عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 10-08-2007, 05:00 AM   #41
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
البلد: الرياض
المشاركات: 1,772
قوة التقييم: 0
أبو أسامة is on a distinguished road
سبق أن قال أبو أسامة :

اقتباس:
قال الله تعالى :
( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) [النحل103] .
فلمن اللسان الأعجميّ واللسان العربي؟ أليست للإنسان ؟
فقال صخر :

اقتباس:
بلا للإنسان ... ولكن من الذي يعلم الرسول عليه الصلاة والسلام القران أليس جبريل أليس جبريل ملك .. وكما قلت لك البشر تأتي للتفريق بين البشر والملائكة والجن .. يعني لم يقولوا الذي يعلمه جن أو ملك
بعد هذه منك لا ملامة عليّ إذا قلت : إنك لا تفهم .
فإذا كان هذا هو تدبرك للقرآن فأنصحك بأن لا تفعل ذلك في كتاب الله .

يا أخي ما علاقة جبريل والملائكة والجن بهذه الآية ؟

الكفار يقولون : إنّ رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن عبد رومي .
فردّ الله تعالى عليهم بأنّ الذي يشيرون إليه ، وهو العبد الرومي ، لسانه أعجمي .
ثمّ بدأ القول عن القرآن فقال : ( وهذا لسانٌ عربيٌّ مبينٌ ) .
طبعاً لم يقل : ( وهذا لسانُ عربيٍّ مبينٍ ) .
فلا حديث هنا عن جبريل عليه السلام ، ولا عن كونه ملكاً ...
ولذلك قولك : ( يعني لم يقولوا الذي يعلمه جن أو ملك ) هراء في هراء .

إنّ فيك يا أخي جرأة غير محمودة على القول في كلام الله بلا علم .
فانتبه لهذا قبل الندم .


>>> يتبع بإذن الله تعالى .
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
أبو أسامة غير متصل  

 
قديم(ـة) 10-08-2007, 12:45 PM   #42
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
تاملات في قصة الخلق

على ضوء كتاب : أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة ( لفضيلة الدكتور عبد الصبور شاهين)

المؤلف : عبد الحق عقال

نبذه :

يتبين أن رؤية فضيلة الدكتور عبد الصبور شاهين في قصة الخلق( على ضوء كتاب : أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة) مثيرة للجدل تهدم ما تلقيناه من رواسب وأفكار تقليدية تخص خلق البشرية، جعلتني استصعب الأمر واقف حائرا أمام ظاهرة لها وزنها في فهم كنه الرسالة السماوية وتعاليم هذا الدين الحنيف.

فرحت أدقق وأمحص في ما جاءت به من فرضيات بشرية وتأويلات لنصوص القرآن. وأنا هنا سأحاول مناقشة هذه الرؤية على ضوء أسلوب عقلي ونقلي بسيط يقصي جميع المرجعيات الممكنة ويعتمد فقط على القرآن الكريم باعتباره، وكما ذهب إلى ذلك الدكتور عبد الصبور شاهين ، المرجع الوحيد المقدس والمنزه والذي يضم بين ثناياه الحقيقة والمعرفة المطلقة.

من خلال العرض التالي سأحاول أن أضع اليد على بعض الثغرات ومواطن الضعف في هذه الرؤية التي تتعارض في نظري مع صريح القرآن فأتي بفقرات وأفكار أساسية تناظر صراحة هذه الرؤية الجديدة في قصة الخلق، ولا أفوت الفرصة بأن أقول أن هذا لا يعدوا أن يكون اجتهادا بشريا واستنباطا عقليا للمعاني يمضي عليه ما يمضي على البشر من أحكام السهو والخطأ راجيا من البارئ عز وجل أن يتجاوز عنا ويرزقنا ثواب هذا الاجتهاد.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾.

أما بعد،

فضيلة الدكتور عبد الصبور شاهين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

لن أطيل عليكم بمقدمة في ثناءكم وتمجيد ما قمتم به طوال تاريخ حافل بالدعوة إلى الله وتأصيل للفكر الإسلامي السليم، واسمح لي بأن أرتقي موضعا لست أهلا له، فأنا وإن كنت ذا تكوين علمي أكاديمي صرف لا يمت بأية صلة لعلوم القرآن واللغة فإني سأحاول من خلال هذا المقال أن أراجعكم في رؤيتكم لقصة الخلق وما أثارته من ضجة بين أهل الاختصاص ودعاة الإرهاب الفكري.

فأدعو الله أن يتسع صدركم وحلمكم لمجموعة من الاستفسارات والاعتراضات التي سأحاول أن أعقب بها في إطار حوار سليم ومنهجي، راجيا أن تشفع لي مضامينها فيما يشوبها من ركاكة في الأسلوب وقصور في الخلفيات اللازمة للخوض في مثل هذه القضايا المتعلقة بالمعرفة الإلهية الموصولة بالقرآن.

وأبدأ فأعرض اجتهادكم في قصة الخلق من خلال كتابكم : أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة ، أعرضه من ما تيسر لي من خلال لقاءتكم في بعض البرامج التلفزية والمواقع الإلكترونية ومن خلال دروسكم الحسنية في المغرب ولعل أبرزها درس : رؤية في قصة الخلق (1997م).

◄ مختصر الرؤية في قصة الخلق :

إن الله خلق في مرحلة أولية بشرا من قديم الزمان، وبعد سلسلة من المراحل التحولية التطورية التي امتدت طوال ملايين السنين لهذا الكائن الجديد، اصطفى الله آدم من بين البشر الهمج المتخلفين فزوده بملكات عليا (العقل، اللغة والدين) ارتقت به من صفة البشرية إلى صفة الإنسانية وجعله قائما بمهمة الخلافة في الأرض والتكليف برسالة التوحيد التي سقطت عن أسلافه من البشر :

﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة﴾.

تعتمد هذه الرؤية على مجموعة من الإشارات القرآنية تؤازرها اكتشافات علمية معاصرة، يقول الحق سبحانه في محكم كتابه :

- ﴿ إن الله اصطفى آدم﴾.

- ﴿ إذ قال ربك الملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾.

- ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون﴾

- ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾.

فأصل الخلق بشر لم يرد فيه ذكر آدم إلا بعد الاصطفاء، فأدم عليه السلام أول إنسان تألقت فيه الملكات الإلهية والقدرات الإنسانية فكان أول إنسان (أبو الإنسان) ويعتبر طليعة للجيل التكليف.

ومما يستشهد به على وجود "طور البشرية" قبل التطور والوصول إلى طور الإنسانية واصطفاء آدم عليه السلام ما تتعاون عليه الآيات القرآنية والبراهين التالية :

1- ما ورد في الحوار بين الله سبحانه والملائكة من استفسار واستعلام لسبب تكريم هذا البشر (آدم) لجعله خليفة خصوصا و ما سبقه من مرحلة دموية همجية بين البشر وهذا ما يستشف من جملة "ويسفك الدماء".

يقول الله تعالى : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لاتعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وماكنتم تكتمون﴾

فكان جوابه عز وجل بأن هذا المخلوق بتميز بملكات عليا من بينها "معرفة الأسماء" وهبه الله إياها في آخر مراحل التسوية للبشر : ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾.

﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ هذه الروح ليست روح الحركة لكونها أداة تتقاسمها جميع الكائنات، بل هي روح العلم والتمييز والاصطفاء.

2- ما ورد في الحوار بين أدم عليه السلام وابليس : ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾، هذا الحوار يثير قضية الخلود والفناء، هذا المعنى الذي لا نراه جديدا على المخاطب بحكم ما شهده من قتل وسفك دماء.

3- عدم مخاطبة البشر بالتكليف "يا أيها البشر" إنما التكليف مقرون بالإنسان في جميع الخطابات القرآنية.

4- ما ورد من حوار بين قابيل وهابيل : ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن أتبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوري سوءة أخي فأصبح من النادمين﴾.

القصة هنا تتضمن كل المعاني الأخلاقية الحضارية وطبقا للدين الحق : معنى التوحيد، معنى العدالة، معنى الظلم، الجنة والنار، الندم والتوبة، الاعتداء والكف عن الاعتداء، كل هذه المعان مجردة وعميقة قد نضجت في اللغة آنذاك نتيجة ملايين السنين من طور البشرية.

5- ما ورد في الآيات البينات من تركمات زمنية طويلة متراحبة تتوافق والنظرة العلمية الحديثة وتتعارض مع الأساطير والإسرائيليات.

﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾.

﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾

﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه﴾.

ومعلوم ما توصل إليه العلم الحديث من كون وجود الكائن البشري على ظهر الأرض يرجع إلى ملايين السنين في حين أن تاريخ أدم وجيله (الإنسان العاقل) لا يؤرخ إلا بسبعة آلاف سنة أو ما يزيد قليلا (أرقام أوردها بتحفظ).

وبهذا يكون آدم كفرد لا كنوع كآخر حلقات مشروع هذا الخلق ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ ويكون أبو الإنسان لا أبا البشر.

وتطرقت هذه الرؤية فيما تطرقت إليه إلى إشكالية الجنة التي سكنها أدم وزوجه قبل غواية الشيطان ومكانها في هذا الملك الفسيح لله تعالى، فدلت الآيات التالية على كونها مجرد بستان أرضي كان يوفر مجموعة من النعم الأساسية (نعمة المأكل والمشرب والملبس والمسكن) التي لا ترقى إلى أوصاف جنة الخلد التي أوعد المؤمنون.

﴿ إن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى﴾.

﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر إلى حين﴾.

فجنة الخلد لا تكليف فيها ولا غواية، أما الهبوط فهو هبوط رمزي من منزلة إلى منزلة وليس بالضرورة من السماء إلى الارض، كقوله عز وجل ﴿اهبطوا مصرا فان لکم ما سالتم ﴾.

I- تاملات في رؤيتكم لقصة الخلق :

يتبين مما قد سبق أن هذه الرؤية مثيرة للجدل تهدم ما تلقيناه من رواسب وأفكار تقليدية تخص خلق البشرية، جعلتني استصعب الأمر واقف حائرا أمام ظاهرة لها وزنها في فهم كنه الرسالة السماوية وتعاليم هذا الدين الحنيف.

فرحت أدقق وأمحص في ما جاءت به من فرضيات بشرية وتأويلات لنصوص القرآن. وأنا هنا سأحاول مناقشة هذه الرؤية على ضوء أسلوب عقلي ونقلي بسيط يقصي جميع المرجعيات الممكنة ويعتمد فقط على القرآن الكريم باعتباره، وكما ذهبتم إلى ذلك، المرجع الوحيد المقدس والمنزه والذي يضم بين ثناياه الحقيقة والمعرفة المطلقة.

من خلال العرض التالي سأحاول أن أضع اليد على بعض الثغرات ومواطن الضعف في هذه الرؤية التي تتعارض في نظري مع صريح القرآن، ولا أفوت الفرصة بأن أقول أن هذا لا يعدوا أن يكون اجتهادا بشريا واستنباطا عقليا للمعاني يمضي عليه ما يمضي على البشر من أحكام السهو والخطأ راجيا من البارئ عز وجل أن يتجاوز عنا ويرزقنا ثواب هذا الاجتهاد.

سأبدأ فأتي بفقرات وأفكار أساسية تناظر صراحة هذه الرؤية الجديدة في قصة الخلق :

II- هل جاء آدم من أب وأم بشريين؟

دعني، لكي أجيب على هذا السؤال، استحضر أحد أدوات البلاغة والإقناع في القرآن ألا وهو القياس. يقول الحق سبحانه في محكم كتابه :

﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾

آية أريد بها الرد على النصارى فيما يذهبون إليه من تأليه المسيح عليه السلام لكونه جاء نتاجا لخلق وولادة فريدة، لم يولد بها أحد من قبله فكان ابنا من أم وبلا أب. فكانت هذه المقارنة وهذا القياس لهذه الحالة الغريبة في الخلق بحالة أغرب منها لدلالة على كون خلق عيسى عليه السلام أهون وأيسر من خلق آدم عليه السلام لأن آدم جاء من دون أب و لا أم.

وقد استعمل القرآن هذا القياس المنطقي في مواضع عدة لدحض المجادلين من الكفار وأهل الكتاب ومثال ذلك :

﴿ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾.

فبعث الناس من خلال رفاث وبقايا عظام أيسر، عقليا، من البعث من العدم. ونعود فنبحر في مقارنة منهجية بين خلق أدم وعيسى عليهما السلام على ضوء تلك الآية، مقارنة لم يكن ليكون لها معنى إقناعي في القرآن لو كان آدم عليه السلام جاء من سلالة بشرية سابقة.

ولنستحضر في هذا الموقف الآيات التي تصف اصطفاء وولادة المسيح عليه السلام :

﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة من اسمه المسيح﴾ وهي آية تقابل إخبار الله تعالى الملائكة بخلق آدم وجعله خليفة في الارض.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقوله كن فيكون﴾.

استفسار مريم العذراء عليها السلام يقابله استفسار الملائكة : ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾

اصطفاء النبيين : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين﴾.

﴿ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾. ومرة أخرى نرى تشابها وطبقا لجملة ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ في كيفية الخلق ويتجلى ذلك في عدة مواضع من بينها:

- اقدمية الخلق : "إني خالق" صيغت في الماضي للدلالة على القدم وإخبار لأمر قبل كونه (بالنسبة لأدم) وكذلك "بكلمة منه" كلمة الله قديمة بقدمه (بالنسبة لعيسى عليه السلام) ﴿ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا﴾.

- التراخي في زمن التكوين بمشيئته سبحانه وتعالى "كن فيكون" فلو كان أمر الخلق واقعا مكتملا في حينه لكانت الصياغة "كن فكان" .

فالأمر موقوت بوقت معين وحتمية زمنية مقرونة به لابد من وقوعها فإذا كانت خليقة المسيح عليه السلام استغرقت على الأكثر ما تستغرقه مدة حمل طبيعية ﴿ فحملته فانتدبت به مكان قصيا فأجأها المخاض﴾، آخدين بعين الاعتبار التغيرات الطارئة على مقاييس الزمن الإلهي/ البشري فإني استغرب في ظل هذا القياس أن تطول خليقة آدم عليه السلام وأمر تسويته طوال ملايين السنين.

ونلاحظ أن ادوات بعث الحياة واحدة في كلا الموقفين :

- ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾

- ﴿ فنفخنا فيها من روحنا﴾.

فالثابت لدي، والروح من علم ربي، أن هذه الروح هي تلك الروح التي تبعث الحياة في المخلوق خصوصا من غير نسل أو توالد طبيعي قد تطولها قدرته عز وجل فتمنحها ما شاءت من الملكات يكسر بها الله تعالى حاجز السببية ويعجز بها عباده.

ولنتأمل جليا في الآية التالية :

﴿ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله﴾

أو ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني﴾.

ونقارنها بالآية :

﴿ إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾.

إني أخلق

من الطين

كهيئة

كناية التسوية

فأنفخ فيه فيها

فيكون طيرا بإذني

إني خالق
من الطين
سويته
ونفخت فيه
فقعوا له ساجدين
بداية الخلق
اكتمال الخلق

وكأني بالله تعالى يريد أن يستحضر لنا مشهد الخلق من جديد على يد عبد من عباده كلمته وروح منه نسب له صفة الخلق بنسبية تمنعها مشيئته وإذنه. هذا المشهد (خلق الطير) يمر من نفس مراحل التكوين وباستعمال نفس الأدوات ولله المثل الأعلى :









فلا أظن أن بني اسرائيل انتظروا ملايين السنين، ليروا اكتمال خلق الطير من غير نسل فيصدقوا معجزات المسيح عليه السلام ﴿ فتبارك الله احسن الخالقين﴾‏.

ونعرج مرة أخرى إلى الملكات التي زودها الله لعيسى عليه السلام :

﴿ فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾. فعيسى عليه السلام قد حرق المراحل وبمشيئته عز وجل، فأكتسب صفة ونضج اللغة منذ اكتمال ولادته فكان من باب أولى أن يكون أدم عليه السلام كذلك لا أن ينتظر طورا من البشرية ليكتسب أبجديات اللغة والكلام.

وإن لمن المقارنات العجيبة ما يزكي هذا القياس :

﴿ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، ويقول الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون﴾.

وإني لا أريد أن أتمادى فأقارن بين ما أوتي عيسى عليه السلام وأمه من الطيبات والنعم وبين ما أوتي أدم وزوجه أو أركن إلى لغة الأرقام في القرآن فأشير إلى أن ذكر النبيين (أدم وعيسى) ورد متساويا وهو 25 مرة.

وهكذا تنسجم كل القرائن القرآنية في فلك هذا القياس :

﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾.

مما جعل خلق آدم من أب وأم لا معنى له ويتعارض مع معنى هذا القياس ومغزى هذه المحاجاة.

II- التمييز ما بين طور البشرية وطور الإنسانية :

1- التمييز بين الإنسان والبشر :

وكما تعرفون " الإنسان" ,في رؤيتكم لقصة الخلق , فهو البشر الذي يمتاز بملكات العقل واللغة والدين أما " البشر" فيطلق على مخلوق الطور الذي سبق الإنسان المكلف (ذو رجلين، منتصب القامة...).

لكن هذا التعريف لا يثبت في كثير من المواضع في القرآن وأمام كثير من الآيات :

﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.

