12 PM
ماذا لو كانت صلاة الفجر في قائمة الاختبارات الدراسية ؟! رجل المستحيل المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 17 13-06-2007 08:02 AM


الساعة الآن +3: 02:10 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19