عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن المواضيع المنقولة من الانترنت وأخبار الصحف اليومية و الوطن.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 16-12-2007, 05:01 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
غطرسة الجهل وتواضع العلم

غطرسة الجهل وتواضع العلم



إبراهيم البليهي



إن غطرسة الجهل المزدوج هي الأصل في التعامل بين الثقافات المختلفة وحتى داخل الثقافة الواحدة عند الاختلاف إن مئات الملايين من الناس في كل مكان بل إن آلاف الملايين مبرمجون بالجهل المزدوج منذ طفولتهم لكنهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الاختطاف المبكر وهذه أفظع معضلة واجهتها وتواجهها الإنسانية منذ بداية تاريخها لأنها تحول دون تقارب الشعوب وتمنع التآخي بين الأمم وتلغي تأثير العلوم وتعطل قابليات العقول وتجعل النفوس تمتلئ بالأحقاد وتتفجر بالعداوات فتؤجج الصراعات والحروب..
إن الإنسان المأخوذ بالجهل المركَّب متغطرسٌ ومنتفشٌ واثقٌ ومتصلبٌ وأرعن وفظ إنه يعطل قابلياته الجيدة ولا يستفيد من إمكانات عقله فهو متحفّزٌ دائماً للدفاع عما تبرمج به فيحرم ذاته من التغذية الضرورية المتنوعة التي لا نمو للعقل إلا بها وبهذا الحرمان من التغذية لا يتمكن من تطوير قابلياته العظيمة ولا يبني قدراته الممكنة فأفكاره لا تنمو ورؤاه لا تتطور ومعارفه لا تتغيَّر ومواقفه لا تتأثر بفيض الحقائق، لقد أغلق على نفسه داخل قوالب ذهنية ضيقة وصلدة فلا يمكن إقناعه ولا التحاور معه إن جهازه الذهني مُقفلٌ إقفالاً مُحكماً فلا يتقبَّل الحقائق ولا يعرف الاحتمالات ولا يطيق فتح النقاش حول ما استقر في ذهنه ولا التساؤل حول ما تبرمج به في طفولته. إن عقله يشبه كتلة الجبس إذا تشكلت وجفَّت فلا يمكن إعادة تشكيلها بل تصبح عبئاً على البيئة تشغل المكان وتعرقل حركة الناس دون أن يُستطاع الاستفادة منها، فهي كتلة صماء غير صالحة لأي استخدام نافع وكذلك العقل إذا تبرمج بالجهل المتوهم علماً فإنه يصير جاهلاً بجهله ويتوهم أن جهله علماً فيأبى الحقائق ويرفض العلم ويعرقل مسيرة الحياة..

إن المأسور بالجهل المزدوج واثق ثقة مطلقة من صواب ما تبرمج به فلا يفيق من غيبوبة البرمجة إلا بصدمة قوية تضيء له أعماق ذاته ولكن هذه الصدمة الضرورية من النادر أن تحدث لمن هم غارقون في بيئتهم وحتى لو خرجوا عنها جسدياً فإنهم يبقون مغلقين عن أي تأثير مما يستبقي الفرد أسيراً بما تبرمج به مهما سافر وتنقل ومهما درس وتعلَّم ومهما نال من شهادات أكاديمية عالية فلا يسمح بأن يُسلَّط الضوء على ما تبرمج به في طفولته ولا أن تُعاد برمجته وكغيره من المبرمَجين يظل مرتَهناً طوال حياته فلا تتاح له الإفاقة من البرمجة المسيطرة إلا إذا حصل في مجتمعه توجُّه عام يعيد تأسيس وتكوين ثقافة المجتمع بأسره تتبناه جميع المؤسسات الرسمية والأهلية وتعمل معاً بتضافر وفاعلية فالمبرمَج بالجهل المزدوج يبقى مغتبطاً بالجهل الذي يحسبه علماً فيغلق منافذ عقله عن أية إضاءة فهو عبءٌ على نفسه وعلى مجتمعه وعلى الإنسانية كلها فوثوقه بجهله هو وثوقٌ مطلق بلا حدود والمعضلة أن هؤلاء المبرمَجين بالجهل المركَّب يمثلون الثُّقءل الأكبر من الجنس البشري أما الخروج من كهوف هذا الأصل والتمتع بإشراقات وروح العلم فهو الاستثناء وهذه البرمجة الفظة هي أقوى عوائق التقدم وأشد عوامل العطالة وأغزر منابع الشرور والعداوات البشرية وهي أكبر أسباب الحروب والكوارث الإنسانية...