وهذه الآية تنسب لبشر صفة العقل والعلم "يعلمه بشر"، صفة اللغة "لسان" وصفة الدين بالنظر لسبب نزول الآية.

﴿ فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين من البشر أحد فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾.

هنا يظهر ترادف مصطلح "بشر" و"إنسان (إنسيا)" بشكل لا غبار فيه.

- ﴿ إن هذا إلا قول البشر﴾، ﴿ نذيرا للبشر﴾المدثر 25-36.

آياتان توردان لفظ بشر بالتعريف (البشر/للبشر)، فتلزمان جنس البشر بأكمله أوله وآخره باللغة والتكليف وبالتالي فالفرضية التي تورد البشر كقوم همج رفع عنهم التكليف وغابت عنهم ملكات العقل والدين واللغة فرضية مهزوزة بحكم ما ورد في الآيات السابقة من علل.

2- التراخي في مراحل تكوين الإنسان (أدم) :

تنبني فرضية التراخي في مراحل التكوين عند الإنسان فيما تنبني عليه في :

1- استعمال أدوات العطف التي قد تدل على ذلك.

2- استعمال كلمة "سلالة" في القرآن للدلالة على الأطوار المتلاحقة لتكوين.

1- استعمال أدوات العطف :

أدوات العطف التي وردت في قصة الخلق لا تنم بالضرورة على التراخي في الزمن. ويكفي استحضار آيات الخلق والإحياء والولادة لملاحظة ذلك :

- ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.

- ﴿ ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى﴾.

- ﴿ قال لصاحبه وهو يحاوره، أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا﴾.

- ﴿ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله﴾.

2- استعمال كلمة "سلالة"
يقول الله عز وجل :

﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾.

﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه﴾.

إن مجموع آيات القرآن تتناغم فيما بينها يكمل بعضها بعضا لتعطينا وصفا دقيقا لأطوار الخلق وما مر به الإنسان من مراحل تكوينية، فلندقق في مراحل تسلسل الخلق انطلاقا من القرآن لنستوعب مدلول كلمة سلالة :

- سلالة من طين : ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾

تراب

طين

طين لازب

صلصال

حمأ مسنون

نفخ الروح

أدم

سلالة من طين








نطفة

علقة

مضغة

طفل

الزوجين ذكر وأنثى

ذكر وأنثى

نسل

سلالة من ماء مهين

- سلالة من ماء مهين : ﴿ ألم يك نطفة من مني يمنى (ماء مهين) ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾.







سلالة من طين
إنسان/بشر بعد أدم

سلالة من ماء مهين

أدم

ثم حواء

تراب

البعث

فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا

تزاوج عناص حية مورثة

إذن لا تناقض في الآيات بل لدينا نظرة شمولية :











فإنسان اليوم أو أي عصر (ما عدا آدم عليه السلام وزوجه) هو نتيجة تلاقح عناصر حية تورث من الأجداد إلى الآباء إلى الأحفاد إلى يوم الدين.

هذه السلالة تجد أصلها عند أبونا آدم عليه السلام الذي لم يورث أي شيء "حي" من قبل بل جاء من أصل جامد ميت لا حياة فيه (التراب). لدى وجب التفريق والتمييز بين "سلالة من طين" لا حياة فيها إلى حين اكتمال الخلق و"سلالة من ماء مهين" فيها نسل وتلاقح لعناصر حية مورثة.

فأسلوب القرآن يختصر فتدوب فيه الأزمنة والأمكنة فتجده تارة يركز على المرحلة الترابية والسلالة الطينية خصوصا عند ذكر أدم وأصل الخلق في غياهب الزمن وتارة يشير بعجالة لهذا الأصل الترابي ويفصل المرحلة التناسلية (سلالة من ماء مهين) لأنها مجردة وملموسة للعيان :

- ﴿ هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا﴾.

- ( اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا و شيبة يخلق مـا يشـاء وهو العليم القدير )

- ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم﴾.

- ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث﴾.

وإذا كان الحق سبحانه تحدث عن السلالة الطينية وإعجازها بغيبية فإنه عز وجل عاد فاستحضرها بحالة هجينة بين السلالتين وهي معجزة ولادة عيسى عليه السلام فكانت هذه الحالة طفرة في سلالة التناسل بأن خلق المسيح عليه السلام مولودا من كائن "حي" وحيد.

لطالما كانت مسألة الخلق تثير حفيظة المشركين لأنها مفتاح لمسألتي البعث والحساب في اليوم الآخر فالذي يؤمن بها ويؤمن بإعجاز مراحلها ابتداء من المرحلة الترابية يمكن أن يؤمن بالبعث من أصل ترابي كذلك :

- (قالوا ائذا متنا وكنا ترابا وعظاما ا انا لمبعوثون اوآباونا الاولون ‏)

- (ایعدکم انکم اذا متم وکنتم ترابا وعظاما انکم مخرجون هیهات هیهات لما توعدون ان هی الا حیاتنا الدنیا نموت ونحیا ( سلالة من ماء مهين) وما نحن بمبعوثین)

- ( بل قالوا مثل ما قال الاولون قالوا ائذا متنا وکنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباونا هذا من قبل ان هذا الا اساطیر الاولین).

لهذا نرى النص القرآني يطوف بنا في رحلة طويلة للخلق (سلالة من طين + سلالة من ماء مهين) ليسهل علينا هذا الاستنتاج بإ مكانية البعث والإيمان به :

- ﴿ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا﴾.

- ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾.

- (وکانوا یقولون ائذا متنا وکنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون او آباونا الاولون قل ان الاولین والآخرین لمجموعون (سلالة من طين + سلالة من ماء مهين) الی میقات یوم معلوم)

- (ائذا متنا وکنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون اوآباونا الاولون قل نعم وانتم داخرون فانما هی زجرة واحدة فاذا هم ینظرون وقالوا یا ویلنا هذا یوم الدین هذا یوم الفصل الذی کنتم به تکذبون)

- ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا ًبإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني﴾

- ﴿إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ﴾

وفي نظري فهذا هو سبب عدم الالحاح على ذكر آدم في قصة الخلق (سلالة من طين) لأنه خلق تقاسمناه جميعا في الأزل وسنتقاسمه في البعث ﴿ ولقد حلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾.

أعود فأستحضر قول الحق سبحانه :

﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه﴾.

وأنا هنا لا أريد الخوض من جديد في المعاني التي يمكن أن تتحملها كلمة سلالة، بل نفرض كما افترضتم أنها تطلق على بشر الأطوار القديمة الذی ولد و تفانى قبل آدم ولكن هذا الافتراض ما يلبث أن يصطدم بصدر نفس الآية التي تنفي النقوص وعدم الإتقان عن كل خلق الله تعالى ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه﴾.

إذن ليس هناك مخلوق بشري ناقص التسوية مستقل بذاته قبل آدم بل هو مشروع واحد للخلق.

III- إشارات قرآنية في مشهد الخلق :

1- ﴿ إن الله اصطفى آدم﴾:

إن ظاهرة الاصطفاء لا توحي بالضرورة إلى اصطفاء آدم من بين بني جنسه أو اصطفائه من بين حيوانات ودواب بل هو اصطفاء من بين كائنات ومخلوقات قد تعادله أو تفوقه في الملكات وفي درجات الطاعة والعبودية.

ومن ذلك :

تساؤل الملائكة استنكارا : ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾.

تفاخر ابليس : ﴿ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾.

قوله عز وجل : ﴿ ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾.

فأفضلية أدم وذريته ليست مطلقة على كل الخلق بل "على كثير" وهي أفضلية على خلق لديه ﺻفة العقل "ممن خلقنا" وليست أفضلية فقط على الجماد (الجبال والارض...) وعلى الحيوانات ذوات الحركة.

﴿ فاستفتهم اهم اشد خلقا ام من خلقنا انا خلقناهم من طین لازب﴾.

إذن فاستعمال كلمة الاصطفاء (أو التكريم) له ما يبرره بوجود مخلوقات أكثر ترشحا لينلها. غير أني أميل إلى كون الاصطفاء الوارد في الآية اصطفاء للنبوة وليس اصطفاء للخلافة بدليل الآيتان التاليتان :

﴿ وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾.

﴿ إن الله اصطفى أدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين﴾.

فالاصطفاء والاجتباء كان للنبوة واقتصر على خلق قليل من ذريته من المرسلين والنبيئيين.

2- ﴿ من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ :

أولا يجب أن نتذكر أننا نخوض في أمور غيبية لا نملك لملامستها إلا ما يسيره الله لنا من علم، فالمشهد غير واضح والصورة غير مكتملة وسيناريو الحوار مقتضب لحكمة يعلمها الله ولو بالنظر لكافة الآيات التي تصف بأسلوب ظني قصة خلق آدم عليه السلام﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾.

فالملائكة يمكن أن تخبر بهذا القول "من يفسد فيها ويسفك الدماء" من خلال :

معرفتها بفساد الجن في الارض : ﴿ والجان خلقناه من قبل﴾، ﴿ إلا إبليس كان من الجن﴾ وسفك الدم ليست بالضرورة دلالة على وجود بشري بل هي مجردة كناية عن القتل والفناء.

معرفتها بالكائنات التي سكنت الارض قبل أدم.

علم سبق أن علمه الحق سبحانه لها بهذا الخصوص : ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾.

وهنا يجب أن نثير مسألة مهمة تخص مدى تفصيلية الحوار في الخطاب القرآني وخصوصا في هذا المشهد وما زج فيه من مصطلحات مستترة "أسماء هؤلاء" "إن كنتم صادقين "ما كنتم تكتمون" "يسفك الدماء"، فإذا تساءلنا عن معرفة الملائكة ربما للماضي الدموي أو المستقبل الدموي لأحد المخلوقات حق لنا التساؤل بنفس الكيفية عن ما أخبر به إبليس في حواره مع الله عن وجل في نفس المشهد :

﴿ قال فأخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، قال ربي فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين إلى يوم وقت المعلوم﴾. ولنتوقف عند كلمة "يبعثون" التي توحي بمعنيان مهمان :

معنى البعث الذي يمكن أن يستنبط مما سبق من حوار "إلى يوم الدين".

ومعنى تكاثر الخلق من ذرية أدم لأن إبليس صاغ الفعل بصيغة الجمع مما يستوجب وجود بشري آخر مكلف من غير آدم (عليه السلام) على الأقل، وربما كانت حواء لتحقيق إمكانية التكاثر أو الاصطفاء وفي آية أخرى ﴿ قال أرءيتك هذا الذي كرمت لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا﴾.

إذن كيف أخبر ابليس بتكاثر الخلق من ذرية أدم إذ كان لا يرى أمامه إلا مخلوقا واحدا يستكبر وستعلي أن يسجد له؟

وخلاصة القول أن القرآن يخاطب فينا العقول ويدعوها لأن تتقد لكن يحتفظ بغموض وغيبية تتعلق بسر الخلق وسر التكليف

- ﴿ ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم﴾.

- ﴿ وما أتيتم من العلم إلا قليلا﴾.

3- ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ :

هذه الآية الكريمة توحي بأن معان الخلد والملك معروفتان لدى المخاطب (أدم) الذي قد يكون قد تعلمها فيما علمه الله سبحانه ﴿ وعلم أدم الأسماء كلها﴾. وهو تعليم رباني مباشر يتعدى تلقين الدال والمدلول ليصل لكل العلم اللازم للخلافة والتكليف والاستعمار في الارض.

ثقافة الفناء مثلا كانت سائدة ومعروفة لدى بعض المخلوقات (الملائكة) التي كانت تحتك بهذا المخلوق الجديد ﴿ ويسفك الدماء﴾.

أما القول بأن أدم إنما اكتسب هذا النضج اللغوي والمعرفي من خلال تراكمية في الزمن ونضج في اللغة جاءا نتاجا لسلالة بشرية وطور بشري من الارتقاء إنما يتعارض مع فرضية الاصطفاء التي جئتم بها. ونأخذ كمثل لهذا قصة ابني أدم قابيل وهابيل اللذان كان لديهما مستوى راقي وناضج في اللغة و التفكير وقضايا التكليف من خلال المعان التي أسلفت في مختصر رؤيتكم لقصة الخلق والحقيقة فإني أستغرب ولا أستصيغ معرفتهما لكل تلك المعاني وجهلهم لكيفية الدفن. ألم يلحظا بشرا، بكل معنى الكلمة وبكل ما تحمل الكلمة من معنى لديكم من همجية وتناحر، يقتل أو يموت فيدفن طوال ملايين السنين من طور البشرية؟

خاتمة :

أستاذي الفاضل :

دأب بعض الباحثين على استنطاق الآيات لتفسير ما جاءت به من سوابق وإعجازات علمية قرآنية سبقت ظهور الاكتشافات العلمية الموازية لها. وإني كرهت، وإن كان في ذلك بعض الفائدة، أن يعرض القرآن بقدسيته و قدسية حقائقه لنسبية الأبحاث العلمية التي تتسم بالتغيير.

وإن كنا نتفق على كون نظرية داروين لا تستحق حتى هذا القليل من المداد لتكتب به فإن ما جئتم به يوافق على الأقل مفهومين من مفاهيمها الأساسية : تطور الكائنات عبر تراكمات زمنية رحبة وصراع مخلوقات الجنس الواحد ليتبقى منها الجنس الأصلح والموهوب وينقرض الباقي، تقول النظرية :

"في فترة ما في المستقبل ليست بعيدة بمقياس القرون يكاد يكون مؤكدا أن الأجناس المتحضرة من البشر ستتمكن من استئصال الأجناس الهمجية والحلول محلها في كل أنحاء العالم".

فلهذه النظرية حالات تطبيقية مثل ما حدث في أمريكا بين الأوربيين البيض والهنود الحمر لكن من الخطأ اعتبارها سنة الله في الخلق، فالأصل أن سنة الله التدافع وليس النزاع.

وما حدث من انقراض و استئصال ا ومسخ لبعض الخلق إنما هو تجسيد للإرادة و العقوبة الإلهية, كما قال تعالى :

- ﴿ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الاخرين وسلام على نوح في العالمين، انا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الأخرين﴾.

- ﴿ حتی اذا بلغ بین السدین وجد من دونهما قوما لا یکادون یفقهون قولا قالوا یا ذا القرنین ان یاجوج وماجوج مفسدون فی الارض فهل نجعل لک خرجا علی ان تجعل بیننا وبینهم سدا قال ما مکنی فیه ربی خیر فاعینونی بقوة اجعل بینکم وبینهم ردما آتونی زبر الحدید حتی اذا ساوی بین الصدفین قال انفخوا حتی اذا جعله نارا قال آتونی افرغ علیه قطرا فما اسطاعوا ان یظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربی فاذا جاء وعد ربی جعله دکاء وکان وعد ربی حقا وترکنا بعضهم یومئذ یموج فی بعض ونفخ فی الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم یومئذ للکافرین عرضا﴾.

- ﴿ ولقد علمتُمُ الذين اعتَدَوْا منكم في السَّبْت فقلنا لهم كونوا قِرَدَةً خاسِئين )

- ( قُلْ هل أنَبِّئُكم بشَرٍّ من ذلك مَثوبةً عند اللهِ ، مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عليهِ وجَعَلَ منهم القِرَدَةَ والخنازير وعَبَدَ الطَّاغوتَ أولئكَ شَرٌّ مَكَاناً وأضَلُّ عن سواءِ السَّبيل )

- ( فلما عَتَوْا عمَّا نُهُوا عنهُ قُلنا لهم كونوا قِرَدَةً خاسئين )

كما أن لا تطورية في خلق الإنسان إلا كما أسلفت من وصف ﴿ وقد خلقكم أطوارا﴾.

إن ما اتكلتم عليه من براهين علمية إن هي إلا مجموعة من الأبحاث الظنية التي لا ترقى إلى درجة الحقيقة المطلقة بل تفتقد إلى المصداقية والموضوعية والدقة العلمية بين أهل الاختصاص أنفسهم لما اتسم به علم الأحياء من صراع لفرض إيديولوجيات وفسلفات لا تمت للعلم بصلة غرضها الوحيد ترسيخ نظرية داروين واستغلال تجلياتها.

وإني أرى أن لا ضير أن يتعارض العلم بنسبته والنص السماوي بغيبته في زمن من الأزمان على أن لا تكون محاولته التوفيق بينهما على حساب ثبوتية النص الديني.

أبي وأستاذي الفاضل، لقد سمحت لي نفسي فراجعتكم بكل تواضع في رؤيتكم للخلق وبرهنت أبوة أدم عليه السلام للبشر أجمعين من خلال النصوص القرآنية وإن كان في السنة الصحيحة والتفاسير ما يعاضدها, غير أني لم أسترسل فأخوض في مسائل فرعية كمسألة الجنة التي سكنها أدم عليه السلام.

راجيا أن يكون هذا البحث مخلصا لله تعالى وادعوا الله عز وجل أن يرزقنا ثواب الاجتهاد والإصابة ويرزقك طول العمر في خدمة هذا الدين.

مع فائق تحياتي والسلام

الجديدة, في 31/08/2004

ابنكم عبد الحق عقال

طالب باحث لنيل الدكتوراه

في مجال شبكات المعلوميات والاتصالات

كلية العلوم-الجديدة(المغرب).

