عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المنتدى العام والمواضيع المتنوعة
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المنتدى العام والمواضيع المتنوعة الموضوعات العامة والمناقشات والحوارات الهادفة، والتي لا علاقة لها بأقسام المنتدى الأخرى.

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 12-10-2003, 07:28 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: الرس
المشاركات: 7,768
قوة التقييم: 0
سالم الصقيه is on a distinguished road
كيف يتبرمج الناس على الانقياد؟

التاريخ: الأحد 2003/10/12 م

إبراهيم البليهي

ليس السلوك البشري في أكثره سوى سلسلة من الاجترارات والتكرارات والعادات الذهنية والحركية، فالفرد يتكيَّف مع ما حوله ويصاغ بالوسط الذي يعيش فيه فبخلاف الحيوانات المبرمجة غريزياً برمجة ثابتة ومكتملة منذ الولادة فإن الإنسان لا يولد ناجزاً وإنما يولد بقابليات تتقولب بالتنشئة فبدلاً من البرمجة الغريزية الثابتة التي تولد بها الحيوانات والتي تُبقيها متماثلة على مر الدهور واختلاف الأقطار فلا تختلف بتغيُّر الأمكنة ولا بتطاول الأزمنة إذ لا فرق بين سلوك النحل في أوروبا أو أفريقيا ولا بين سلوكها الآن وما قبل آلاف السنين، أما الإنسان فهو يتبرمج بما يعتاد عليه فتختلف برمجته حسب الزمان والمكان تبعاً للاختلافات الثقافية...
ولأن لكل مجتمع ثقافة تختلف عن ثقافات غيره من المجتمعات، فإن الأفراد في أي مجتمع تختلف برمجتهم عن برمجة الأفراد في المجتمعات الأخرى وبذلك يحصل التنوع في تفكير الناس وسلوكهم وإنتاجهم ورؤيتهم للحياة وموقفهم من الإنسان والحياة تبعاً لتنوع الثقافات واختلاف الظروف الطبيعية والسياسية والاقتصادية وهذا التنوع في الثقافات وفي البرمجة الناتجة عنه هو من أهم أسباب التطور الحضاري لأن تجربة كل مجتمع تختلف عن تجربة غيره من المجتمعات مما يثري الحياة الإنسانية، وهذا هو الجانب الجيد من التنوع الثقافي لكنه يؤدي إلى تأجج الصراعات واستمرار اشتعالها بين الأمم وهذا هو الجانب الرديء..
وما يحصل من ثراء للحياة الإنسانية على المستوى الانساني عن طريق التنوع الثقافي يحصل مثله داخل كل مجتمع عن طريق تنوع مواهب الأفراد مما يثري حياة المجتمع ويضمن لمختلف الأعمال من يقوم بها وهذا أيضاً له جانب جيد وجانب رديء فهو يُحقق توزيع الأعمال وتقسيم المسؤوليات لكنه يُشعل التنافس ويصيغ حياة المجتمع بالتدافع والحقد والحسد وليست أهمية التنوع الثقافي والفروقات الفردية هي موضوع هذا المقال وإنما هذه إشارة عابرة أما الذي أحاول معالجته هنا فهو آليات الانقياد التلقائي والطاعة العمياء التي تتبرمج عليها المجتمعات والأفراد فالفرد صياغة اجتماعية أما المجتمع فهو صياغة سياسية وأما السياسة فهي نتاجٌ تاريخي أما التاريخ فيتحدد اتجاهه ومساره بالأحداث الحاسمة التي مرَّت أو تمر بالأمة وبالشخصيات الاستثنائية التي قادتها إلى الأفضل أو إلى الأسوأ وبالتحولات المزلزلة التي قد لا يكون لعامة الناس في توجيهها أي دور وإنما يُشبهون قطرات المطر التي يتكوَّن منها