إن الجهل المركَّب هو الآفة الكبرى المزمنة التي عطلت العقل البشري آلاف السنين وحالت دون نمو العلم وضيَّقَت سبل انتشار المعرفة الممحصة وأعاقت تقدم الحضارة وعرقلت ازدهار المجتمعات وأغلقت المنافذ دون تفاهم البشر. يقول الإمام الشافعي: "ما جادلت جاهلاً إلا غلبني"، فهذا الإمام الذي يعترف بإمامته كبار العلماء ويدركون أصالة فكره وعُمق صلاحه وتفرُّغه للعلم، لكن المبرمَجين بالجهل المركَّب من المعاصرين له يجهلون أو يتجاهلون كل هذه الخصال العظيمة التي يعترف العظماء له بها أما ذوو الجهالة المزدوجة فيضطر بكل علمه وعظمته إلى السكوت أمام صلفهم وصلابة جهلهم ويعلن العجز عن إقناعهم أنهم لا يعترفون له بهذه الإمامة المشهودة ولا يقرُّون له بهذه الأصالة المعتبرة ولا يقنعون بغزير علمه ولا بعميق فهمه ولا بأصالة فقهه ويتوهمون أنهم أعلم منه!! أو أنه ليس شيئاً قياساً بهم لذلك فإنه رغم عظمته وجلال مقامه واتساع علمه وعمق معرفته وحدة ذكائه وتوهج فكره ونصاعة صدقه وانقطاعه للعلم يخسر الجدل معهم وينهزم أمام غطرسة جهلهم المزدوج وتحجُّر عقولهم..

إن تجربة الإمام الشافعي الطويلة مع أهل الجهل المركَّب من الذين عايشهم وعايشوه هي تجربة عظيمة ولها دلالات حاسمة فهو الإمام العظيم والعالم الثقة والتقي النقي الموثوق بتُقاه ونقائه مع إمامته وأصالة فكره واستفاضة صدقه ووضوح إخلاصه ونصاعة تجرده وشدة تفرغه للعلم، فإنه عانى من أهل الجهل المزدوج لأنهم مغلَقو الأذهان فلا يقتنعون بأية حجة ولا يستجيبون لأي برهان إنه لا يتحدث عن تجربته مع فرد وإنما هو يُطلق حكماً عاماً يدل على مكابدته مع ذوي الجهل المركَّب خلال عمره كله إنه بهذا النص المدهش يعبِّر عن رؤية علمية عامة ويتحدث عن موقف معرفي ثابت ويكشف عن خلاصة تجربة معرفية زاخرة وعظيمة..