البريدالإلكتروني :aqqal_abdelhak@hotmail.com


--------------------------------------------------------------------------------

المراجع الإلكترونية :

- رؤية في قصة الخلق لدكتور عبد الصبور شاهين

- الزيف الاشتقاقي لدكتور حمزة بن قبلان المزيني

- خديعة التطور لهارون يحيى

- مقالات في شبكة هجر الثقافية و منتدى الكتاب


--------------------------------------------------------------------------------
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 12:48 PM   #43
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
الرد على د. عبد الصبور شاهين.. الزيف الاشتقاقي.. ونظرية دارون.. والقران الكريم

--------------------------------------------------------------------------------

أرجو من المشرف عدم نقل الموضوع إلى الملقى المفتوح
بل أرجوه أن يقرأ بحثي هذا كاملا ليعرف مدى صلته القوية بالقران الكريم وتفسيره

هذا البحث هو جزء من كتابي:

غزو معاقل الداروينية
ونسف نظرية التطور

تأليف

أبو صلاح الدين

كافة حقوق التأليف والطبع والنشر والتوزيع محفوظة؛ فلقد سارعت بتسجيل البحث وتوثيقه؛ لأني قد تعرضت من قبل لـ((سرقة)) بعض أبحاثي, وأنقذتني رحمة الله تعالى وعنايته. ويحق لكل أحد أن ينشر هذا الجزء على الشبكة بشرط ذكر المصدر والإحالة على هذا الموقع الكريم



حول د. عبد الصبور شاهين
وقع د. عبد الصبور شاهين فيما يسمى بـ"الزيف الاشتقاقي" – وقد نبه على ذلك مشكورا د. حمزة بن قبلان المزيني في مقال له بإحدى الجرائد السعودية, أسهب فيه وأفاد وأجاد, وقد استفدت منه كثيرا.. وأضفت إليه الكثير هنا كما سترى أخي القارئ بعون الله. ولي عليه بعض المؤاخذات والملاحظات ليس هذا محل ذكرها- في كتابه أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة. القاهرة: مكتبة الشباب، 1998, فقد وقع – تجاوز الله عن زلاته- في مغالطات كثيرة.., وإليك التفصيل :

**النقطة الأولى: تمييزه بين كلمتي "البشر" و"الإنسان". افترض أن كلمة "بشر" تطلق على الأطوار القديمة التي كان عليها الإنسان قبل استصفاء الله لآدم من بين بقية المخلوقات التي يطلق عليها "بشر". فالبشر: "تسمية لذلك المخلوق الذي أبدعه الله من الطين". فبين (البشر والإنسان) عموما وخصوصا مطلقا، فـ (البشر) لفظ عام في كل مخلوق ظهر على سطح الأرض، يسير على قدمين، منتصب القامة، و(الإنسان) لفظ خاص بكل من كان من البشر مكلفا بمعرفة الله وعبادته، فكل إنسان بشر، وليس كل بشر إنسانا.
الــرد: كلمة "بشر" مرادف لكلمة "إنسان" بشكل لا لبس فيه, انظر مثلا المعجم الوسيط ومعجم ألفاظ القران الصادرين عن مجمع اللغة العربية. وهذا معلوم من اللغة بالضرورة, ولا حاجة للتوسع فيه أو استقصائه عند كل من كان له قلب.
ولقد نسي أو تناسى د. شاهين الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ (آل عمران:59), فهذا يؤكد أن آدم - وهو يطلق عليه "إنسان" باعتراف د. شاهين- خلقه الله خلقا مباشرا من طين(تراب). والآية: ﴿خَلَقَ الإنسانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14), وهي صريحة كل الصراحة في نقض ودحض شبهات د. عبد الصبور شاهين.‏
وكلمة "بشر" في القرآن الكريم استعملت في المعاني التالية:
أ- بمعنى رجل: ومن الشواهد على هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى:
"قالت رب أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر" (آل عمران، 47), وهو المعنى الذي نجده في الآيات:
1ـ"وقلن حاشا لله ما هذا بشرا" (يوسف31)
2ـ"ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلِّمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" (النحل103)
3ـ "فتمثل لها بشرا سويا" (مريم17)
4ـ"قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر" (مريم ، 20)
5ـ"فكلي واشربي وقَرِّي عينا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26). لاحظ أخي القارئ كلمتي "البشر" و "إنسيا". والدكتور شاهين لم يورد هذه الآية في الكتاب كله. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن سر عدم إيراده لها: أتراه يجهلها؛ أم أنه نسي الإشارة إليها؛ أم أنه لم ير فيها شيئا جديدا يضاف إلى ما ورد في الآيات التي أوردها؟ أتراه تعمَّد عدم ذكرها لأنه يعرف أنها أوضح دليل ينقض فرضيته بدليل إيراده الآية 79 من سورة آل عمران غير كاملة، فقد أوردها على الصورة التالية: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة" (ص69 من كتابه). وربما بدا للقارئ غير المتمعن أن معنى هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ينفي أن يكون "البشر" أهلا لتلقي "الكتاب والحكم والنبوة"، أي "التكليف"، بمصطلح الدكتور شاهين. وهو ما يتماشى مع فرضية الدكتور شاهين التي تقضي بأن "البشر" نوع بدائي قديم لم يؤهله الله لتلقي الكتاب ولم يؤته الحكم ولا النبوة التي اختص بها الإنسان الذي يمثل نوعا متطورا جاء بعد "البشر" بآجال طويلة، وصار "مكلفا بالتوحيد والعبودية". أما هذه الآية بتمامها فهي : "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلِّمون الكتابَ وبما كنتم تدرسون".
والواضح أن معنى هذه الآية ينصرف إلى الأنبياء على وجه الخصوص، بل أجزم أن المقصود فيها على وجه التحديد هو عيسى عليه السلام؛ بدليل سياق الآية, وهو ما يعني أنها موجهة لمن يدخل في جنس "الإنسان"، بتعريف الدكتور شاهين.
بل إن كلمة " بشر" لا يمكن أن تفهم في بعض الآيات إلا على أنها تدل على "الرجل". وذلك في مثل الآية التي ذكرتها هنا والآية (20) في سورة مريم: "قالت أَنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر" (مريم ، 20). فمن الواضح أن مريم عليها السلام تستغرب، في هاتين الآيتين، أن تلد غلاما من غير أن يمسها رجل؛ إذ لا يمكن أن تخاف من أن تمسها امرأة في هذا السياق. يضاف إلى ذلك أن هاتين الآيتين تصوران حدثا وقع في زمن يدخل فيما يطلق عليه الدكتور شاهين "زمن التكليف"؛ أي أنه وقع في طور "الإنسان"، لا طور "البشر"، إذا استعملنا مصطلحات المؤلف. فاستخدام كلمة "بشر" في هاتين الآيتين ينفي المعاني التي يراها الدكتور شاهين لهذه الكلمة؛ وهي بذلك دليل ضد فرضيته في هذا الكتاب التي تحصر مفهوم كلمة "بشر" على الطور الذي سبق الإنسان المكلف. كما أن الآيات الكريمة الأخرى تدل دلالة أكيدة على أن المقصود إنما هو الإنسان الذَّكر، أي الرجل.
لقد تناقض شاهين مع نفسه من حيث لا يدري, فتناقض في تفسيره لكلمة البشر, فقال: (البشر) لفظ عام في كل مخلوق أبدعه الله من طين ظهر على سطح الأرض، يسير على قدمين، منتصب القامة. وقال في مكان آخر: كلمة "بشر" تطلق على الأطوار القديمة التي كان عليها الإنسان قبل اصطفاء الله لآدم من بين بقية المخلوقات التي يطلق عليها بشر. والبشر عند عبد الصبور " ليس أهلا لتلقي الكتاب والحكم والنبوة "، أي ليس أهلا للـ"التكليف" بمصطلح الدكتور شاهين. فهو يقضي بأن "البشر" نوع بدائي قديم لم يؤهله الله لتلقي الكتاب ولم يؤته الحكم ولا النبوة التي اختص بها الإنسان. أقول: فلتحدد موقفك يا دكتور, هل البشر هو كل مخلوق من طين (وهذا التعريف يشمل كل من يطلق عليه إنسان في عرف الدكتور) ؟! أم هو من ليس أهلا للتكليف (وهذا يخرج كل من يطلق عليه إنسان في عرفه المزعوم أيضا). إن لفظ "البشر" يرد في مجال التكليف كقوله تعالى : "وما هي إلا ذكرى للبشر" (المدثر31), "نذيرا للبشر" (المدثر36). فهذا يدل على أن البشر "يُنذَرون" و"يُذكَّرون". وهو مما يدل على اكتمال مؤهلاتهم العقلية واللغوية أيضا، وأنهم وصلوا إلى مرحلة التكليف التي تدل على مستوى "الإنسان" في اعتقاد الدكتور. لذلك فإن تمييزه بين الكلمتين باطل عاطل لا معنى له.

ويزداد التناقض بقوله: بين (البشر والإنسان) عموما وخصوصا, فكل إنسان بشر، وليس كل بشر إنسانا. أقول: يا دكتور, كيف يكون كل إنسان بشر, والبشر ليس أهلا للتكليف على حد قولك.. ؟!! فنحن عندما نقول كل شيء كذا, فهذا "الشيء" يجب أن يكون شاملا لكل مواصفات ومقومات الـ "كذا ". هذا مثل قولنا: كل رسول نبي, وليس كل نبي رسول. فكل رسول فيه كل مواصفات ومقومات النبي, ويزيد عليه بأشياء أخرى.., فتأمل منصفا.

ب_ بمعنى "نبي" أو "أنبياء": حيث تأتي كلمة "بشر" كذلك في سياق الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ وذلك في وصف الله سبحانه وتعالى للأنبياء بأنهم من جنس الإنسان. كما تأتي في وصف الأنبياء لأنفسهم بأنهم من بني الإنسان وإنما فُضِّلوا على غيرهم بالاختصاص بالرسالة. وتأتي كذلك في الدلالة على استنكار أقوام الأنبياء أن يرسل الله تعالى رجالا منهم أنبياء. وقد حدث كل ذلك في الفترة التي يمكن أن يسميها الدكتور شاهين بفترة طور "الإنسان". وذلك كما في قوله تعالى: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" (آل عمران 79). وهذا هو المعنى الذي نجده كذلك في الآيات:
1ـ"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونها قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" (الأنعام91). فموسى هنا من جنس البشر.
2ـ "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين" (إبراهيم 10)
3ـ"قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (إبراهيم11)
4ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بربه أحدا " (الكهف110)
5ـ"لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم لا تبصرون" (الأنبياء3)
6ـ"وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون" (الأنبياء34)
7 ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" (المؤمنون24)
8ـ"ولو أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون" (المؤمنون 34)
9ـ"ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين" (الشعراء154)
10ـ"وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين" (الشعراء186)
11ـ"قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما انزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون" (يـس15)
12ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين" (فصلت6)
13ـ"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليٌّ حكيم" (الشورى51)
14ـ"ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد" (التغابن6)
15ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين" (هود27)
16ـ"أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا" (الإسراء 93)
17ـ"وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا" (الإسراء94)
18ـ"ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون" (المؤمنون34)
19ـ"فقالوا أنؤمن لبشريْن مثلنا وقومهما لنا عابدين" (المؤمنون 47)
20ـ"فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر" (القمر24)


ج- وتأتي كلمة "البشر" في الدلالة على آدم؛ أو على عموم أفراد بني الإنسان، فيما يتصل بالخلق:
كما في قوله تعالى:"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28). وهو المعنى الذي في الآيات:
1ـ"قال لم أكن أسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون" (الحجر33)
2ـ"إذ قال ربك إني خالق بشرا من طين" (ص71)
3ـ"وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا " (الفرقان54)
4ـ "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" (الروم20)
د- وتأتي في الدلالة على بني الإنسان عموما، فيما لا يتصل بالخلق: كما في قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير" (المائدة18). وهو المعنى في الآيات:
1ـ"إن هذا إلا قول البشر" (المدثر25)
2ـ"وما هي إلا ذكرى للبشر" (المدثر31)
3ـ"نذيرا للبشر" (المدثر36)
ومن الواضح أن كلمة "بشر"، منكَّرة ومعرَّفة، في هذه الآيات إنما تنصرف إما إلى "الرجل" أو إلى أفراد من جنس الإنسان في الطور الذي يمكن أن يسميه الدكتور شاهين بطور التكليف.
هذه الكلمة في بعض الآيات لا تدل إلا على "الإنسان" في الفترة التاريخية لبني الإنسان. ومن أوضح الآيات دلالة في هذا المعنى الآية التي وردت في سورة مريم، وهي قوله تعالى:
"فكلي واشربي وقَرِّي عيْنا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26).
وكما هو واضح في هذه الآية فإن مريم عليها السلام تستطيع رؤية "البشر"، وهو ما يعني أنهم الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة التاريخية. ثم إنه لما لم يكن لكلمة "البشر" مفرد من لفظها فقد استعمل القرآن الكريم وصفا من المادة اللغوية التي جاء منها لفظ "الإنسان" وهو "إنسي". وما دام أن كلمة "إنسي" استخدمت وصفا لـ"البشر" فإن هذا يدل دلالة أكيدة على أن "البشر" مرادف لـ"الإنسان"، وأن فرضية المؤلف التي تقوم على التمييز بينهما في الدلالة لا تصح.
ويدعي د. عبد الصبور شاهين أن الإنسان " تطور" عن البشر. أقول: يا دكتور, إن لفظ "الإنسان" ورد في حديث القرآن عن قصة الخلق مسبوقا وملحوقا بالكلمات نفسها التي وردت مع اللفظ "بشر". وذلك في مثل قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر26), "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28).

**النقطة الثانية: تفسيره لكلمة "سلالة" في قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" [المؤمنون12]. ويعني هذا أنه يفسر كلمة "سلالة" هنا لتدل على أن المعنى في هذه الآية أن الإنسان جاء من سلسلة آباء خلقوا من طين، " وكأن الآية تدفع عن العقل احتمال إدماج العمليتين [خلق البشر وخلق الإنسان] في عملية واحدة، فالإنسان خلق من (سلالة) نسلت من(طين)، أي: إنه لم يخلق مباشرة من الطين، فأما ابن الطين مباشرة فهو (أول البشر)، وكان ذلك منذ ملايين السنين" (ص90 من كتابه) ويقول: " فخلق الإنسان (بدأ من طين)، أي: في شكل مشروع بشري، ثم استخرج الله منه نسلا (من سلالة من ماء مهين)، ثم كانت التسوية ونفخ الروح، فكان (الإنسان) هو الثمرة في نهاية المطاف عبر تلكم الأطوار التاريخية السحيقة العتيقة" (ص91 منه).
الــرد :
أولا: تفسيره لكلمة "سلالة" يعتمد على تمييزه بين "البشر" و"الإنسان". وما دام أنه اتضح أن تمييزه بين الكلمتين باطل, فإن الدلالة التي يراها لكلمة "سلالة" باطلة.
ثانيا: السلالة في اللغة(انظر المعجم الوسيط, ومعجم ألفاظ القران) هي :
أ- ما استُل من الشيء وانتُزع. ويشهد لهذا قوله تعالى " ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ".
ب- خلاصة الشيء, كخلاصة الغذاء مثلا. ويشهد لهذا الآية السابقة أيضا.
وبهذا يتضح معنى الآية لكل ذي لب منصف باحث عن الحق والحقيقة.., وهو: " ولقد خلقنا الإنسان من خلاصة من الطين". ومن كابر وعاند وقال بقول الدكتور, فيلزمه أن يقول بهذا في الآية سابقة الذكر, وهذا قول لا يقول به مجنون, وما لزم منه باطل فهو باطل.. فتأمل منصفا ولا تشطط.

**النقطة الثالثة: دلالة حروف العطف : يقول في تفسير قوله تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" (الأعراف11) : "وهما مرحلتان في عمر البشرية، لعلهما استغرقتا بضعة ملايين من السنين. . . ومع ملاحظة استعمال الأداة (ثم) التي تفيد التراخي بين الأمرين" (ص86 من كتابه). ويقول عند الكلام على قوله تعالى: "وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه", يقول: "والأداة (ثم) للترتيب مع التراخي، وكأن استعمالها في هذا السياق ترجمة لمفهوم الزمان المتطاول الذي عبر عنه الظرف (إذا)، في مقابل استخدام الفاء أو الواو في ربط أجزاء أخرى من الآيات، تعبيرا عن التعقيب أو مطلق الجمع".(ص105ـ106 من كتابه).
الــرد :
أولا: كلامه يعتمد على تفريقه بين لفظي البشر والإنسان, وفد أبطلنا ذلك من قبل والحمد لله. فما بني على باطل فهو باطل, وهذا يكفي في رد كلامه من أساسه.
ثانيا: إننا حين نتأمل الحالات التي يرد فيها حرف العطف "ثم" في القرآن الكريم نجد أنه ورد في التعبير عن الفترات القصيرة نحو مدة الحمل, مثل " ثم " في قوله تعالى ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً﴾ (فاطر: 11). ومثل "الفاء" في قوله تعالى: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركَّبك" (الانفطار 6ـ8). وغير ذلك الكثير والكثير من الآيات, ولا داعي لاستقصائها لكل من تأمل وأنصف.
أما بالنسبة لقوله تعالى "خلقناكم ثم صورناكم" .. فخلقناكم معناها: أوجدناكم وأبدعناكم من لا شيء, وعلى غير مثال سابق. وصورناكم معناها: جعلنا لكم صورا مجسمة.(انظر معجم ألفاظ القران). والفعل(جعل) في اللغة من (أفعال التحويل) كما هو معلوم عند المبتدئين, وهذا ينطبق على ما نحن فيه تمام الانطباق.. فإن الإنسان في أول أمره خلق من تراب, ثم عجن بالماء فصار طينا, ثم مكث حتى صار حمأ مسنونا, ثم يبس هذا الحمأ المتغير الرائحة حتى صار صلصالا(أي: يظهر صوتا إذا نقر عليه).., فأصبح الإنسان جسدا وصورة مجسمة. فـ "خلقناكم ثم صورناكم" ورد في التعبير عن المراحل والفترات القصيرة التي مر بها خلق الإنسان من التراب إلى الصلصال ونفخ الروح. والمقصود بالآية آدم عليه السلام, ويؤكد ذلك سياقها " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا.. خلقتني من نار وخلقته من طين". ولاثبات أن المقصود بخلقته من طين هو آدم.. انظر كلامي في فصل(الحجج الدامغة من القران).