النهر الزاخر فالأفراد يتبرمجون على الانقياد للأفكار والأفعال والعقائد والأوضاع والقيم السائدة دون أن يخطر على بالهم انها يمكن أن تكون خاطئة أو أنها تتضمن شيئاً من الخطأ فليس تفكيرهم وسلوكهم سوى استجابات آلية للتكيُّف مع الوسط الذي يعيشون فيه ومع ذلك يتوهمون أنهم يتمتعون بأرفع مستويات الفردية والاستقلال والاختيار الحر وبهذا الوهم استطاع المتسلطون من أمثال صدام حسين أن يفسدوا حياة الناس وكذلك فَعَلَ الدجالون والمحتالون ومحترفو التأثير والمتلاعبون بالعقول والعواطف في مختلف الأوطان والأزمان...
وفي أغلب الأحيان يكون قادة الفكر والفعل مبرمجين أيضاً فهم يتلقون البرمجة ممن قبلهم وينقلونها لمن بعدهم وبذلك يستمر التناسل الثقافي دون أي تغيير فتبقى الأوضاع والأفكار والتصورات والتقاليد كما هي على مر القرون في دوران تاريخي رتيب يتغيَّر فيه الأشخاص أما ما عدى ذلك فهو مجرد اجترار وإعادة وتكرار لذلك فإن قلة من الشعوب هي التي استطاعت الإفلات من قبضة المسارات التاريخية الثابتة فتخلصت من الدوران التاريخي العقيم..
إن طبيعة الحياة البشرية تجعل الفرد يتبرمج بالبيئة الطبيعية والاجتماعية التي يحيا فيها ويُصاغ بالثقافة التي ينشأ عليها فهو يولد عاجزاً وجاهلاً لذلك فإن غذاء جسمه وعقله وطمأنينة نفسه كلها يحصل عليها من البيئة وكثيراً ما تغذيه بيئته بالخرافات والجهالات والأوهام والانتفاش والتعصب والانغلاق وهي مع ذلك تبرمجه دائماً على الافتخار بها والانغلاق عليها وتسفيه غيرها أما لماذا يتقولب الفرد بمحيطه الثقافي فيعود إلى أنه يولد فارغ العقل فيمتلىء هذا الفراغ بالامتصاص التلقائي من بيئته ولا سبيل له لتجنب هذا المصير لأن الإنسان كائن شديد الاحتياج لغيره ففي طفولته الطويلة يعتمد اعتماداً كلياً على أمه وأبيه أو من يقوم مقامهما في حضانته وأكله وشربه وفي حمايته والسهر عليه وفي نظافته وكل شأن من شؤونه ثم يبقى عالة على غيره حتى يكمل دراسته في نحو الخامسة والعشرين من عمره ويظل خلال حياته كلها محتاجاً لغيره متعلقاً بسواه متطلعاً للعون من الآخرين لا ينال من الاحترام إلا ما يمنحونه له ولا يحس بذاته إلا بمقدار ما ترتفع قيمته عندهم وبقدر ما تعلو مكانته بينهم فيعتاد التصديق والانقياد والاستحسان والتقُّبل التلقائي للعادات والتقاليد والقيم والأخلاق وأنماط السلوك وطرق التفكير السائدة في بيئته...
يتشكل عقل الإنسان ووجدانه في صغره فإذا كبُر فإنه بالمعايشة يتربى على مراعاة الآخرين الذين يحيطون به والحياء منهم وتقليد سلوكهم ومجاملتهم ومحاكاة تصرفاتهم والحرص على الانسجام معهم ومداراتهم وأحياناً مداهنتهم والفرح بالإعجاب الذي يمنحونه إياه والتألم من الشعور بعدم قبولهم له وكتم شكوكه وتساؤلاته حتى يُميتها مهما كانت وجيهة وملحة فهو مفطور على الاجتماع يتجنَّب ما يُسخط الناس عليه ويجتهد في كسب احترامهم ويبتهج بالثناء ويحزن للذم وينقبض إذا تعرَّض للاحتقار أو النبذ أو الاستهزاء أو الاستخفاف أو عدم التقدير لذلك فإن تفكيره وسلوكه مرتبطان بالناس ارتباطاً كلياً ويندر بين الأفراد من يفطن لهذه البرمجة وأندر منهم من يستطيع المراجعة وإعادة النظر في محتويات ذهنه وفحص ما تبرمج عليه ومحاولة الاستقلال في التفكير والرأي وفي المواقف والحكم على الأشياء وكما يقول علماء النفس: فإن مخالفة المعايير الاجتماعية تُعتبر شذوذاً معاباً يفرض على الفرد ثمناً باهظاً...