لم يكن الإشكال الذي واجهه الإمام الشافعي أو غيره من العلماء المحققين في كل زمان ومكان إشكالاً مع أهل الجهل البسيط فهذا النوع من الجهل يستهدف معرفة الحقيقة أو الحكم، فالجاهل البسيط يسأل ويستفتي من يثق به سؤال المتعطش للفهم والراغب في المعرفة ويتقبَّل الجواب دون جدال لأنه معترفٌ أصلاً بجهله وهو بسؤاله يُعلن عن هذا الجهل ويصرِّح به ويعبِّر عن حاجته للمعرفة وحرصه على إدراك الحكم أما الجاهل المركَّب فهو يتوهم أنه العليم وحده فلا يلتفت للبراهين بل قد لا يعترف لمن يخالفونه بأية معرفة فيجادل بصلف ويتعامل مع المخالفين باستخفاف ويصرُّ على التمسك بموقفه المتغطرس إنه غير مستعد للعدول عن جهله المزدوج ولا لتفهُّم ما يقال مهما كانت الحقائق متضافرة وناصعة بل إنه في الغالب يحاول إقناع الآخرين بتصوراته الواهمة وآرائه الخاطئة ومواقفه المتحجرة إنه يكون ممتلئاً اقتناعاً بأن واجب الجميع أن يتبعوه فإن لم يفعلوا فإنهم في نظره لا يعقلون!! أو أنهم كارهون للحق ومعرضون عنه عمداً!! ولا يخطر على باله أنه هو الذي قد عطَّل عقله باستسلامه المطلق لما تبرمج به فهو مهووس بهذه البرمجة مع أنه لم يبذل أي جهد للتحقق منها وإنما امتصها من البيئة امتصاصاً عفوياً ومع ذلك فإنه يعيش قناعة راسخة لا تتقبل أي تشكيك ولا يكتفي بذلك بل إنه يواصل الدعوة إليها والدفاع عنها ويعادي من لا يستجيب له ويحقد على من يرفض التحول معه ويقاوم بشراسة من يعمل على توضيح الحقائق الكاشفة لزيف ما يدعيه فليس أشرس من صاحب أيديولوجيا عمياء إنه لا يهنأ بطعم الحياة حتى يمحو من الأرض من يخالفونه، ولكنه لن يستطيع محوهم لذلك فإن حياته تظل مليئة بالنكد لأنه يغلي سخطاً على كل المغايرين!!!...

إن النصَّ الذي أوردناه للإمام الشافعي نصٌّ قصير لكنه ذو دلالات كبيرة ويستحق أن يكون موضوعاً لأطروحة أو عدد من الأطروحات الأكاديمية لنبش التراث والبحث عن النصوص المضيئة المماثلة وإخراج الوقائع والأحداث المؤيدة له وتتبُّع الحالات الكثيرة والمتنوعة للجدل المدفوع بالجهل المركَّب وإبراز التراكمات والنتائج الوخيمة التي أصابت الثقافة العربية الإسلامية وأحالتها إلى ثقافة خصامية بسبب هذا العناد الأرعن الذي يتصف به الجهل المركَّب...

إن الإنسان المسكون بالجهل المركَّب هو بطبيعة تكوينه الذهني قد استغنى عن البحث واكتفى بما تبرمج به فهو يشعر شعوراً كاذباً وخادعاً بالامتلاء والاكتفاء، فإذا بحث أو قرأ فإنه لا يبحث إلا عما يُزَكّي ما هو عليه ويؤكد ما استقر في ذهنه فلا يتعلم من تجاربه ولا يستفيد من تجارب غيره ولا يحاول تطوير ذاته ولا يعمل على تنمية قدراته، لذلك فإنه يستحق الإشفاق والعلاج وليس الإدانة والإبعاد، إنه عبءٌ على نفسه ومعطل لحركة مجتمعه لأنه يبقى مكبلاً بالكلال والعجز والعقم لكنه لا يعرف حقيقة وضعه ولا يكتفي بتقييد نفسه وإنما يعمل على تقييد غيره اقتناعاً منه بأن هذا هو ما يجب عليه أن يفعله فهو يرتكب الحماقات عن اقتناع تام بصواب رأيه وسلامة موقفه ولا يدري أنه بذلك يُلحق الضرر بنفسه وبجتمعه وأمته فينبغي أن يعامَل بوصفه مريضاً مخدَّراً دون علمه فهو مسلوب الحرية لأنه تبرمج في طفولته بوعي زائف ففاتته فرصة التمتع بوعي صحيح إنه مغلقُ العقل ومُتَلَبِّكُ الوجدان ومحرومٌ من التعرف على قابليته الجيدة الكامنة..