انتهى المراد, والحمد لله أولا واخرا.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 12:53 PM   #44
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
الزيف الاشتقاقي"
"أبي آدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة"
تأليف: الدكتور عبد الصبور شاهين
مراجعة د. حمزة بن قبلان المزيني

يصف علماء اللسانيات تتبع تاريخ الكلمات ومحاولة اكتشاف أصولها والمعاني الأصلية القديمة لها بـ"الزيف الاشتقاقي". ويقوم هذا المنحى من البحث على محاولة الربط بين كلمة ما وبين معنى أصلي مفترض لها في طور متقدم من اللغة نفسها، أو بينها وبين معناها في اللغة التي اقتُرضت منها، إن لم تكن هذه من الكلمات الأصلية في تلك اللغة المعينة. ويلاحظ علماء اللسانيات أن من الممكن أن نتتبع معنى كلمة ما حتى نصل إلى فترات قديمة معينة في تاريخ لغة ما، لكننا نُواجَه، بعد تلك الفترة، بطريق مسدود لا يمكننا تجاوزه إلا بضرب من الخيال. ولذلك تبوء أغلب هذه المحاولات بالفشل، بل ربما تصل إلى حد كبير من السخف، وذلك ما يجعلها مجالا للتندر والسخرية.

ويعد كتاب الدكتور عبد الصبور شاهين(أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة. القاهرة: مكتبة الشباب، 1998)، كما سيتبين من هذه المراجعة، مثالا واضحا لهذا "الزيف الاشتقاقي".

وسوف أعرض هذا الكتاب هنا مبينا الفرضية التي يقوم عليها. كما سأبين الطرق التي سلكها المؤلف في محاولاته البرهنة على تلك الفرضية، وسيتبين لنا أن هذه الفرضية والبراهين التي ساقها المؤلف عليها لا تتمتع بكثير من الإقناع.

الغرض من تأليف الكتاب:
يبين الدكتور عبد الصبور شاهين أن ما دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، الذي استغرق تأليفه خمسة وعشرين عاما، كما يقول، أنه وجد أن". . . نظرة القدماء إلى قصة الخلق قد تأثرت بالتصور الإسرائيلي لها، وهو الوارد في سفر التكوين، حيث يختزل الزمان كله إلى أقل من ثلاثة آلاف سنة تستغرق عشرين جيلا هم المسافة بين آدم وإبراهيم[هكذا]. . . ." (ص ص 21ـ22)، لذلك فإن هدفه من تأليف الكتاب هو: ". . . انتزاع العقل المسلم من براثن النقول الإسرائيلية المحشوة بالخرافات المنافية لكل ما هو عقل، وعلم، ونور" (ص17). كما يصرح بأن هذه المسألة شغلته ربع قرن أو يزيد قضاه". . . في محاولة لفهم النصوص التي جاءت في القرآن الكريم، وهي قطعية تروي وقائع قصة الخلق، وأيضا للتوفيق بين التصوير القرآني، والاتجاه العلمي في تصوير الحياة البشرية على هذه الأرض. . . "(ص 9).

ولم يبين المؤلف كيف أن الأسطورة الإسرائيلية، كما يصفها، لا يمكن أن تكون تفسيرا لخلق الإنسان، وإنما اكتفى بوصفها بالخرافة وأنها تتصادم مع المعرفة العلمية الحديثة. وكان المنتظر منه أن يتوجه، في بداية الكتاب، إلى تفنيد هذه الأسطورة تفنيدا تاريخيا يتمثل في تتبع مصادرها الإسرائيلية، وطرق دخولها إلى المصادر الإسلامية، ونقد سندها، إلى غير ذلك. لكنه وجه جهده، بدلا من ذلك، وجهة أخرى تتمثل في محاولة الاستفادة، كما يقول، من العلوم الحديثة في تفسير الإشارات التي وردت في القرآن الكريم عن هذه القصة.

وسبب محاولته الاستفادة من العلوم الحديثة في هذا الغرض أن كثيرا من المفاهيم تغيرت في العصر الحديث، كما يقول، وأنه ". . . صار لزاما على من يتصدى لكتابة شيء عن هذه القصة أن يأخذ في اعتباره ما كشف عنه العلم الحديث من حقائق، وما قال به من نظريات، حتى لا يبدو متخلفا عن ركب المعرفة المعاصرة" (ص21).

ومن المعروف أن البديل "العلمي" الذي يُقترح في هذا العصر لتفسير نشأة الإنسان، بل نشأة الأحياء كلها، هو النظرية التي تسمى بـ"نظرية التطور". غير أن الدكتور شاهين لم ير هذه النظرية بديلا صالحا لما أسماه بالخرافة الإسرائيلية. وإنما بدأ كتابه بهجوم عنيف على هذه النظرية معتمدا على كثير من المعلومات غير الصحيحة عنها. وبدلا من أن يفي بما وعد به من الاستفادة من المنجزات العلمية في هذا العصر، في تفسير نشأة الإنسان، قصد إلى "استنطاق" آيات القرآن الكريم وإعطاء تفسيرات جديدة لبعض الألفاظ الرئيسة التي وردت في الآيات القرآنية الكريمة في سياق هذه القصة.

والتفسير اللغوي الذي بنى عليه فرضيته البديلة للخرافة الإسرائيلية، كما يسميها، جديد، على حد علمي؛ لكنه تفسير قد لا يتفق معه أحد فيه.

وسوف أعرض فيما يلي الفرضية التي أقام المؤلف كتابه عليها ثم أعرض التفسير اللغوي الذي أتى به للبرهنة على هذه الفرضية. كما سأتناول بعض النقاط الأخرى التي يتبين منها أنه لم يتوفر للدكتور شاهين في هذا البحث ما يكفي من الأدوات الضرورية اللازمة لتناول هذه القضية تناولا علميا دقيقا.

فعلى الرغم من أن عنوان الكتاب ينص على أن ما سيعرضه المؤلف يمثل "الحقيقة" إلا أنه يعترف بأن: "هذه القصة كما وردت في القرآن الكريم تحتمل الكثير من التأويلات، وهي حافلة بالإيماءات والإشارات ذات الدلالة التاريخية والزمنية. .. "، وأن ". . . جُلَّ اهتمامنا في عرض قصة الخليقة على استنطاق آيات القرآن باعتبارها المصدر الأول والأوثق الذي ينبغي اعتماده في هذا المجال. . . " (ص12).

ويدل قوله هذا على أن ما أتى به من تفسيرات وبراهين ليست إلا فرضيات بشرية يمكن أن يختلف القارئ معه فيها. فهي ليست "حقائق" مستقلة عن التفسير الذي أتى به. وتعتمد صلاحية هذه التفسيرات ومعقوليتها اعتمادا كليا على ما سيقدمه المؤلف للقارئ من الأدلة المقنعة عليها. ولهذا فإن المؤمن ربما يختلف مع المؤلف في هذه التفسيرات، لكن اختلافه معه فيها لا يمس "حقيقة" الآيات الكريمة.

التفسير اللغوي:
يتمثل تفسيره اللغوي في ثلاثة أشياء هي:

1ـ تمييزه بين كلمتي "البشر" و"الإنسان".

2ـ تفسيره لكلمة "سلالة".

3ـ دلالة حروف العطف.

وفيما يلي عرض لهذه التفسيرات الثلاثة:

تمييزه بين "البشر" و"الإنسان":

يعتمد تفسيره لنشأة الإنسان على التمييز الذي أقامه بين معنى كلمة "بَشَر" وكلمة "إنسان". فقد افترض أن كلمة "بشر" تطلق على الأطوار القديمة التي كان عليها الإنسان قبل استصفاء الله لآدم من بين بقية المخلوقات التي يطلق عليها "بشر". فالبشر: "تسمية لذلك المخلوق الذي أبدعه الله من الطين، وأصله في اللغة من(ب ش ر)، وهو يفيد(الظهور مع حسن وجمال)، قال ابن فارس: (وهو أصل واحد: ظهور الشيء مع حسن وجمال، وسمي البشر بشرا لظهورهم") (ص64).

و"مع أن كل حيوان أو طير أو حَشَر [انظر هذه الصيغة لجمع "حشَرة" التي يقصد منها أن تتوافق مع "بَشَر"، ليؤكد إطلاق الكلمة الأخيرة على الأطوار الأولى للإنسان] ـ إلى آخر سلسلة الكائنات ـ هو من طين، فإن البشر أبرز هذه المخلوقات، وآكدها وجودا، فلذلك أطلق عليه في القرآن (البشر)، أي: الظاهر على كل الكائنات الطينية، يسخرها لخدمته، ويستمد منها قُوْتَه وقُوَّته ويصارع وجودها تأمينا لوجوده" (ص65).

والملحوظة الأولى على تعريف "البشر" هنا أن هذا التعريف المعجمي ربما يكون سببه ورود هذه الكلمة في قصة يوسف في قوله تعالى: "وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم"، في وصف بروز يوسف عليه السلام للنسوة واندهاشهن بجماله الفائق. وهذا لا يلزم منه أن يكون المعنى الأصلي لهذه الكلمة هو المعنى الذي رواه ابن فارس. وهو ما يعني أن هذا التعريف المعجمي للكلمة ليس صحيحا.

ويعتمد المؤلف في تمييزه بين "البشر" والإنسان" على ورود هاتين الكلمتين في القرآن الكريم في بعض الآيات، حيث لا تدل كلمة "البشر" فيها، كما يرى، على "الإنسان" وإنما تدل على الطور الأقدم له.

فهو يقول تحت عنوان "ملاحظات على العلاقة بين البشر والإنسان"(ص97):

"حقيقة لا ريب لدينا فيها؛ هي أن بين (البشر والإنسان) عموما وخصوصا مطلقا، فـ (البشر) لفظ عام في كل مخلوق ظهر على سطح الأرض، يسير على قدمين، منتصب القامة، و(الإنسان) لفظ خاص بكل من كان من البشر مكلفا بمعرفة الله وعبادته، فكل إنسان بشر، وليس كل بشر إنسانا. والمقصود هو طبعا المعنى الأول الذي استُعملت فيه الكلمة (بشر) في آيات القرآن، وهو الظاهر أو المتحرك مع حسن وجمال". و:"لقد كان (البشر) خلال الأحقاب والعهود المتطاولة مجرد مخلوقات متحركة، حيوانية السلوك، ولكنها تزداد في كل مرحلة تعديلا في سلوكها، ونضجا في خبرتها، وتلونا في طرائق التفاهم اللغوي فيما بينها".(ص101)

وحين يستعرض الآيات التي ورد فيها لفظ "بشر" يجد أن هذا اللفظ استخدم في أربعة معان، هي (ص70):

1ـ البشر: هو الظاهر على كل الكائنات (وهو المعنى الأصلي)

2ـ المخلوق بإطلاق (وهو المعنى الأعم)

3ـ المخلوق غير المتميز (وصف سلبي)

4ـ المخلوق المتميز (وصف إيجابي)

أما "الإنسان" فطور أحدث لـ"لبشر"، جاء نتيجة للتطورات التي حدثت للبشر بمرور الأحقاب حتى وصل إلى طور صار فيه مؤهلا ليكون خليفة الله في الأرض. ويبين ذلك في قوله (ص98): "أما (الإنسان) فلا يطلق بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير، وهو الذي يبدأ بوجود آدم عليه السلام، وآدم ـ على هذا ـ هو (أبو الإنسان)، وليس (أبو البشر)، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله، تمهيدا لظهور ذلك النسل الآدمي الجديد. اللهم إلا تلك العلاقة العامة أو التذكارية، باعتباره من نسلهم".

"فإذا شرع[القرآن] في بيان حقيقة الخلق منذ البداية؛ ذكر أن هذه البداية كانت في صورة (بشر) هكذا مُنَكَّرا، باعتباره النموذج الذي أجريت عليه عمليات التسوية، والتصوير، والنفخ من روح الله (والتزود بالملكات العليا التي كان بها البشر إنسانا ـ وهي: العقل، واللغة، والدين)". و"لأمر ما وجدنا القرآن لا يخاطب البشر، بل يخاطب الإنسان، والتكليف الديني منوط بصفة(الإنسانية)، لا بصفة (البشرية)، فلم يعد للبشر وجود منذ ظهر آدم عليه السلام. . . "(ص88). ثم يصف "البشر" بأنهم "جماعات الهمج البشرية" (ص99).

لكن هذا "التأثيل" لكلمة "بشر" ليس مسَلَّما؛ فهناك عدد من المشكلات التي تعترض سبيله، وتمنع الأخذ به، بالإضافة إلى عدم صحة التعريف المعجمي للكلمة، كما رأينا. ثم كيف يستقيم أن يكون معنى "بشر" (الظهور مع حسن وجمال)، مع وصفه لهؤلاء البشر بأنهم "همج"، ومع أن بقايا الأطوار القديمة التي وجدها الباحثون لهؤلاء "البشر"، وهي التي لا يعترض المؤلف على أنها تمثل "البشر"، لا تتناسب في حسنها وجمالها مع حسن الإنسان المعاصر وجماله؟

يضاف إلى ذلك أن المعاني الأربعة، التي يرى أن لفظ "بشر" استخدم لها في القرآن الكريم، ليست صحيحة كما سيتبين بعد قليل.

وحين نستعرض السياقات التي وردت فيها كلمة "بشر" في القرآن الكريم فإننا نجدها تستعمل، معرَّفة ومنكَّرة ومُثَنّاة، بمعان تختلف عن المعاني التي يقول إنها استعملت فيها. فقد استعملت في المعاني التالية:

بمعنى رجل:

ومن الشواهد على هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى:

"قالت رب أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر"(آل عمران، 47)

وهو المعنى الذي نجده في الآيات:

1ـ"وقلن حاشا لله ما هذا بشرا"(يوسف31)

2ـ"ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلِّمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين"(النحل103)

3ـ "فتمثل لها بشرا سويا"(مريم17)

4ـ"قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر"(مريم ، 20)

5ـ"فكلي واشربي وقَرِّي عينا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26).

بل إنها لا يمكن أن تفهم، في بعض الآيات، إلا على أنها تدل على "الرجل". وذلك في مثل الآية التي ذكرتها هنا والآية (20) في سورة مريم:

"قالت أَنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر"(مريم ، 20).

فمن الواضح أن مريم عليها السلام تستغرب، في هاتين الآيتين، أن تلد غلاما من غير أن يمسها رجل؛ إذ لا يمكن أن تخاف من أن تمسها امرأة في هذا السياق. يضاف إلى ذلك أن هاتين الآيتين تصوران حدثا وقع في زمن يدخل فيما يطلق عليه الدكتور شاهين "زمن التكليف"؛ أي أنه وقع في طور "الإنسان"، لا طور "البشر"، إذا استعملنا مصطلحات المؤلف. فاستخدام كلمة "بشر" في هاتين الآيتين ينفي المعاني التي يراها الدكتور شاهين لهذه الكلمة؛ وهي بذلك دليل ضد فرضيته في هذا الكتاب التي تحصر مفهوم كلمة "بشر" على الطور الذي سبق الإنسان المكلف.

كما أن الآيات الكريمة الأخرى تدل دلالة أكيدة على أن المقصود إنما هو الإنسان الذَّكر، أي الرجل.

بمعنى "نبي" أو "أنبياء":

وتأتي كلمة "بشر" كذلك في سياق الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ وذلك في وصف الله سبحانه وتعالى للأنبياء بأنهم من جنس الإنسان. كما تأتي في وصف الأنبياء لأنفسهم بأنهم من بني الإنسان وإنما فُضِّلوا على غيرهم بالاختصاص بالرسالة. وتأتي كذلك في الدلالة على استنكار أقوام الأنبياء أن يرسل الله تعالى رجالا منهم أنبياء. وقد حدث كل ذلك في الفترة التي يمكن أن يسميها الدكتور شاهين بفترة طور "الإنسان". وذلك كما في قوله تعالى:"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون"(آل عمران 79)

وهذا هو المعنى الذي نجده كذلك في الآيات:

1ـ"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونها قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"(الأنعام91)

فموسى هنا من جنس البشر.

