|
جني يعظ أنسي
أحمد عسيري
ليس دفاعاً عن مثقفي الجن
قالوا في الأثر: حدث خليفة العبدي قائلاً: "مات ابن لي صغير، فوجدت عليه وجداً شديداً، وارتفع عني النوم فوالله إني ذات ليلة لفي بيتي على سريري، وليس في البيت أحد، وإني لمفكر في ابني، إذ ناداني مناد من ناحية البيت: السلام عليكم ورحمة الله يا خليفة قلت: وعليكم السلام ورحمة الله. قال: فرعبت رعباً شديداً، ثم قرأ المنادي آيات من آخر سورة آل عمران حتى انتهى إلى قوله تعالى: "وما عند الله خير للأبرار" ثم قال: يا خليفة! قلت لبيك. قال: ماذا تريد أن تخص بالحياة في ولدك دون الناس أفأنت أكرم على الله أم محمد صلى الله عليه وسلم، قد مات ابنه إبراهيم فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، أم تريد أن تدفع الموت عن ولدك وقد كتب على جميع الخلق؟ أم تريد أن تسخط على الله وترد في تدبيره خلقه؟ والله لولا الموت ما وسعتهم الأرض. ولولا الأسى ما انتفع المخلوق بعيش ثم قال: ألك حاجة؟ قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: امرؤ من جيرانك الجن". أخرجه ابن أبي الدنيا.بعد أن قرأت هذه الحادثة قلت: سبحان الله ظننت أن الوعاظ من الإنس فقط ولم أكن أعتقد أن الجن يمتلكون هذه القدرة العجيبة من الوعظ بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذا يفتح لنا أفقاً آخر للتفكير والمخيلة الاجتماعية والمشروع العقلاني وتعالق الأفعال الشعورية، والتمثلات المتباينة، حيث طرحت سؤالاً مهيجاً للساكن في عقولنا: هل تخلى وعاظ الجن عن ملامسة القضايا الاجتماعية الملحة وتعزيز الغايات الأخلاقية كما تخلى عنها بعض وعاظ الإنس في عصرنا الحاضر؟.
ولكن المحير والمستغرب: لماذا لم يتطوع أحد مشايخهم وبالذات (الصالحون) منهم فينصح ويحذر من تفشي ظاهرة قنوات الدجل والشعوذة والسحر والكهانة وتحضير الأرواح والخوارق الكاذبة وينصح جماعته بعدم الانسياق وراء الأوهام الخادعة التي يدعوهم لها الإنس الفاسدون والمدلسون، أو يصدروا فتوى تحرم الوقوع في هذا الشرك والشركيات التي نصبها لهم شياطين الإنس وخاصة أن فيهم -أي الجن- من يمارس الفتوى كما ذكر ذلك يحيى بن ثابت أنه كان مع حفص الطائفي بمنى فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية يفتي الناس، فقال لي حفص: يا أبا أيوب أترى هذا الشيخ الذي يفتي الناس هو عفريت! قال: فدنا منه حفص وأنا معه، فلما نظرت إلى حفص وضع يده على نعليه ثم اشتد وتبعه القوم وجعل يقول: يا أيها الناس إنه عفريت. رواه ابن شكر. انظر (عالم الجن وأسراره) مصطفى عاشور. إنني أسأل صناع ومؤسسي تلك القنوات العابثة والمبتذلة والفاقدة لمعنى الوعي الأخلاقي والوقوع فريسة للشطط ومزالق السقوط: لماذا لم تساعدوا سكان الوطن العربي بكل شياطينكم وعماركم ومردتكم وأباليسكم وعفاريتكم وأغوالكم وسعاليكم وبكل تلبيسكم وتخييلكم وإغوائكم وجهلكم وخرافاتكم، لماذا لم يتسلل أحدكم إلى مفاعل ديمونة الإسرائيلي فيبطل مفعوله ويدمر خطورته ويمنع عنا ضرره؟، لماذا لم يتسلل مردتكم إلى سجن جوانتانامو فيطلق سراح أبنائنا المعتقلين بغير وجه حق؟، لماذا لم تنصحوا قادة فتح وحماس ليوفوا بما عاهدوا الله عليه تحت أستار الكعبة؟، لماذا لم تساعدونا في وضع برامج واستراتيجيات للقضاء على البطالة في الوطن العربي؟، ألا يكفيكم ما ألبستم الناس من أقنعة للوهم وأدخلتموهم كهوف الارتياب والعتمة والتعويل على الزيف والفهم المنحرف لعقيدتهم والانسياق وراء الموانع والصوارف الكهنوتية والتلاعب بالغرائز الشعبية لدى الدهماء من الناس؟.
لقد استرعى انتباهي في تلك القنوات السامة مشاركة المرأة بمكياجها وملبسها الأنيق وبشرتها البيضاء وشعرها المخملي، ومشاركة الرجال بالمشلح المقصب والقميص المشجر وقصة الشعر الفرنسية، بينما سحرتنا ومشعوذونا الذين يقبض عليهم في بلادنا يتمتعون بالبراطم المهدلة كبراطم مزايين الإبل والسحنة الداكنة والعيون الحجرية والقاسية، وهذا ما لم أجد له تفسيراً حتى هذه اللحظة.
|