إنها معضلة إنسانية كبرى بل هي المعضلة البشرية الأولى الأكثر استعصاء على الترويض والتفنيد والحل حيث تبقى العلوم والحلول الكلية عاجزة أمام جبروتها وسطوتها وصمودها فالناس في كل مكان يتبرمجون في طفولتهم بما لم يخضع لأي تحليل أو مراجعة مما تراكم خلال القرون فإذا التحقوا بالتعليم لم تتقبَّل عقولهم من الحقائق إلا ما يتفق مع البرمجة المستقرة إن البرمجة المشحونة بالأوهام والأغاليط السابقة للتعليم تأتي إلى عقول مطواعة فتصوغها وإلى قلوب فارغة فتملؤها وإلى نفوس متعطشة فترويها وإلى قابليات مفتوحة فتغلقها إنها تقوم على الامتصاص التلقائي في الطفولة أما العلم فيأتي إلى عقول ممتلئة ونفوس مبرمجة وقابليات مغلقة فلا يجد فراغاً يشغله ولا تعطشاً يرويه ولا قابليات مفتوحة تتلقاه بل يجد أمامه حصوناً قوية صامدة وقلاعاً مرعبة تطاول الزمن فلا تهتز ولا تتزعزع فيرتد العلم أمامها حسيراً مهزوماً عاجزاً...

إن الثقافة السابقة للتعليم تحتل عقل الطفل تلقائياً دون مقاومة بل يتلقاها العقل الفارغ بلهفة فتحتله احتلالاً لا خلاص منه أما العلم فيأتي لعقول مليئة بالحواجز النفسية والمتاريس الثقافية والقلاع الاجتماعية فيبقى عاجزاً عن الاختراق وهو بطبيعته محايد وغير مندفع إنه يعرض حقائق ولا يفرضها إن النفوس تتشرب الثقافة امتصاصاً من البيئة دون قصد ولا عناء أمام العلم فيقوم على البحث المنهجي والجهد الشاق والرؤية الموضوعية فلا خيار للإنسان حيال الثقافة فهو يرثها كما يرث شكله وجيناته وقابلياته ولون بشرته وطوله وقصره، أما العلم فهو اختيارٌ وسعيٌ وكدحٌ ومثابرة واستنفار للوعي لذلك فإن فُرَصُهُ في النجاح ضئيلة جداً أمام تلقائية الثقافة وهيمنتها. إن العلم يقوم على الإقناع ولكنه قد أتى إلى عقول قد امتلأت اقتناعاً بما ورثته وليست مستعدة لسماع صوت العلم في أيَّ شيء يخالف القناعات المستقرة الموروثة وكما يقول العلامة الشيخ عبدالله العلايلي فإن: "الخاضع لتأثير ما ترفض نفسه أي تأثير من نوع آخر إلا إذا كان للتأثير الجديد تيارٌ شديد جارف" إن رسوخ الثقافات يشبه رسوخ الجبال فلا يمكن أن تتزحزح أو تهتز أو تضعف أمام أي طارئ يعتمد على المنطق والإقناع لذلك يبقى تأثير العلم سطحياً بل إن الثقافات تستخدمه للمزيد من الرسوخ والوثوق والثبات والمقاومة..

إن للثقافات المغلقة آليات تعمل تلقائياً لضمان الديمومة والسيطرة والثبات فهي تدغدغ عواطف أهلها وتربطهم بها وتشدهم إليها وتضمن دوام ولائهم لها بأن تجعلهم يتشرَّبون منظومة من القيم والشعارات والمصطلحات والمفاهيم فباسم الأصالة مثلاً يتخلى الأفراد دون وعي عن فرديتهم ويفقدون إلى الأبد أصالتهم الذاتية ويذوبون في القطيع ويتحمسون ضد الأصالة الفردية ويفخرون بالذوبان في المجموع الذي هو تلبُّسٌ تلقائي بالموروث دون أي إعمال للعقل إلا إعمال التلقي والغبطة والاستسلام إن الأصالة الحقيقية هي أصالة الفرد بأن يفكر تفكيراً واعياً ومسؤولاً وناقداً ومستقلاً أما الشعار الثقافي الذي تردده كل الثقافات المنغلقة فهو شعار الأصالة لكنها لا تقصد به أصالة الأفراد وإنما تعني أصالتها هي فكل ثقافة توهم أهلها بأن أصالتهم تكمن فيها هي وليس فيهم هم وأنهم إذا فكروا تفكيراً مسؤولاً وناقداً ومستقلاً عن البرمجة فإن ذلك يُعدّ في نظرها خروجاً عن الأصالة وتشكيكاً في الهوية وخيانة للسلف وتنكراً للتاريخ وهذه اتهامات خطيرة ومخيفة وساحقة تقمع كل من يحاول أن يفكر لنفسه تفكيراً عملياً حُراً فيضطر إلى الخنوع فيستكين الأتباع لهذا الشعار الخادع الذي يسلبهم فرديتهم ويقعون في الخديعة والمصيدة فيصيرون إمَّعات تحركهم الكلمات الرنانة وتوقفهم كلمات مضادة ولا يشعرون بالمفارقة ولا بالتناقض...