2ـ "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين"(إبراهيم 10)

3ـ"قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (إبراهيم11)

4ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بربه أحدا"(الكهف110)

5ـ"لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم لا تبصرون"(الأنبياء3)

6ـ"وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون"(الأنبياء34)

7 ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين"(المؤمنون24)

8ـ"ولو أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون"(المؤمنون 34)

9ـ"ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين"(الشعراء154)

10ـ"وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين"(الشعراء186)

11ـ"قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما انزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون"(يس15)

12ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين"(فصلت6)

13ـ"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليٌّ حكيم"(الشورى51)

14ـ"ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد"(التغابن6)

15ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين"(هود27)

16ـ"أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا"(الإسراء 93)

17ـ"وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا" (الإسراء94)

18ـ"ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون"(المؤمنون34)

19ـ"فقالوا أنؤمن لبشريْن مثلنا وقومهما لنا عابدين(المؤمنون 47)

20ـ"فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر"(القمر24)


وتأتي كلمة "البشر" في الدلالة على آدم؛ أو على عموم أفراد بني الإنسان، فيما يتصل بالخلق:
كما في قوله تعالى:"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28)

وهو المعنى الذي في الآيات:

1ـ"قال لم أكن أسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر33)

2ـ"إذ قال ربك إني خالق بشرا من طين"(ص71)

3ـ"وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"(الفرقان54)

4ـ "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"(الروم20)

وتأتي في الدلالة على بني الإنسان عموما، فيما لا يتصل بالخلق:

كما في قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير" (المائدة18)

وهو المعنى في الآيات:

1ـ"إن هذا إلا قول البشر"(المدثر25)

2ـ"وما هي إلا ذكرى للبشر"(المدثر31)

3ـ"نذيرا للبشر"(المدثر36)

ومن الواضح أن كلمة "بشر"، منكَّرة ومعرَّفة، في هذه الآيات إنما تنصرف إما إلى "الرجل" أو إلى أفراد من جنس الإنسان في الطور الذي يمكن أن يسميه الدكتور شاهين بطور التكليف.

وبهذا فإن فرضيته التي تقضي بأن كلمة "البشر"، معرَّفة ومنكَّرة، تدل في القرآن الكريم على طور قديم للإنسان لا يمكن أن تقبل.

بل إننا نجد أن هذه الكلمة في بعض الآيات لا تدل إلا على "الإنسان" في الفترة التاريخية لبني الإنسان. ومن أوضح الآيات دلالة في هذا المعنى الآية التي وردت في سورة مريم، وهي قوله تعالى:

"فكلي واشربي وقَرِّي عيْنا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26).

وكما هو واضح في هذه الآية فإن مريم عليها السلام تستطيع رؤية "البشر"، وهو ما يعني أنهم الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة التاريخية. ثم إنه لما لم يكن لكلمة "البشر" مفرد من لفظها فقد استعمل القرآن الكريم وصفا من المادة اللغوية التي جاء منها لفظ "الإنسان" وهو "إنسي". وما دام أن كلمة "إنسي" استخدمت وصفا لـ"البشر" فإن هذا يدل دلالة أكيدة على أن "البشر" مرادف لـ"الإنسان"، وأن فرضية المؤلف التي تقوم على التمييز بينهما في الدلالة لا تصح.

ويجب أن أشير هنا إلى أن الدكتور شاهين لم يورد هذه الآية في الكتاب كله. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن سر عدم إيراده لها: أتراه يجهلها؛ أم أنه نسي الإشارة إليها؛ أم أنه لم ير فيها شيئا جديدا يضاف إلى ما ورد في الآيات التي أوردها؟

وهذه الاحتمالات كلها واردة عند من يريد أن يعتذر للدكتور شاهين. أما الذين يريدون أن يفهموا من عدم إيراده إياها شيئا آخر فإن أول ما يخطر لهم أنه تعمَّد عدم ذكرها لأنه يعرف أنها أوضح دليل ينقض فرضيته.

ويمكن أن يستأنس لهذا الاحتمال بما فعله الدكتور شاهين في إيراده الآية 79 من سورة آل عمران غير كاملة، فقد أوردها على الصورة التالية: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة"(ص69).

وربما بدا للقارئ غير المتمعن أن معنى هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ينفي أن يكون "البشر" أهلا لتلقي "الكتاب والحكم والنبوة"، أي "التكليف"، بمصطلح الدكتور شاهين. وهو ما يتماشى مع فرضية الدكتور شاهين التي تقضي بأن "البشر" نوع بدائي قديم لم يؤهله الله لتلقي الكتاب ولم يؤته الحكم ولا النبوة التي اختص بها الإنسان الذي يمثل نوعا متطورا جاء بعد "البشر" بآجال طويلة، وصار "مكلفا بالتوحيد والعبودية".

أما هذه الآية بتمامها فهي:

"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلِّمون الكتابَ وبما كنتم تدرسون".

والواضح أن معنى هذه الآية ينصرف إلى الأنبياء على وجه الخصوص، وهو ما يعني أنها موجهة لمن يدخل في جنس "الإنسان"، بتعريف الدكتور شاهين. بل ربما كان المقصود فيها عيسى بن مريم عليه السلام تحديدا، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآيات التي سبقت هذه الآية والآيات التي جاءت بعدها.

وخلاصة القول أن فرضية الدكتور شاهين تسقط اعتمادا على المعنى الذي تؤديه هاتان الآيتان وحدهما. ذلك أن كلمة "بشر" فيهما مرادف لكلمة "إنسان" بشكل لا لبس فيه.

ومع هذا فإننا سوف نستمر في عرض فرضيته بالنظر في المعاني التي يرى أن كلمة "الإنسان" تدل عليها.

فهو يقرر في (ص16) أن:"المشروع الخلقي[للإنسان] كان واحدا. . .[منذ البداية] إلى يوم الناس هذا، وأن البشر قد مر في مراحل من (التسوية، ونفخ الروح الإلهي) في مراحل متدرجة من حيث النضج، وهو ما اختلفت به هويات الأجيال، وكل ذلك في إطار المرحلة البشرية إلى أن كان(آدم) أول الإنسان الأول[هكذا]، الذي اصطفاه الله نبيا، فكان أبا الإنسان. . ." .

ويقول في (ص99):"وليس يبعد أن نفترض أن الخالق سبحانه ـ وقد مضت مشيئته بتفرد آدم وذريته بالسيادة على الأرض، والنهوض بأمر الدين، وإقامة التكاليف، وفي مقدمتها التوحيد ـ قدر سبحانه فناء كل البشر، من غير ولد آدم، وذلك بعد عزل السلالة الجديدة المنتقاة في الجنة، حتى تتم إبادة جماعات الهمج البشرية، لتبدأ بعد ذلك الملحمة الإنسانية، بطليعتها المصطفاة: آدم وحواء، وبدأ التكليف داخل الجنة، وبدأ الصراع بعد أن أخليت ساحته من العناصر الطفيلية التي لم يعد لها دور، بل التي انتهى دورها، ليبدأ على الأرض دور جديد. . ."

فالإنسان، إذن، "تطور" عن البشر.

غير أن لفظ "الإنسان" ورد في حديث القرآن عن قصة الخلق مسبوقا وملحوقا بالكلمات نفسها التي وردت مع اللفظ "بشر". وذلك في مثل قوله تعالى:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر26)

"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28)

لكن الدكتور شاهين، أمام مثل هذه الآيات التي ورد فيها لفظ "إنسان" ولفظ "بشر" في سياق متماثل، يقول: "إن استعمال لفظ "الإنسان" في الآية الأولى[هنا] إنما كان لأجل المقابلة بينه وبين "الجان"، أما". . . الحديث عن الأصل الترابي[فـ]يرتبط غالبا (بالبشر). وهو ما تبينه الآية الثانية".

لكن هذا التحليل ليس مقبولا لأن السياق اللغوي واحد، فضلا عن أنه يقول في موضع آخر: "وربما كان إطلاق كلمة(بشر) أيضا بهذا المعنى، وهو(الظهور) ـ مقابلا لما يتصف به عالم الملائكة، وعالم الجن، من عدم الظهور، فهم خلق لا يُرى، وقد قرر القرآن ذلك بشأن (الجن)، إذ هي كلمة مشتقة من معنى: (الاجتنان) وهو الاستتار. . ."(ص65).

وهو ما يعني أن المقابلة تكون بين "البشر" والجن والملائكة أيضا.

كما يعتمد في تمييزه بين كلمتي "البشر" والإنسان" على أن لفظ "الإنسان" هو الذي يرد في القرآن في مجال التكليف.

غير أن هذا القول غير دقيق؛ إذ إن لفظ "البشر" يرد في مجال التكليف أيضا. وذلك في مثل قوله تعالى :

"وما هي إلا ذكرى للبشر"(المدثر31)

"نذيرا للبشر"(المدثر36)

فتدل هاتان الآيتان على أن البشر "يُنذَرون" و"يُذكَّرون". وهو مما يدل على اكتمال مؤهلاتهم العقلية واللغوية أيضا، وأنهم وصولوا إلى مرحلة التكليف التي تدل على مستوى "الإنسان". لذلك فإن تمييزه بين الكلمتين لا معنى له.

2ـ تفسيره لكلمة "سلالة":

ويقول عند كلامه على قول الله تعالى:"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين"، إن هذه الآية لا تدل على الخلق الأول، أي "البشر"، وإنما هي تذكير للإنسان بأصله.

ويعني هذا أنه يفسر كلمة "سلالة" هنا لتدل على أن المعنى في هذه الآية أن الإنسان جاء من سلسلة آباء خلقوا من طين، ". . . وكأن الآية تدفع عن العقل احتمال إدماج العمليتين [خلق البشر وخلق الإنسان] في عملية واحدة، فالإنسان خلق من (سلالة) نسلت من(طين)، أي: إنه لم يخلق مباشرة من الطين، فأما ابن الطين مباشرة فهو (أول البشر)، وكان ذلك منذ ملايين السنين" (90)

ويقول: "فخلق الإنسان (بدأ من طين)، أي: في شكل مشروع بشري، ثم استخرج الله منه نسلا (من سلالة من ماء مهين)، ثم كانت التسوية ونفخ الروح، فكان (الإنسان) هو الثمرة في نهاية المطاف عبر تلكم الأطوار التاريخية السحيقة العتيقة" (ص91).

لكن هذا التفسير لكلمة "سلالة" يعتمد على مدى ما يورده المؤلفُ من الأدلة على لزومه. وهو لم يورد أي دليل على أن هذه الكلمة لا تدل إلا على هذا المعنى في هذا السياق. أما هذه الكلمة فيمكن أن تفهم بمعان أخر، كأن يكون معناها "جزءا من الطين"، و"جزءا من الماء المهين".

وباختصار فإن تفسيره لكلمة "سلالة"، ولزوم الدلالة التي يراها يتوقفان على قبول تمييزه بين "البشر" و"الإنسان". وما دام أنه اتضح أن تمييزه بين الكلمتين ليس لازما، بل متمحَّلا، ومغلوطا بسبب عدم إيراده الآية التي في سورة آل عمران كاملة، وبسبب عدم إيراده الآية التي في سورة مريم، وهي أكثر الآيات وضوحا في رد هذا التمييز، فإن الدلالة التي يراها لكلمة "سلالة" غير لازمة.

2ـ تفسيره لبعض حروف العطف:

يُستعمل حرفا العطف "الفاء" و "ثم" في سياق قصة الخلق في القرآن الكريم. ويحاول الدكتور شاهين أن يفسر ورود أحد الحرفين في سياق معين في مقابل عدم ورود حرف العطف الآخر وسيلة لتعضيد تمييزه بين "البشر" والإنسان".

فهو يقول في تفسير قوله تعالى، "ولقد خلقناكم ثم صورناكم": "وهما مرحلتان في عمر البشرية، لعلهما استغرقتا بضعة ملايين من السنين. . . ومع ملاحظة استعمال الأداة (ثم) التي تفيد التراخي بين الأمرين"(ص86).

ويقول، عند الكلام على قوله تعالى:"وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه"(ص ص 105ـ106): "والأداة (ثم) للترتيب مع التراخي، وكأن استعمالها في هذا السياق ترجمة لمفهوم الزمان المتطاول الذي عبر عنه الظرف (إذا)، في مقابل استخدام الفاء أو الواو في ربط أجزاء أخرى من الآيات، تعبيرا عن التعقيب أو مطلق الجمع".

لكننا حين نتأمل الحالات التي يرد فيها حرف العطف "ثم" في القرآن الكريم نجد أنه ورد في التعبير عن الفترات القصيرة نحو مدة الحمل (ص92، ص106).

كما يرد حرف العطف "الفاء" في قوله تعالى:"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركَّبك"(الانفطار 6ـ8). وواضح أن هذا الترتيب بين الأحداث في هذه الآية يدخل فيما يرى المؤلف أنه آجال طويلة. وأمام هذا الدليل على عدم التمييز بين حرفي العطف نراه يجنح إلى تفسير استعمال "الفاء" هنا بأنها "ضُمِّنت معنى (ثم)" (ص107).

وبهذا فإن حرفي العطف لا يعود لهما المعاني التي يرى أنها تميز بين الفترات القصيرة والطويلة، وهو ما يلزم من تطاول الأحقاب في مسألة الخلق الأول وقصرها في مسألة الحمل والفترات القصيرة الأخرى، كما يرى.

وهذا دليل آخر، يضاف إلى الأدلة السابقة، على عدم إمكان التمييز بين "البشر" و"الإنسان.

وخلاصة القول أن تمييز الدكتور عبد الصبور شاهين بين "البشر" و"الإنسان" غير مقنع، ولم يتبين من خلال معالجته أنه تمييز ممكن. فقد كانت الأدلة كلها مما يمكن الاختلاف فيه.

موقفه من نظرية التطور

هاجم الدكتور عبد الصبور شاهين نظرية التطور هجوما عنيفا. ومن الأمثلة على هذا الهجوم قوله:". . . كما يصل[أحد الآراء المنسوبة إلى أحد الباحثين] في النهاية إلى رفض نظرية داروين، بأسلوب التقنية المعاصرة"(ص37). وقوله: "غني عن القول أن كل الجهود العلمية حتى الآن تنصب على معارضة داروين فيما ذهب إليه، وأن ما قدمناه لم يكن سوى بعض العينات التي جهد فيها العلماء ليدحضوا مذهب النشوء والارتقاء، حتى إننا نستطيع أن نقول: إن نظرية داروين لكثرة ما تعرضت له من نقد ـ مجرد مقولة هشة لا تعني شيئا في مجال البحث عن أصل الإنسان، وإن قدمت الكثير في مجال(البيولوجيا) أو علم الأحياء" (ص39). وهو قول متناقض عجيب!

وقوله، إن:" . . . البشرية في المفهوم الديني القرآني جنسا واحدا، لا عدة أجناس مقتبس بعضها من بعض على ما قررته النظرية الداروينية التي أسقطها العلماء في الشرق والغرب على السواء"(ص115).

وعلى الرغم من هذا الهجوم على نظرية التطور إلا أن الدكتور شاهين يقبل في كتابه بعض المفاهيم الأساسية في هذه النظرية. ومن هذه المفاهيم العمقُ الزمني الطويل الذي مر به الإنسان في تطوره، كما تقول هذه النظرية. ومنها أنه يقبل نتائج الحفريات التي وجدت بقايا لأشكال متعددة للإنسان. فهو يقبل هذه الأطوار ويقول عنها: "وكل هؤلاء الأناسي وجوه مختلفة لمخلوق واحد، كان يتنقل من مرحلة إلى مرحلة في تسوية الخالق له، فكلما مضت مرحلة من التسوية تغيرت بعض أوصافه، وأفرده الباحثون في الجيولوجيا والأنثروبولوجيا بتسمية. . . " (ص ص 28ـ30).

أما السبب الوحيد الذي يجعله يهاجم هذه النظرية فهو ما يقوله من أن هذه النظرية تقول إن الإنسان تطور عن أشكال أدنى، كالقرد مثلا.

والمعلومات التي يبني عليها الدكتور شاهين رأيه عن هذه النظرية أغلبها معلومات خاطئة. فهو لم يرجع إلى الكتب العلمية التي تتضمن الأبحاث عن هذه النظرية وتفصيلات الأدلة التي يوردها المتخصصون في الأحياء عليها؛ وإنما اعتمد على أخبار صحفية قديمة، وأقوال صادرة، في أغلب الظن، عن أناس لا يرون ما تراه هذه النظرية. وكثيرا ما تكون الأقوال التي تخالف هذه النظرية وتسند إلى بعض علماء الأحياء مكذوبة عليهم أو أقوالا أسيء فهمها وتفسيرها(انظر ص ص 32ـ37). وهذا ما دأبت عليه الجماعات التي تؤمن بحرفية القصة التي وردت في سفر التكوين عن كيفية الخلق، وهي التي دأبت على مناصبة هذه النظرية العداء في أمريكا بخاصة.

كما أن موقفه من هذه النظرية يقوم على فهم مغلوط لطبيعة النظريات العلمية، وهو مفهوم لا يتناسب مع ما يراه المشتغلون بالعلوم عن طبيعة النظرية العلمية وبنيتها. فهو يقول (ص42): ". . . وإنما يأتي التناقض[ الظاهر بين القرآن والعلم] من جهة أن العلم لم يستقر بعد على بر الحقيقة الكاملة، بل ما زال يدور في إطار النظريات الظنية الدلالة. . ."