إن كل مجتمع يُبرمج أفراده على أوهام امتيازه عن المجتمعات الأخرى فهو في نظر نفسه أفضل المجتمعات وثقافته هي أكمل الثقافات وحضارته هي أعرق الحضارات ولغته هي أجمل اللغات وبلاده هي أحسن البلدان حتى لو كانت صحراء قاحلة بلا أمطار ولا أنهار ولا أشجار والناس في أي مجتمع يعتبرون أنفسهم وحدهم دون غيرهم أهل الشجاعة والنُبل والكرم والذكاء والحذق وكلما اشتد الانغلاق الثقافي تعمَّق الشعور بالاكتفاء والاستغناء واتسعت أوهام الامتياز ومهما انحدرت أخلاق المجتمع فإنه يتوهم أنه يتحلى بأنبل الأخلاق وأنه وريث أعظم الأعراق وأن تاريخه هو تاريخ العظمة والمجد وأنه من سلالة عظماء استثنائيين لم تعرف الأمم من يماثلهم أو يقترب منهم أو يشاركهم في الشجاعة والصيت والصدق والنقاء والكرم والنُّبل وعظمة الأمجاد...
وهذه الأوهام الراسخة عن تزكية الذات واقعاً وتاريخياً وثقافة واحتقار تاريخ الآخرين وواقعهم وثقافتهم قاسم مشترك بين كل الأمم ولكنها تتخذ شكلاً وبائياً في المجتمعات المتخلّفة التي لم تخرج بعد من قوقعة الذات ولم تتثقف بالثقافات العالمية ولم تطَّلع على التاريخ الإنساني ولم تتأمل أوضاع العالم تأملاً موضوعياً ولم تهتم بتوطين العلوم الإنسانية التي كشفت مراحل التطور الحضاري وتعرَّفت على طبائع الثقافات واهتمت بالتعريف بالطبيعة البشرية فالأمم المتخلِّفة تبقى غارقة في عشق دمامة ذاتها والتغني بأمجاد أسلافها وتعليق مآسيها على مؤامرات الآخرين فهي في نظر ذاتها محسودة على امتيازها وليس للعالم من المشاغل سوى الكيد لها والتآمر عليها والتربُّص بها...
وهكذا يبقى الأفراد في أي مجتمع متخلِّف معزولين عن حقائق الواقع ومغمورين بالأوهام ومستسلمين لأنواع من السلطات الأسرية والعشائرية والإقليمية والوظيفية والمكانية والثقافية كما يبقون خاضعين طوعاً أو كرهاً للسلطة الاجتماعية والسياسية. إن الفرد محتاج دائماً لغيره وبسبب هذا الاحتياج الحيوي والدائم للآخرين فإن الأفراد يتبرمجون على التعلق بالناس والخضوع لهم والاستجابة الآلية لما في المجتمع من سلطات مادية ومعنوية كثيرة ومتنوعة مثل سلطة التقاليد وسلطة الرأي العام والخوف من النبذ وسلطة الأهواء وسلطة أصحاب العمل وسلطة ذوي المعرفة واقعاً أو ادعاء وسلطة الدعاية وسلطة الألقاب وسلطة التجهيل وسلطة الطموح وسلطة الطمع وسلطة المال وسلطة الرغبات والشهوات وسلطة الانتماء المكاني للمدينة أو القرية أو الإقليم أو الوطن إلى ما لا نهاية له من السلطات والتأثيرات والإكراهات التلقائية التي تغمر كل فرد من يوم ميلاده إلى يوم وفاته...