وهناك آليات كابحة أخرى كثيرة تستبقي الأفراد معزولين عن ذواتهم ومدمَجين في القطيع ومن هذه الآليات ما يُسمَّى الخصوصية إنها تنيم عقول الأتباع وتوهمهم بالتميُّز وتملؤهم اعتزازاً بها ودفاعاً عنها وحباً لها واغتباطاً بفاعليتها وصمودها حتى لو كانت الخصوصية تعني جدب الحياة والحرمان من مباهج المعرفة واختفاء اشراقات الفكر والتطفل على إنجازات الآخرين. إن شعار الخصوصية هو إحدى الآليات الدفاعية التي تصرف الأفراد عن أن يفكروا تفكيراً إنسانياً طليقاً فاعلاً مضيئاً فيبقون مأسورين منطفئين مغتبطين بهذا الأسر وهذا الانطفاء وبذلك تبقى الثقافات راكدة ومتخلفة ومتقوقعة ولكنها صامدة ومسيطرة على المبرمَجين بها فأهلها يبقون مأخوذين ومفتخرين ومبتهجين بهذا الصمود ويتوهمون أنه من مزايا ثقافتهم وحدها ويغفلون عن أن كل الثقافات حتى أشدها تهميشاً تملك نفس القدرة على الصمود فلم يسبق أن اندثرت أية ثقافة إلا إذا اندثر أهلها حتى الذين تشتتوا وانغمروا في الشعوب المختلفة قروناً طويلة بقوا محتفظين بثقافاتهم، فالثقافات لا تفنى إلا بفناء أهلها، إن الصمود ليس من خصائص ثقافة دون أخرى، وإنما هو قاسم مشترك تملكه كل الثقافات حتى أشدها تخريفاً وبُعداً عن العلم والمنطق والعقل السليم لكن الجهل المزدوج يُعمي البصائر فلا يفطن المبرمَجون به لأشد الحقائق وضوحاً وبداهة...

وليست دعاوى الخصوصية وآلياتها محصورة بثقافة دون أخرى وإنما تحتمي بها كل الثقافات المغلقة المتخلفة وكما يقول الأديب الأسباني خوان غوتيبسولو: "إن انحطاط ثقافة ما يسير جنباً إلى جنب مع انطوائها على خصوصية مزعومة أو تقوقعها على قيم متحجرة وإن رهان انتشارها وحيويتها يتوافق دائماً وتعدد الروافد الأجنبية التي تخترقها فتغذيها وتخصبها". إن ادعاء الخصوصية يوهم بالامتياز فيؤدي إلى إقامة الحصون والمتاريس والاستغناء وهذا يعني تلقائياً الانطواء على الذات وإغلاق الأبواب وسد النوافد ورفض التغذية أما النتيجة فهي الدوران في ذات المكان والبقاء في نفس المستوى المتخلف فتوقُّف المدد من خارج الجسد الثقافي يعني الأنيمياء والجدب والإمحال والتدهور والحرمان من تدفق الإنجازات التي تُغدقها العلوم والفنون والابتكارات، فالتوالد هو نتيجة التزاوج وصحة الثقافة مشروطة بتغذيتها من خارجها من كل الروافد المتاحة: علماً وفكراً وتجربة وتجدُّداً وابتكاراً..