ومعنى هذا أن الدكتور شاهين يفهم النظرية العلمية على أنها "حقيقة". لكن المشتغلين بالعلوم لا ينظرون إلى النظريات على أنها "حقائق"، وإنما هي تفسيرات منضبطة تبقى صالحة حتى يقترح العلماء نظريات أكثر دقة منها.

وأنا لا أريد هنا الدفاع عن نظرية التطور؛ وإنما أريد فقط أن أبين أن تصوير الدكتور شاهين لها تصوير خاطئ. وكان يجب عليه من باب الأمانة أن يرجع إلى المصادر الموثوقة عنها حتى لا ينقل للقارئ أقوالا ليست منها.

أما ما يقوله المتخصصون عن نظرية التطور وعن طبيعة النظريات العلمية بعامة، وهو ما ينبغي أن يلم به القارئ العربي بعيدا عما تشيعه بعض الكتب العامة التي ألفت عنها تحت تأثير موجة العداء التي يؤججها الأصوليون المسيحيون في أمريكا، أو بعض الترجمات العربية للكتب التي يؤلفها أولئك، فتمثله الأقوال التالية:

يقول نورمان د. نيويل، في مقدمة كتابه:

Norman D. Newell, Creation and Evolution: Myth or Reality? New York: Praeger, 1985

"الخلق والتطور: الخرافة أم الحقيقة؟"،

"قَبِل علماء الأحياء والمتخصصون في علوم الإحاثة [علم تاريخ الأرض] منذ زمن بعيد، اعتمادا على عدد كبير من البراهين، التطورَ العضوي على أنه حقيقة. والنظريات العلمية ليست حقائق، لكنها تمثل تفسيرات علمية للمعلومات العلمية أو للمعرفة. وهذه النظريات إنما هي أفكار(ومن أمثلتها نظرية داروين عن الانتقاء الطبيعي)، وهي موضوع يخضع للدراسة بشكل مستمر في أثناء استخدامها في البحث عن الحقائق الجديدة والتفسيرات الجديدة. ولذلك فإنه يجب أن يخضع منطوق هذه النظريات للتغير باستمرار من أجل أن تتلاءم مع الكشوفات الجديدة التي تنتج عن وجهات النظر الجديدة".

ويقول بنتلي جلاس في كتابه:

Progress Or Catastrophe: The Nature of Biological Science and Its Impact On Human Society. New York: Praeger 1985

"تقدُّم أم فجاءة: طبيعة علم الأحياء وأثره على المجتمع الإنساني"،(ص68):

". . . يجب أن يتذكر المرء دائما أن النظرية العلمية الجيدة هي ببساطة تلك التي تُفسِّر بشكل مُرْضٍ الحقائقَ المعروفة، من غير أن تكون عرضة للدحض عن طريق المخالَفات الواضحة للبرهان العلمي. وهي عرضة للدحض، بصورة مستمرة، حين يبرهِن الاستقصاءُ العلمي على أنها ليست تفسيرا ممكنا أو حين يصعب تعديلها لتتناغم مع الحقائق، إن كان هذا ممكنا. وفيما يخص نظرية التطور فإن مرور أكثر من قرن من مثل هذا الاختبار عليها جعلها أقوى ألف مرة مما كانت عليه في حياة داروين".

ويقول ستيفن جاي جولد، وهو أحد علماء الأحياء المعاصرين البارزين الذين يكتبون باستمرار عن هذا الموضوع، وذلك في مقال له نشرته مجلة Time الأمريكية في 23 أغسطس 1999، (ص43)إن نظرية التطور تشبه في مركزيتها لعلم الأحياء مركزية الجدول الدوري للكيمياء أو مركزية الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن للتاريخ الأمريكي. وهو ما يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك علم للأحياء بغيرها. ويقول:

". . . تتمتع نظرية التطور بأدلة قوية بشكل يماثل أية ظاهرة من ظواهر العلم، فهي تماثل في قوتها دوران الأرض حول الشمس بدلا من العكس. وبهذا المعنى فإن بإمكاننا أن نصف نظرية التطور بأنها "حقيقة".( والعلم لا يتعامل بمفهوم الوثوقية، لذلك فإن مفهوم "الحقيقة" لا يمكن أن يعني إلا أنها افتراض مؤكد بدرجة عالية تجعل اعتناق المرء لرأي يخالف هذا الافتراض أمرا منحرفا)".

التفسير العلمي للقرآن:

دأب كثير من الباحثين المسلمين على اللجوء إلى العلوم الحديثة، الطبية والفيزيائية والكيمائية، في تفسير بعض الآيات القرآنية الكريمة. فكثيرا ما نجد هؤلاء يأتون بتفسيرات "علمية" لبعض الآيات ثم يستنتجون منها أن القرآن قد سبق العلم الحديث إلى ذكر الظواهر التي ترد في هذه الآيات. ويجب أن أشير هنا إلى أن المسلمين ليسوا الوحيدين في هذا الصنيع. بل إن أصحاب الديانات الأخرى يقومون بالعمل نفسه. ويجد المطلع على "الأبحاث" التي يقوم بها من يسمون أنفسهم بـ"العلماء القائلين بالخلق" Creation Scientists ، وبخاصة في أمريكا، استخداما واسعا للعلوم في تفسير الإنجيل. بل إنهم يزعمون دائما أنهم يصلون إلى اكتشاف التوافق بين ما في الإنجيل وما تقول به العلوم الحديثة. وكما لاحظت سابقا فإن هؤلاء كثيرا ما يسيئون فهم النظريات العلمية، وكثيرا ما يسيئون تفسيرها، وكثيرا ما يكذبون على البسطاء في حديثهم عن النظريات العلمية وفي نقل وجهات نظرها بأمانة.

ولقد أثير استخدام العلم في تفسير القرآن الكريم منذ زمن بعيد؛ فقد رأى بعض علماء المسلمين أنه يجب أن يصان القرآن الكريم فلا يعرَّض للنظريات العلمية التي تتسم بالتغير. لكن هناك من ينادي بضرورة الاستئناس بالعلوم الحديثة في الكشف عما يسمونه بـ"الإعجاز العلمي" في القرآن الكريم. ويلحظ المطلع على الكتب التي تؤلفها هذه الفئة الأخيرة، أنها تمتلئ باستخدام النظريات العلمية والكشوف الطبية والكيميائية والأحيائية لتفسير الآيات القرآنية. لكن الفاحص لهذه الكتب سيجد أن كثيرا منها يبلغ حدودا من السخف والإدعاء لا تطاق.

ويعد استخدام الدكتور عبد الصبور شاهين لبعض نظريات الأحياء في تمييزه بين "البشر" الذي يمثل طورا قديما و"الإنسان" الذي يمثل طورا أحدث من باب تعريض القرآن الكريم للنظريات العلمية المتغيرة بطبيعتها.

كما يتضمن الكتاب أمثلة أخرى لاستخدام "العلم" في تفسير بعض الآيات الكريمة. ومن ذلك ما أورده في تفسير قوله تعالى: "فلينظر الإنسان مم خُلق. خُلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب" (سورة الطارق).

فهو يقول: "ثم يأتي النص في سورة(الطارق) ليضيف من المعلومات عن الماء الدافق (المني) الذي (يخرج من بين الصلب والترائب)، وهي معلومة لم تكن معروفة حتى عصرنا. . ." (ص58).

ويقول في موضع آخر:"والصلب: فقار الظهر، وهي منبع الماء الدافق عند الرجل، والترائب: جمع، مفرده "تريبة"، وهي عظام الصدر مما يلي الترقوتين، وهي منبع ماء المرأة، وهذه المعلومة كانت مجهولة للإنسان، وبقيت مجهولة حتى منتصف القرن العشرين، وقد تضمنها الوحي القرآني منذ أوائل هذا الوحي، أي: منذ أكثر من أربعة عشر قرنا"(ص85).

وكان يكفيه أن يتطلع على أية مقدمة في علم التشريح ليعرف أن هذا التفسير ليس صحيحا. إذ لا شأن لصلب الرجل ولا لفقار ظهره ولا لترائبه ولا لصلب المرأة ولا لترائبها بالحمل ولا بما يتعلق به.

وأنا لا أريد هنا أن أفسر القرآن الكريم، لكنه يبدو لي أن التفسير الأقرب لقوله تعالى: "يخرج من بين الصلب والترائب" هو أن هذه الآية وصف للإنسان، وليست وصفا للماء الدافق. إذ يمكن أن يكون معناها تذكير الإنسان بالمكان الذي كان فيه في أثناء الحمل، وهو بطن أمه؛ أو تكون وصفا للإنسان يوم البعث، حين يبعث من بين تراب الأرض وأحجارها. والمعنى الثاني أقرب، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآيات التي تتلو هذه الآية وتتحدث عن يوم البعث.

معلومات الدكتور شاهين العلمية:

من الغريب أن يتكلف الدكتور شاهين الخوض في النظريات العلمية مع أن هناك شواهد كثيرة في هذا الكتاب تدل على أن أدواته في هذا المجال لا تكفي. ولذلك فقد وقع ضحية لمعلومات نقلها من مصادر غير دقيقة، إن صح أن المعلومات هذه فيها؛ أو أنه وقع ضحية لأخطاء وقعت فيها ولم يتبينها لنقص أدواته في المجال العلمي. ومن ذلك ما قدمناه عن عدم اطلاعه على المصادر العلمية عن نظرية التطور، وعن المصادر العلمية في التشريح. واكتفاؤه بدلا عن ذلك برواية ما يجده عند الآخرين من غير تمحيص، أو الاكتفاء بما تنشره الصحف، مع ما تتصف به تلك النقول من عدم الدقة.

ومن الأمثلة الأخرى على قصور أدواته العلمية أنه ينقل عن "موسوعة الثقافة العلمية" أن تاريخ الفترة الجيولوجية التي تسمى بفترة "ما قبل العصر الكمبري" هو 71,125,000,000(ص25). وربما ظن القارئ أن في هذا الرقم خطأ مطبعيا. لكن الدكتور شاهين يورد هذا الرقم كتابة في (ص26) فيقول:"فقد بدأت الحياة العتيقة بمرحلة ما قبل العصر الكمبري، أي: منذ واحد وسبعين مليارا وخمسة وعشرين مليونا من السنين".

أما ما يكاد يعرفه الناس جميعا في هذا العصر فهو أن عمر الكون كله يقدر باثني عشر بليونا وخمسمائة مليون سنة إلى خمسة عشر بليون سنة في بعض التقديرات. وأن عمر الأرض يقدر بأربعة بلايين وخمسمائة مليون سنة إلى خمسة بلايين. وإذا كان الأمر كذلك فإن الرقم الذي ذكره ليس صحيحا. وكان عليه لو كان يعرف شيئا ذا بال عن العلم الحديث أن يبين عدم توافق هذا الرقم الهائل مع التقديرات المعروفة.

ومما يؤكد عدم كفاية معرفته العلمية أنه يورد تقديرات فترات عمر الأرض في كتاب "آدم عليه السلام" للكاتب التونسي بشير التركي من غير أن يلفت نظره الخطأ فيها. فيقول التركي، كما يروي الدكتور شاهين(ص15):"إن أهم الموجات البشرية أربع". وأن الموجة الأولى يتراوح تاريخها "من أربعة مليارات إلى مليار من السنين، وهي فترة عاش خلالها بشر يسمى(بشر الجنوب) (الأسترالوبتيك)".

وكما هو معروف فإن العلماء يقدرون أن الحياة بدأت على الأرض قبل خمسمائة مليون سنة، وأن الإنسان، حتى في أطواره الأولى، لم يوجد قبل ستة ملايين سنة.

ولو كان يعرف شيئا حقيقيا عن هذه العلوم للفتت نظره هذه التقديرات التي لم تخطر ببال أحد.

معرفته باللسانيات:

يعد الدكتور عبد الصبور شاهين أحد رواد الدراسات اللسانية في العالم العربي، وله بعض الكتب التي تتضمن أبحاثا لغوية، وقد ترجم بعض الكتب عن اللغة العربية من اللغات الأجنبية. وكان ينتظر منه ألا يقع في بعض الأمور التي لا تقرها اللسانيات.

ومن هذه الأمور وقوعه فيما يسمى بـ"الزيف الاشتقاقي"، كما أسلفت. كما أنه وقع فيما يسمى بـ"التحيز اللغوي"، وذلك حين يفضل اللغة العربية على غيرها. ويتضح ذلك من قوله: "والعجيب أن للعربية هنا تميزا وتفوقا على اللغات الأخرى، فقد حققت بهذا اللفظ (بشر) تطابقا عجيبا مع معناه، وكأنما كانت تستملي الغيب، وتستقرئ أستاره، ليمنحها هذه اللفظة، دون اللغات الأخرى في الفصيلة السامية، بل دون ما عهدناه من اللغات الأوروبية" (ص65).
ومع أنه يستنكر، ضمن استنكاره للقصة الإسرائيلية التقليدية للخلق (ص9)، أن يكون اسم "آدم" مأخوذا من "التراب"، إلا أنه يرى (ص129) أن هناك تناسبا، في اللغة العربية، بين الاسم "آدم" و"المادة التي ينتمي إليها وهي (أديم الأرض).

وهذان القولان مثالان لـ"لزيف الاشتقاقي" أيضا. ذلك أن المتخصصين يرون أن أحد المبادئ الرئيسة التي توجه اللسانيات منذ بداية القرن العشرين ذلك المبدأ الذي يسمى بـ"عشوائية العلامة"، ويعني أنه لا يمكن، في أغلب الحالات، أن نعرف السبب وراء تسمية شيء ما باسم معين. كما ترى اللسانيات أنه لا صحة للزعم بتفضيل لغة على لغة، من حيث كونها نظاما لغويا.

ومن الطرائف أنه يقول إن عدد اللغات في العالم ألفان، مع أن عدد اللغات يفوق ستة آلاف، وهو من الأمور المعروفة جدا. ومنها تسميته "الكمبيوتر" بـ"الكمتور" (ص128)، ويعلق في هامش الصفحة نفسها قائلا:"الكمتور: نحت عربي ـ للمؤلف ـ من كلمة كمبيوتر". مع أن هناك لفظا عربيا سائغا مستعملا منذ زمن ليس بالقصير يسمى به هذا الجهاز، وهو "الحاسوب".

وكذلك قوله إن اللغة نشأت عن تقليد أصوات الطبيعة؛ وهو قول قديم يلعب فيه التخيل بسهم وافر.

وهناك ملحوظات أخرى تتصل بعدم دقته في إيراد عدد المرات التي وردت فيها بعض الألفاظ في القرآن الكريم(ص113). فقد ذكر أن كلمة (البشر) وردت مفردة ثلاثين مرة، وذكرت مثناة مرة واحدة. مع أن هذه الكلمة وردت خمسا وثلاثين مرة. ويقول إن كلمة (الناس) وردت اثنتين وستين مرة، مع أن العدد الصحيح خمس وستون. ويقول إن كلمة "أناس" وردت سبع مرات، والعدد الصحيح خمس. وأن كلمة "الإنسان" وردت مائتين وثلاثين مرة، والعدد الصحيح مائتان وإحدى وأربعون(وقد اعتمدت في هذه الإحصائية على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، نشر مجمع اللغة العربية).

بل لقد أخطأ في جمع الأرقام التي أوردها؛ فقد ذكر أن مجموع هذه الأرقام هو ثلثمائة (هكذا!) وإحدى وعشرين مرة". أما جمعها الصحيح، بحسب الأرقام التي أوردها، فهو ثلاثمائة وخمسون. والعدد الصحيح هو ثلاثمائة وأربع وستون.

الأخطاء في إيراد الآيات القرآنية:

وقعت بعض الأخطاء الطباعية في بعض الآيات الكريمة، وكان يجب بذل عناية أكبر لمنع وقوع مثل هذه التطبيعات. وهذه الآيات هي:

"أبشرا من واحدا نتبعه"(ص56) . والصحيح هو: "أبشرا منا واحدا نتبعه"

"ثم سواه ونفخ في من روحه"(ص91). والصحيح هو: "ثم سواه ونفخ فيه من روحه"

"أولا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل"(ص52). والصحيح هو: "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل"

"وقال لأقتلنك"(ص126): "قال لأقتلنك"

الخلاصة:
ليس من غرضي في هذه المراجعة استغلال وقوع الدكتور شاهين في بعض الأخطاء واتخاذ ذلك وسيلة للإساءة إليه. وإنما الدافع إلى كتابة هذه المراجعة أن موضوع الكتاب أخطر من أن يترك لمثل هذه المحاولات التي لا تفيد في إغناء فهمنا لمعاني القرآن الكريم ولا في توسيع معارفنا بالظواهر الكونية.

كما أنني كتبت هذه المراجعة لأبين أن من المزالق التي يقع فيها بعض الباحثين أنهم يريدون أن يردوا العلم بالدين أو أن يردوا الدين بالعلم أو أن يؤيدوا الدين بالعلم أو أن يؤيدوا العلم بالدين. مع أنه ربما ينجم عن كل هذه المحاولات الإساءة إلى العلم أو الدين أو إليهما معا.

والأوفق أن يصان القرآن الكريم بخاصة من أن يجعل مجالا يخوض فيه الخائضون مستخدمين ما تتوصل إليه العلوم من إنجازات. ذلك أن هذه الإنجازات تتصف بالتغير؛ كما يجب أن يصان العلم عن التفسيرات الفطيرة التي تتلبس بالدين.