وتتدرج مستويات السلطة المادية والمعنوية على الفرد من حين خروجه إلى الدنيا إلى ساعة غيابه عنها وكلُّ هذه المؤثرات تعمل على صياغته ودمجه في البنية السائدة وتهيئته للانقياد الأعمى فهي تبدأ بسلطة الأب والأم والأخ الأكبر والأعمام والأخوال وكبار الأقارب ثم تتسع دائرة التأثُّر لتشمل كبار السن من عامة الناس وذوي الوجاهة والتأثير في المجتمع من الأعيان والمعلمين والعلماء وأهل المكانة الإدارية أو العلمية أو الأدبية أو غير ذلك من أسباب التأثير ودواعي الطاعة، فإذا كُبر الفرد كان مهيئاً لتقبل كل ما يصدر من أية سلطة مادية أو معنوية ويبلغ الإذعان أقصى مداه في الاستجابة للسلطة السياسية لأنها تملك القوة والهيبة والجلال وأحياناً تملك مصادر الرزق وبيدها مفاتيح لقمة العيش فأكثر الناس في الكثير من الأوطان لا يجدون أسباب البقاء إلا عن طريقها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر كما أنها توفّر الأمن والرعاية التعليمية والصحية والاجتماعية والقضائية وغير ذلك من الخدمات الهامة والاحتياجات الضرورية وبسبب هذا الاحتياج المتنوع للسلطة فإن كل أفعالها تصطبغ في نظر الناس بالمشروعية ويستسيغون أي شيء تأمر به ويؤيدون أي إجراء تتخذه وبهذا استطاع صدام حسين وغيره من المتسلطين أن يفسدوا الحياة الإنسانية وينشروا الشقاء في الأرض. فالتاريخ البشري في أكثر فتراته ما هو إلا تاريخ التجهيل والدمج والاستبداد والعدوان والبغي والظلم والقهر والتسلط والاستئثار...
والمعضل أنَّ الناس المتبرمجين لا يدركون طبيعة البرمجة التي صيغوا بها ولا كيفية وقوعهم التلقائي في أسرها فيبقون مفتخرين بها ومستميتين للدفاع عنها. فاليهودي الذي يُطلق الصواريخ على الأحياء السكنية في فلسطين فيهدم البيوت ويقتل الأطفال والنساء والرجال والشيوخ يتوهم أنه يقتُل الأشرار ويدافع عن شعب الله المختار، وما يقال عن اليهود يقال عن كل الأمم التي تبرمجت تاريخياً على تزكية الذات وتجريم الآخرين...
إن الإنسان بحكم قابلياته للتبرمج يحيا منقاداً لمنظومة لا نهاية لها من السلطات والمؤثرات المادية والمعنوية لكن الناس يغفلون عن ذلك فلا تتجه أذهانهم حين تُذكر السلطة إلا للسلطة السياسية مع أن هذه ليست سوى ذروة السلطات الكثيرة والمتنوعة التي تعمل بانتظام وتضافُر على إخماد العقل الناقد وتطويع التفكير وتقوية الحصون النفسية المغلقة لكن الأنواع الأخرى من السلطة لا يفطن لها الناس فينقادون لها تلقائياً دون أن ينتبهوا لهذا الانقياد العفوي ومن حُسن الحظ أن هذه الظاهرة البشرية لم تُترك للتخمين وإنما أخضعها العلماء للقياس الدقيق
__________________
لاتصدق كلّ ما تراه..ولا نصف ما تسمعه
سالم الصقيه غير متصل  

 
قديم(ـة) 12-10-2003, 01:11 PM   #2
عضو رائع
 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
البلد: في واحد احول سجل في الجيش خلوه في قسم القصف العشوائي
المشاركات: 3,266
قوة التقييم: 0
بدون زعل is on a distinguished road
لله يعطيك العافيه ابو عبدالرحمن


تحياتي
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً
بدون زعل غير متصل  
موضوع مغلق


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



الساعة الآن +3: 05:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19