إن الهيمنة على عقول الكثرة من الناس حتى الذين تلقوا تعليماً جامعياً وعالياً تكون دائماً من نصيب الثقافة السطحية وغير العلمية، وكما يقول البروفيسور هانزبيلتنج: "فخلال الصراع الطويل بين الثقافة الرفيعة والثقافة الجماهيرية حقَّقَت الثقافة الجماهيرية نجاحاً ساحقاً"، إن عامة الدارسين مهما بلغوا من الدراسة الأكاديمية يحفظون جزئيات من العلم لأداء الامتحانات المدرسية ويتبعون خطوات محددة لإنجاز البحوث في الدراسات العليا، لكن ذلك لا يعني اكتساب الروح العلمية إنهم يستخدمون الجزئيات العلمية للأداء المهني، لكن تأثيرها على طريقة تفكيرهم وعلى منظومة قيمهم يظل سطحياً وهامشياً وضعيفاً ومحدوداً فالسيطرة دائماً هي للبرمجة المستقرة منذ الطفولة المبكرة أما ما يطرأ بعد ذلك فهو قشرة خارجية ليس لها أي تأثير حقيقي على التفكير ولا على السلوك ولا على الأخلاق ولا على الفاعلية ومن هنا تظل الثقافة السائدة هي المهيمنة على الجميع لا يختلف فيها المتعلمون عن آبائهم الأميين ومن هنا جاء فشل التعليم أما الشواهد على ذلك فهي غامرة وكاسحة وتعلن عن نفسها إجمالاً وتفصيلاً بمنتهى الوضوح في كل مكان.
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل   الرد باقتباس

 
قديم(ـة) 16-12-2007, 06:17 AM   #2
 
صورة فيصل العلي الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 28,894
قوة التقييم: 0
فيصل العلي will become famous soon enough
رائع سالم

██▓▒░░ مشكوووووووور ░░▒▓██
__________________
-
-
فيصل العلي غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 18-12-2007, 11:45 AM   #3
عضو خبير
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 4,656
قوة التقييم: 0
!..~^"حلا الروح"^~..! is on a distinguished road
يعطيك العافية
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
!..~^"حلا الروح"^~..! غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 19-12-2007, 03:29 AM   #4
عضو فذ
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 6,375
قوة التقييم: 17
شُـوفِـے شُمـوخِـے is on a distinguished road
الله يعطيك العافيه

مجهود رائع
شُـوفِـے شُمـوخِـے غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 19-12-2007, 08:30 AM   #5
عضو فذ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
البلد: بالملحق
المشاركات: 6,063
قوة التقييم: 17
ذيب الرس is on a distinguished road
يعطيك العافيه سالم
ذيب الرس غير متصل   الرد باقتباس
قديم(ـة) 21-12-2007, 07:16 AM   #6
وللنفس بهجه
 
صورة HOLSTEN الرمزية
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
البلد: ... Loadaing
المشاركات: 12,458
قوة التقييم: 0
HOLSTEN has a spectacular aura aboutHOLSTEN has a spectacular aura aboutHOLSTEN has a spectacular aura about

.
.



يعطيكــ الف عافيهـ موضوع جميل







~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~رساوي لهـ كلمتهـ~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~

.
.

__________________
HOLSTEN غير متصل   الرد باقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
سلمان + سفر + العمر ..هل هم من الجن أوالإنس الواثق بالله المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 25 13-09-2007 12:53 AM
ماذا تريد وزارة العمل من المرأة السعودية؟ سالم الصقيه المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن 3 01-07-2007 11:24 PM
الأمير نايف: كل مَن يقف على المنبر يمثل الدولة.. وعليه أن يتكلم بلسانها سالم الصقيه المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 4 21-06-2007 10:08 PM
أنت ياحزبي وأنت ياجامي .. تفضل واقرأ كلامي قلم الرس المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 12 12-06-2007 12:26 AM
نبأ الإفراج عن عبدالرحمن العمري شعرة معاوية المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 27 10-06-2007 11:45 AM


الساعة الآن +3: 09:26 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19