وقد كتب ستيفن جاي جولد كتابا رائعا عن هذا الموضوع هو:

Rocks of Ages: Science and Religion in the Fullness of Life, 1999

"صخور العصور: العلم والدين في الحياة السعيدة" (وهذه الترجمة للعنوان مؤقتة حتى أصل إلى ترجمة أدق). وسأحاول أن أكتب له عرضا عما قريب إن شاء الله.

وختاما فإن كتاب "أبي آدم"، بالإضافة إلى المآخذ العلمية التي ذكرت، سيئ التأليف؛ إذ إن فيه كثيرا من الاضطراب والتكرار والحشو وسوء التنسيق. هذا في الأقسام التي عرضت لها من الكتاب؛ غير أن في الكتاب فصولا أخرى لا صلة لها بالعلم، وإنما هي تخرصات لا تستند إلى شيء. وأحسن ما في الكتاب كله تلك المواعظ الحارة التي يوردها المؤلف في كل صفحة تقريبا.

ومن المبالغة بمكان أن يقول الدكتور شاهين إن تأليف هذا الكتاب استغرق خمسة وعشرين عاما. وأظن أن الأقرب أن يقال إن هذا الموضوع شغله لهذه المدة الطويلة مما جعله يجمع المعلومات عنه، ويفكر فيه بين الحين والآخر. أما كتابة هذا الكتاب فعلا فلا أظنها استغرقت هذا الزمن الطويل.

وبعد ذلك كله، فإن من العجيب أن ينبري بعض الناس ليلغي حق الدكتور شاهين في أن يرى رأيا جديدا في تفسير القرآن الكريم. بل إن الأمر تجاوز إلغاء هذا الحق إلى التشكيك في دينه. والواقع أن هذا الكتاب يشهد على حسن نية مؤلفه(ولا نزكي على الله أحدا)؛ فهو لم يكذِّب آية في كتاب الله تعالى، ولم تصدر منه كلمة واحدة يمكن أن يفهم منها عدم إيمانه بالله خالقا.

أما فرضيته التي جاء بها فليست إلا واحدة من الاجتهادات التي سبقه إلى أمثالها المفسرون المسلمون على امتداد العصور. ومن أهم المفسرين المعاصرين الذين حاولوا إعطاء تفسيرات جديدة لبعض الآيات القرآنية، مستخدمين منجزات العلوم الحديثة فيها، طنطاوي جوهري والشيخ المراغي وسيد قطب رحمهم الله. ولم يشكك أحد في دينهم، ولم يعد أحد ما جاءوا به خروجا على الإسلام.

ولذلك فِإنه ينبغي، في رأيي، أن نميز بين أمرين: الأول هو أن فرضية الدكتور شاهين في تفسيره لآيات الخلق إنما هي تفسيرات بشرية يجوز عليها ما يجوز على التفسيرات الأخرى من القبول أو عدم القبول؛ والأمر الثاني أنه يجب ألا ينظر إلى هذا الاجتهاد على أنه خروج من المؤلف على الإسلام كما يرى بعض الناس.

أما فرضية المؤلف في هذا الكتاب فقد حاولت أن أبين هنا أنها ليس لها ما يسندها؛ ويجب أن تعامل على هذا الوجه. لكن هذا يجب ألا يتخذ ذريعة لمنعه من أن يرى تفسيرا مخالفا لما عهده الناس، ويجب ألا يتخذ ذلك ذريعة لاتهامه في دينه.


http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=3668
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 12:57 PM   #45
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
#12 13-02-2006, 12:47 AM
أحمد سعد الدين
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
تاريخ الانتساب: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 46,419



--------------------------------------------------------------------------------

التفسير اللغوي:

يتمثل تفسيره اللغوي في ثلاثة أشياء هي:

1ـ تمييزه بين كلمتي "البشر" و"الإنسان".

2ـ تفسيره لكلمة "سلالة".

3ـ دلالة حروف العطف.

وفيما يلي عرض لهذه التفسيرات الثلاثة:

تمييزه بين "البشر" و"الإنسان":

يعتمد تفسيره لنشأة الإنسان على التمييز الذي أقامه بين معنى كلمة "بَشَر" وكلمة "إنسان". فقد افترض أن كلمة "بشر" تطلق على الأطوار القديمة التي كان عليها الإنسان قبل استصفاء الله لآدم من بين بقية المخلوقات التي يطلق عليها "بشر". فالبشر: "تسمية لذلك المخلوق الذي أبدعه الله من الطين، وأصله في اللغة من(ب ش ر)، وهو يفيد(الظهور مع حسن وجمال)، قال ابن فارس: (وهو أصل واحد: ظهور الشيء مع حسن وجمال، وسمي البشر بشرا لظهورهم") (ص64).

و"مع أن كل حيوان أو طير أو حَشَر [انظر هذه الصيغة لجمع "حشَرة" التي يقصد منها أن تتوافق مع "بَشَر"، ليؤكد إطلاق الكلمة الأخيرة على الأطوار الأولى للإنسان] ـ إلى آخر سلسلة الكائنات ـ هو من طين، فإن البشر أبرز هذه المخلوقات، وآكدها وجودا، فلذلك أطلق عليه في القرآن (البشر)، أي: الظاهر على كل الكائنات الطينية، يسخرها لخدمته، ويستمد منها قُوْتَه وقُوَّته ويصارع وجودها تأمينا لوجوده" (ص65).

والملحوظة الأولى على تعريف "البشر" هنا أن هذا التعريف المعجمي ربما يكون سببه ورود هذه الكلمة في قصة يوسف في قوله تعالى: "وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم"، في وصف بروز يوسف عليه السلام للنسوة واندهاشهن بجماله الفائق. وهذا لا يلزم منه أن يكون المعنى الأصلي لهذه الكلمة هو المعنى الذي رواه ابن فارس. وهو ما يعني أن هذا التعريف المعجمي للكلمة ليس صحيحا.

ويعتمد المؤلف في تمييزه بين "البشر" والإنسان" على ورود هاتين الكلمتين في القرآن الكريم في بعض الآيات، حيث لا تدل كلمة "البشر" فيها، كما يرى، على "الإنسان" وإنما تدل على الطور الأقدم له.

فهو يقول تحت عنوان "ملاحظات على العلاقة بين البشر والإنسان"(ص97):

"حقيقة لا ريب لدينا فيها؛ هي أن بين (البشر والإنسان) عموما وخصوصا مطلقا، فـ (البشر) لفظ عام في كل مخلوق ظهر على سطح الأرض، يسير على قدمين، منتصب القامة، و(الإنسان) لفظ خاص بكل من كان من البشر مكلفا بمعرفة الله وعبادته، فكل إنسان بشر، وليس كل بشر إنسانا. والمقصود هو طبعا المعنى الأول الذي استُعملت فيه الكلمة (بشر) في آيات القرآن، وهو الظاهر أو المتحرك مع حسن وجمال". و:"لقد كان (البشر) خلال الأحقاب والعهود المتطاولة مجرد مخلوقات متحركة، حيوانية السلوك، ولكنها تزداد في كل مرحلة تعديلا في سلوكها، ونضجا في خبرتها، وتلونا في طرائق التفاهم اللغوي فيما بينها".(ص101)

وحين يستعرض الآيات التي ورد فيها لفظ "بشر" يجد أن هذا اللفظ استخدم في أربعة معان، هي (ص70):

1ـ البشر: هو الظاهر على كل الكائنات (وهو المعنى الأصلي)

2ـ المخلوق بإطلاق (وهو المعنى الأعم)

3ـ المخلوق غير المتميز (وصف سلبي)

4ـ المخلوق المتميز (وصف إيجابي)

أما "الإنسان" فطور أحدث لـ"لبشر"، جاء نتيجة للتطورات التي حدثت للبشر بمرور الأحقاب حتى وصل إلى طور صار فيه مؤهلا ليكون خليفة الله في الأرض. ويبين ذلك في قوله (ص98): "أما (الإنسان) فلا يطلق بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير، وهو الذي يبدأ بوجود آدم عليه السلام، وآدم ـ على هذا ـ هو (أبو الإنسان)، وليس (أبو البشر)، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله، تمهيدا لظهور ذلك النسل الآدمي الجديد. اللهم إلا تلك العلاقة العامة أو التذكارية، باعتباره من نسلهم".

"فإذا شرع[القرآن] في بيان حقيقة الخلق منذ البداية؛ ذكر أن هذه البداية كانت في صورة (بشر) هكذا مُنَكَّرا، باعتباره النموذج الذي أجريت عليه عمليات التسوية، والتصوير، والنفخ من روح الله (والتزود بالملكات العليا التي كان بها البشر إنسانا ـ وهي: العقل، واللغة، والدين)". و"لأمر ما وجدنا القرآن لا يخاطب البشر، بل يخاطب الإنسان، والتكليف الديني منوط بصفة(الإنسانية)، لا بصفة (البشرية)، فلم يعد للبشر وجود منذ ظهر آدم عليه السلام. . . "(ص88). ثم يصف "البشر" بأنهم "جماعات الهمج البشرية" (ص99).

لكن هذا "التأثيل" لكلمة "بشر" ليس مسَلَّما؛ فهناك عدد من المشكلات التي تعترض سبيله، وتمنع الأخذ به، بالإضافة إلى عدم صحة التعريف المعجمي للكلمة، كما رأينا. ثم كيف يستقيم أن يكون معنى "بشر" (الظهور مع حسن وجمال)، مع وصفه لهؤلاء البشر بأنهم "همج"، ومع أن بقايا الأطوار القديمة التي وجدها الباحثون لهؤلاء "البشر"، وهي التي لا يعترض المؤلف على أنها تمثل "البشر"، لا تتناسب في حسنها وجمالها مع حسن الإنسان المعاصر وجماله؟

يضاف إلى ذلك أن المعاني الأربعة، التي يرى أن لفظ "بشر" استخدم لها في القرآن الكريم، ليست صحيحة كما سيتبين بعد قليل.

وحين نستعرض السياقات التي وردت فيها كلمة "بشر" في القرآن الكريم فإننا نجدها تستعمل، معرَّفة ومنكَّرة ومُثَنّاة، بمعان تختلف عن المعاني التي يقول إنها استعملت فيها. فقد استعملت في المعاني التالية:

بمعنى رجل:

ومن الشواهد على هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى:

"قالت رب أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر"(آل عمران، 47)

وهو المعنى الذي نجده في الآيات:

1ـ"وقلن حاشا لله ما هذا بشرا"(يوسف31)

2ـ"ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلِّمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين"(النحل103)

3ـ "فتمثل لها بشرا سويا"(مريم17)

4ـ"قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر"(مريم ، 20)

5ـ"فكلي واشربي وقَرِّي عينا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26).

بل إنها لا يمكن أن تفهم، في بعض الآيات، إلا على أنها تدل على "الرجل". وذلك في مثل الآية التي ذكرتها هنا والآية (20) في سورة مريم:

"قالت أَنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر"(مريم ، 20).

فمن الواضح أن مريم عليها السلام تستغرب، في هاتين الآيتين، أن تلد غلاما من غير أن يمسها رجل؛ إذ لا يمكن أن تخاف من أن تمسها امرأة في هذا السياق. يضاف إلى ذلك أن هاتين الآيتين تصوران حدثا وقع في زمن يدخل فيما يطلق عليه الدكتور شاهين "زمن التكليف"؛ أي أنه وقع في طور "الإنسان"، لا طور "البشر"، إذا استعملنا مصطلحات المؤلف. فاستخدام كلمة "بشر" في هاتين الآيتين ينفي المعاني التي يراها الدكتور شاهين لهذه الكلمة؛ وهي بذلك دليل ضد فرضيته في هذا الكتاب التي تحصر مفهوم كلمة "بشر" على الطور الذي سبق الإنسان المكلف.

كما أن الآيات الكريمة الأخرى تدل دلالة أكيدة على أن المقصود إنما هو الإنسان الذَّكر، أي الرجل.

بمعنى "نبي" أو "أنبياء":

وتأتي كلمة "بشر" كذلك في سياق الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ وذلك في وصف الله سبحانه وتعالى للأنبياء بأنهم من جنس الإنسان. كما تأتي في وصف الأنبياء لأنفسهم بأنهم من بني الإنسان وإنما فُضِّلوا على غيرهم بالاختصاص بالرسالة. وتأتي كذلك في الدلالة على استنكار أقوام الأنبياء أن يرسل الله تعالى رجالا منهم أنبياء. وقد حدث كل ذلك في الفترة التي يمكن أن يسميها الدكتور شاهين بفترة طور "الإنسان". وذلك كما في قوله تعالى:"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون"(آل عمران 79)

وهذا هو المعنى الذي نجده كذلك في الآيات:

1ـ"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونها قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"(الأنعام91)

فموسى هنا من جنس البشر.

2ـ "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين"(إبراهيم 10)

3ـ"قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (إبراهيم11)

4ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بربه أحدا"(الكهف110)

5ـ"لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم لا تبصرون"(الأنبياء3)

6ـ"وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون"(الأنبياء34)

7 ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين"(المؤمنون24)

8ـ"ولو أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون"(المؤمنون 34)

9ـ"ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين"(الشعراء154)

10ـ"وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين"(الشعراء186)

11ـ"قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما انزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون"(يس15)

12ـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين"(فصلت6)

13ـ"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليٌّ حكيم"(الشورى51)

14ـ"ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد"(التغابن6)

15ـ"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين"(هود27)

16ـ"أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا"(الإسراء 93)

17ـ"وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا" (الإسراء94)

18ـ"ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون"(المؤمنون34)

19ـ"فقالوا أنؤمن لبشريْن مثلنا وقومهما لنا عابدين(المؤمنون 47)

20ـ"فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر"(القمر24)


وتأتي كلمة "البشر" في الدلالة على آدم؛ أو على عموم أفراد بني الإنسان، فيما يتصل بالخلق:
كما في قوله تعالى:"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28)

وهو المعنى الذي في الآيات:

1ـ"قال لم أكن أسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر33)

2ـ"إذ قال ربك إني خالق بشرا من طين"(ص71)

3ـ"وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"(الفرقان54)

4ـ "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"(الروم20)

وتأتي في الدلالة على بني الإنسان عموما، فيما لا يتصل بالخلق:

كما في قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير" (المائدة18)

وهو المعنى في الآيات:

1ـ"إن هذا إلا قول البشر"(المدثر25)

2ـ"وما هي إلا ذكرى للبشر"(المدثر31)

3ـ"نذيرا للبشر"(المدثر36)

ومن الواضح أن كلمة "بشر"، منكَّرة ومعرَّفة، في هذه الآيات إنما تنصرف إما إلى "الرجل" أو إلى أفراد من جنس الإنسان في الطور الذي يمكن أن يسميه الدكتور شاهين بطور التكليف.

وبهذا فإن فرضيته التي تقضي بأن كلمة "البشر"، معرَّفة ومنكَّرة، تدل في القرآن الكريم على طور قديم للإنسان لا يمكن أن تقبل.

بل إننا نجد أن هذه الكلمة في بعض الآيات لا تدل إلا على "الإنسان" في الفترة التاريخية لبني الإنسان. ومن أوضح الآيات دلالة في هذا المعنى الآية التي وردت في سورة مريم، وهي قوله تعالى:

"فكلي واشربي وقَرِّي عيْنا، فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" (مريم26).

وكما هو واضح في هذه الآية فإن مريم عليها السلام تستطيع رؤية "البشر"، وهو ما يعني أنهم الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة التاريخية. ثم إنه لما لم يكن لكلمة "البشر" مفرد من لفظها فقد استعمل القرآن الكريم وصفا من المادة اللغوية التي جاء منها لفظ "الإنسان" وهو "إنسي". وما دام أن كلمة "إنسي" استخدمت وصفا لـ"البشر" فإن هذا يدل دلالة أكيدة على أن "البشر" مرادف لـ"الإنسان"، وأن فرضية المؤلف التي تقوم على التمييز بينهما في الدلالة لا تصح.

ويجب أن أشير هنا إلى أن الدكتور شاهين لم يورد هذه الآية في الكتاب كله. وهو ما يدعو إلى التساؤل عن سر عدم إيراده لها: أتراه يجهلها؛ أم أنه نسي الإشارة إليها؛ أم أنه لم ير فيها شيئا جديدا يضاف إلى ما ورد في الآيات التي أوردها؟

وهذه الاحتمالات كلها واردة عند من يريد أن يعتذر للدكتور شاهين. أما الذين يريدون أن يفهموا من عدم إيراده إياها شيئا آخر فإن أول ما يخطر لهم أنه تعمَّد عدم ذكرها لأنه يعرف أنها أوضح دليل ينقض فرضيته.

ويمكن أن يستأنس لهذا الاحتمال بما فعله الدكتور شاهين في إيراده الآية 79 من سورة آل عمران غير كاملة، فقد أوردها على الصورة التالية: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة"(ص69).

وربما بدا للقارئ غير المتمعن أن معنى هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ينفي أن يكون "البشر" أهلا لتلقي "الكتاب والحكم والنبوة"، أي "التكليف"، بمصطلح الدكتور شاهين. وهو ما يتماشى مع فرضية الدكتور شاهين التي تقضي بأن "البشر" نوع بدائي قديم لم يؤهله الله لتلقي الكتاب ولم يؤته الحكم ولا النبوة التي اختص بها الإنسان الذي يمثل نوعا متطورا جاء بعد "البشر" بآجال طويلة، وصار "مكلفا بالتوحيد والعبودية".

أما هذه الآية بتمامها فهي:

"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلِّمون الكتابَ وبما كنتم تدرسون".

والواضح أن معنى هذه الآية ينصرف إلى الأنبياء على وجه الخصوص، وهو ما يعني أنها موجهة لمن يدخل في جنس "الإنسان"، بتعريف الدكتور شاهين. بل ربما كان المقصود فيها عيسى بن مريم عليه السلام تحديدا، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآيات التي سبقت هذه الآية والآيات التي جاءت بعدها.

وخلاصة القول أن فرضية الدكتور شاهين تسقط اعتمادا على المعنى الذي تؤديه هاتان الآيتان وحدهما. ذلك أن كلمة "بشر" فيهما مرادف لكلمة "إنسان" بشكل لا لبس فيه.

ومع هذا فإننا سوف نستمر في عرض فرضيته بالنظر في المعاني التي يرى أن كلمة "الإنسان" تدل عليها.

فهو يقرر في (ص16) أن:"المشروع الخلقي[للإنسان] كان واحدا. . .[منذ البداية] إلى يوم الناس هذا، وأن البشر قد مر في مراحل من (التسوية، ونفخ الروح الإلهي) في مراحل متدرجة من حيث النضج، وهو ما اختلفت به هويات الأجيال، وكل ذلك في إطار المرحلة البشرية إلى أن كان(آدم) أول الإنسان الأول[هكذا]، الذي اصطفاه الله نبيا، فكان أبا الإنسان. . ." .

ويقول في (ص99):"وليس يبعد أن نفترض أن الخالق سبحانه ـ وقد مضت مشيئته بتفرد آدم وذريته بالسيادة على الأرض، والنهوض بأمر الدين، وإقامة التكاليف، وفي مقدمتها التوحيد ـ قدر سبحانه فناء كل البشر، من غير ولد آدم، وذلك بعد عزل السلالة الجديدة المنتقاة في الجنة، حتى تتم إبادة جماعات الهمج البشرية، لتبدأ بعد ذلك الملحمة الإنسانية، بطليعتها المصطفاة: آدم وحواء، وبدأ التكليف داخل الجنة، وبدأ الصراع بعد أن أخليت ساحته من العناصر الطفيلية التي لم يعد لها دور، بل التي انتهى دورها، ليبدأ على الأرض دور جديد. . ."

فالإنسان، إذن، "تطور" عن البشر.

غير أن لفظ "الإنسان" ورد في حديث القرآن عن قصة الخلق مسبوقا وملحوقا بالكلمات نفسها التي وردت مع اللفظ "بشر". وذلك في مثل قوله تعالى:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر26)

"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون"(الحجر28)

لكن الدكتور شاهين، أمام مثل هذه الآيات التي ورد فيها لفظ "إنسان" ولفظ "بشر" في سياق متماثل، يقول: "إن استعمال لفظ "الإنسان" في الآية الأولى[هنا] إنما كان لأجل المقابلة بينه وبين "الجان"، أما". . . الحديث عن الأصل الترابي[فـ]يرتبط غالبا (بالبشر). وهو ما تبينه الآية الثانية".

لكن هذا التحليل ليس مقبولا لأن السياق اللغوي واحد، فضلا عن أنه يقول في موضع آخر: "وربما كان إطلاق كلمة(بشر) أيضا بهذا المعنى، وهو(الظهور) ـ مقابلا لما يتصف به عالم الملائكة، وعالم الجن، من عدم الظهور، فهم خلق لا يُرى، وقد قرر القرآن ذلك بشأن (الجن)، إذ هي كلمة مشتقة من معنى: (الاجتنان) وهو الاستتار. . ."(ص65).

وهو ما يعني أن المقابلة تكون بين "البشر" والجن والملائكة أيضا.

كما يعتمد في تمييزه بين كلمتي "البشر" والإنسان" على أن لفظ "الإنسان" هو الذي يرد في القرآن في مجال التكليف.

غير أن هذا القول غير دقيق؛ إذ إن لفظ "البشر" يرد في مجال التكليف أيضا. وذلك في مثل قوله تعالى :

"وما هي إلا ذكرى للبشر"(المدثر31)

"نذيرا للبشر"(المدثر36)

فتدل هاتان الآيتان على أن البشر "يُنذَرون" و"يُذكَّرون". وهو مما يدل على اكتمال مؤهلاتهم العقلية واللغوية أيضا، وأنهم وصولوا إلى مرحلة التكليف التي تدل على مستوى "الإنسان". لذلك فإن تمييزه بين الكلمتين لا معنى له.
__________________

http://66.102.9.104/search?q=cache:t...r&ct=clnk&cd=2
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 01:49 PM   #46
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 553
قوة التقييم: 0
المستعين بالله is on a distinguished road
يا أيها الأخ القدير الرائع ( سالم الصقيه ) :

سامحك الله كيف خدعت صخراً بنقلك عن المصدر الشيعي ما يوافق هواه ، حتى اغترّ بك وقال لك :

اقتباس:
الأخ الرائع .... سالم الصقيه

وجودك في مواضيعي يزيدها روعه
ثم خسفت به وبموضوعه وأفكاره الأرض .

سامحك الله : لو تركتنا على جهلنا بحقيقته ، وتصديقنا بأن ما يكتبه هو من ( تدبّره لكتاب الله ) ، وما فضحته بنقلك نظرية الدكتور عبد الصبور شاهين ، ثم بالردود على الدكتور وهي والله قاصمة للمتعالم صخر قبل أن تقصم ظهر نظرية الدكتور عبد الصبور شاهين .


يا صخر : صدقناك بأنك تتدبر كلام الله ، ولكن طلعت من اللصوص .
كفاك ... كفاك ... كفاك .
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
المستعين بالله غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 02:28 PM   #47
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
البلد: الرياض
المشاركات: 1,772
قوة التقييم: 0
أبو أسامة is on a distinguished road
قال صخر :
اقتباس:
قد ذكرت بأن المجنون لا يدخل ضمن لفظ الإنسان ويمكن أن يعاشر النساء ويكون هناك حمل
هذا تأكيد على ما سبق أن قاله من قبل ، وقد طلبت منه أن يأتي بدليل على أن المجنون ليس إنساناً .

والآن أتمنى أن يبيّن لي : هل المجنون خارج عن لفظ ( الإنسان ) المذكور في الآيات التالية :

{يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً }النساء28
هل الإنسان العاقل ضعيفٌ ، والمجنون ليس ضعيفاً ؟

{خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }النحل4
مم خلق المجنون ؟ ألم يخلق مِن نطفة ؟



{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }ق16
ألم يخلق الله المجنون ،وألا يعلم الله ما توسوس به نفس المجنون ؟

{خَلَقَ الْإِنسَانَ علمه البيان }الرحمن3_4
أليس الله خلق المجنون لا يعلم شيئاً ، ثم علّمه النطق ، كما قال الله تعالى : {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }النحل78

{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ }القيامة3
ألن تجمع عظام المجنون ؟

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً }الإنسان1
أليس أصل العاقل والمجنون واحداً ، وكلاهما لم يكن شيئاً مذكوراً ؟

{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً }الإنسان2
هل خلق المجنون من غير النطفة الأمشاج ؟

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4
وأيّ كبدٍ أعظم من كبد المجنون ؟ ومع هذا يخرجه صخر من الآية !!!

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }التين4
هل المجنون لم يخلق في أحسن تقويم ؟

{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ }العلق2
هل المجنون لم يخلق من علق ؟

{عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }العلق5
هل الله لم يعلّم المجنون ما لم يعلم ؟ وقد خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً ؟
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
أبو أسامة غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 02:37 PM   #48
Banned
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
البلد: لبنان
المشاركات: 736
قوة التقييم: 0
أمة اللّه is on a distinguished road
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أخواتي وإخوتي المتابعين لموضوع أخينا صخر..
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أتمنّى أن تتّسع صدوركم لملاحظتي.. ..
فأنا من متابعي الرّدود على أخينا صخر باهتمام كبير..
وقد لفتت نظري أسماء راقية جدّا امتطت ركب الحوار، وقدّمت الكثير من المعلومات والنّقاشات المفيدة..
وهذا أهمّ مافي الموضوع...
وقد لاحظت أنّ أخانا يتمتّع بمرونة كبيرة في قبول الآراء النّقيضة..
غير أنّه مع ذلك يتمتّع بحسّ مرهف يدفعه في الاتّجاه الآخر، إن تعرّض لاستفزاز في استعمال بعض المفردات الّتي تحمل معاني الاتّهام والاستهزاء، مايفسد هدف الحوار، في الإقناع وتصحيح الأفكار...
..................................
أتمنّى أن تأخذوا أخي صخر بحلمكم..
احتراماً لمشاعره المرهفة ومشاعر المتابعين..
وأن تجرّبوا أن تجادلوه بالّتي هي أحسن..
وتستعملوا في الحوار معه الكلام الطّيّب الّذي لايتضمّن معاني الاستهزاء والاستخفاف بثقافته وقدراته..
ولاحتّى بطريقة كتابته وأخطائه الإملائيّة واللّغويّة..
فمن لايعمل لايخطئ..
ولا أحد منّا معصوم عن الزّلل..
أظنّها أفضل طريقة لإيصال المعلومة إليه وإقناعه بها..
وكما يبدو لي أن لامشكلة لدى الأخ صخر في الاعتراف بالخطأ والرّجوع عنه..
إن أحسنتم اختيار أسلوب إقناعه..
والله يهدي الجميع..
مع اعتذاري..
ورجائي أن لا تعتبروا ذلك انتقاداً لأحد من الأعضاء الّذين تفضّلوا بدعم الموضوع بمعلومات مذهلة، أضافت إلى معرفتي الكثير..
أخصّ بالشّكر أخي وأستاذي سالم الصقية، وأستاذنا جميعاً أبا أسامة، وأختنا الرّاقية شعرة معاوية...
أختكم: أمة الله..
أمة اللّه غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 03:12 PM   #49
عضو مبدع
 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 1,335
قوة التقييم: 0
صخــر is an unknown quantity at this point
مرحبا أخي أبو أسامة ..

أجعلنا نأخذ النقاط حبه حبه ... أتمنى أن لا يوجه أحدنا للأخر أكثر من سؤالين قبل أن يرد الأخر حتى لا تتشتت الأفكار
وأعذرني فإن لست مثلك سريع بالكتابة


تقول
بعد هذه منك لا ملامة عليّ إذا قلت : إنك لا تفهم .
فإذا كان هذا هو تدبرك للقرآن فأنصحك بأن لا تفعل ذلك في كتاب الله .

يا أخي ما علاقة جبريل والملائكة والجن بهذه الآية ؟

الكفار يقولون : إنّ رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن عبد رومي .
فردّ الله تعالى عليهم بأنّ الذي يشيرون إليه ، وهو العبد الرومي ، لسانه أعجمي .
ثمّ بدأ القول عن القرآن فقال : ( وهذا لسانٌ عربيٌّ مبينٌ ) .
طبعاً لم يقل : ( وهذا لسانُ عربيٍّ مبينٍ ) .
فلا حديث هنا عن جبريل عليه السلام ، ولا عن كونه ملكاً ...
ولذلك قولك : ( يعني لم يقولوا الذي يعلمه جن أو ملك ) هراء في هراء .

إنّ فيك يا أخي جرأة غير محمودة على القول في كلام الله بلا علم .
فانتبه لهذا قبل الندم
.

أتمنى أن تفهمني هذه الآية لا علاقة لها بجبريل ولكن كفار قريش بما أن الرسول أمي قالوا يعلمه بشر ويمكن ذكروا أسمه ... ولكن لو قالوا (( يعلم )) - لا أعرف أضع تشكيل الحركات ولكن أعتقد أنك فهمتها – ولم يذكر بشر ولا غيره لكان كلامهم صحيح .. لان جبريل هو الذي يعلم الرسول القران بدليل قول الله تعالى ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ))

فأتمنى أن تكون فهمتني وفهمت لماذا جاء بذكر (( بشر )) فالآية التي ذكرتها لي



احترامي
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
صخــر غير متصل  
قديم(ـة) 10-08-2007, 03:18 PM   #50
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
البلد: الرياض
المشاركات: 1,772
قوة التقييم: 0
أبو أسامة is on a distinguished road
سبق أن قال أبو أسامة _ عفا الله عنه وعن والديه :

اقتباس:
وأختم بما قد يكون من أنصع الآيات وضوحاً في الدلالة على أن البشر يراد بها الإنسان دون سواه :

قال الله تعالى :
( ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ{20} ثُمَّ نَظَرَ{21} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ{22} ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ{23} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ{24} إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ{25} سَأُصْلِيهِ سَقَرَ{26} وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ{27} لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ{28} لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ{29} عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ{30} وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ{31} كَلَّا وَالْقَمَرِ{32} وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ{33} وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ{34} إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ{35} نَذِيراً لِّلْبَشَرِ{36} لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ{37}) .

إنّ ( البشر ) في الآية عامة ، فهل تدخل فيها الحيوانات ؟

لكن ( سقر ) _ أجارنا الله وإياكم منها _ لمن أعدّتْ ؟

وهل الذكرى لغير الإنسان ؟

وهل تنفع النُذُرُ غير الإنسان ؟
فقال أخونا صخر _ هدانا الله وإياه _ :

اقتباس:
هنا تكون أقوى الحجج ... ولكن الآيات هنا غير واضحة بالنسبة لي وتحتاج إلى تدبر لكل كلمة وربط بين الآيات ... وصدقني إذا وجدت تفسيراً واضحاً يقنعني سأتراجع عن قولي
فيقول أبو أسامة :
يا أخي صخراً : ارجع إلى الحق ؛ فهو أحقّ أن يتبع ، فالآيات ناصعة الدلالة على خطئك في ما تردده ..
تدبّر ما شئت ، لكن ارجع إلى الحق .

أما قولك :
اقتباس:
(وصدقني إذا وجدت تفسيراً واضحاً يقنعني سأتراجع عن قولي ) .

أولاً : ( قل : إن شاء الله ) .
وثانياً : هل تبحث في التفاسير ؟ < هذا تطوّر يفرحني > .

ثم قال أخونا صخر :

اقتباس:
ولكن عندي نقطة أحب ذكرها

أليس قبل حدوث الزلازل والبراكين تكون هناك علامات تستدل بها الحيوانات على قرب حدوث الزلازل والبراكين ... أليست هذه تسمى نذراً ؟؟؟

فيقول أبو أسامة _ ألهمه الله الصبر والاحتساب _

والله العظيم إنني أرغب في الضحك ، ولكني سأحمل قولك هذا على تعبك من كثرة التدبر ...
فاسمح لي أن أشرح لأحبابنا ما تريد :
لما قال الله تعالى : ( نذيراً للبشر ) ، وأخونا صخر يعتقد أن البشر هم الناس والحيوانات ، وما دامت الحيوانات تسمع النذر التي تسبق الزلازل والبراكين ، فهي نذر لها ، إذن قوله تعالى : ( نذيراً للبشر ) أي : نذيراً للإنسان والحيوان !!!!
هكذا يريد أن يقول !!!
وأقول : بما أنه وعد بأن يتدبر كل كلمة وأن يربط بين الآيات ، فأرجو أن ينتبه إلى أن الآيات تتحدث عن سقر ( جهنم ) ، وليست عن الزلازل والبراكين :
الله يقول : ( سأصليه سقر ) ، ثم راح _ جل جلاله _ يصفها ، ثم قال : ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) ، ثم راح ربنا _ عزّ وجل _ يقسم بالقمر والليل والصبح على ماذا ؟ يقول : ( إنها لإحدى الكبر ) : الحديث ما زال عن سقر ، فإحدى الكبر هي النار ، ثم قال : ( نذيراً للبشر ) أي : للناس ، فأين نذر الزلال والبراكين ؟ وأين الحيوانات .
ولو كان أخونا صخر يعرف قواعد اللغة العربيّة لقلت له :
تأمل قول الله تعالى : ( نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخّر ) . فلما قال : ( للبشر ) فسّره بالبدل : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) ، فأبدل من العام ( البشر ) خاصاً ، وهم المخاطبون .

أخي العزيز ( صخراً ) :
هذه الآيات فيها من الوضوح ما يزيل أدنى شبهة ، فأرجوك اقبل الحق ولا تكابر .
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً

آخر من قام بالتعديل أبو أسامة; بتاريخ 10-08-2007 الساعة 03:22 PM.
أبو أسامة غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
.•.°.• فكر بصوت مسموع.. وبعثر حروفك بهدوووء.•.°.• ( دعوة عامة) جنى المحبة المنتدى الأدبي والشعر و الألغاز 369 01-11-2007 07:20 AM
كل ما يخص بالغة الانجليزية فى 300موقع من الابتدائيةالى الدكتوراة /بعد تعب ياريت يعجبك رجل الأعمال المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن 6 01-08-2007 07:38 AM
تهافت الخراشية هنبعل المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 2 10-07-2007 10:11 PM
المراهقة: خصائص المرحلة ومشكلاتها هيكل عظمي المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 2 06-06-2007 02:45 PM


الساعة الآن +3: 10:27 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19