عـودة للخلف   منتديات الرس اكس بي > منتديات الرس اكس بي > المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن
التسجيل الأسئلة الشائعة التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن المواضيع المنقولة من الانترنت وأخبار الصحف اليومية و الوطن.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 05-02-2008, 04:36 PM   #1
عضو بارز
 
تاريخ التسجيل: May 2007
البلد: مملكة سـبأ
المشاركات: 421
قوة التقييم: 0
بلقيس ، is on a distinguished road
زندقة في برنامج إضاءات !, أركون ... التمهيد للردة العامة عن الإسلام


تفاجأت بإعلان المذيع السعودي: تركي الدخيل، بأنه سوف يسستضيف هذا الأسبوع في برنامجه "إضاءات"، الدكتور الجزائري المتفرنس "محمد أركون" (1)، ومبعث الاستغراب أن هذا الرجل لا يملك أي مقوم من مقومات الفكر الصحيح، بل ولا المحايد،
وجميع إنتاجه الفكري يكاد يدور حول الدعوة إلى إسقاط قدسية القرآن الكريم!!
فهو أحد الجفاة الكبار المنادين بنبذ القرآن الكريم، كما نبذت أوروبا كتابها ظهرياً!!.

وقد قمتُ منذ سنوات بدراسة حول إنتاج "أركون" فوجدتُ أنه لا يعدو أن يكون زنديقاً كبيراً، إلا أن الفرق بينه وبين غيره أنه يصرح بزندقته، في حين يلمح إليها أصحابه!! وأنوِّه إلى الدراسة المركَّزة التي أجراها أخونا الدكتور محمد بريش حول فكر أركون، وقام بتفنيد آرائه، وفضح عمالته، وقد نشرت قديماً في مجلة الهدى المغربية، حتى إن أركون قام بمراسلة المجلة ليوقف نشرها للدراسة، إلا أنها نهزم حين دعي إلى محاورة علمية مع الدكتور بريش، والوثائق حاضرة شاهدة، وأقترح على الدخيل أن يستضيف الدكتور بريش ليجلي حقيقة المسألة.
وهذا ملخص لدعوة أركون إلى أَنْسَنَة القرآن الكريم، مع مناقشتها باختصار لا يخل بالمقصود. دعوى"أَنْسَنَة" القرآن الكريم.


أ ـ تقرير الدعوى:
يَقْصِد أركون وغيره بـ"الأَنْسَنَة"؛ ذلك الموقف الذي يقدِّس الإنسانَ لذاته، ويعتبره مركزَ الكون، ومحورَ القيم(2)، ويفرِّقون بذلك بين "المركزيَّة الإنسانية"؛ و "المركزيَّة الإلهية"، ويرون أنَّ مشكلةَ المسلمين اليوم؛ هي في إيمانهم بأن الإله هو مركز الكون، ومصدر التشريع (3)!!.
وهؤلاء يدعون إلى اعتبار "القرآن الكريم" كتاباً إنسانياً، لا ربانياً، بمعنى أنْ تُنزعَ منه القداسة والإحكام(4)، وأنيكونَ لكلِّ فردٍ حقُّ فهمِه وتفسيرِه؛ بحسب حاجاته الإنسانية، ومقتضيات أحواله، ومن ثم فلا يصح عند هؤلاء الاستناد إلى كتاب الله الكريم في تقرير الفتاوي لعموم الأمة وخصوص الأفراد.
يقول محمد أركون: "إن القرآن ليس إلا نصاً من جملة نصوصٍ أخرى، تحتوي على نفس مستوى التعقيد، والمعاني الفوّارة الغزيرة: كالتوراة والإنجيل، والنصوص المؤسِّسَة للبوذية أو الهندوسية، وكلُّ نصٍّ تأسيسي من هذه النصوص الكبرى؛ حَظِيَ بتوسعاتٍ تاريخيةٍ معينة، وقد يحظى بتوسعاتٍ أخرى في المستقبل"(5)"، هذا مبلغ علمه في القرآن الكريم، أنه يستوي والكتب المحرفة، أو تلك التي اكتتبه ابشرٌ من البشر!!.


ب ـ القائم بهذه الدعوى:
لقد تورَّطَ في شَرَك هذه البدعةِ، أعني بدعة "الأنْسَنَة"؛ بعضُ المنتسبين إلى العروبة والإسلام، وكان الذي تولَّى كِبْرَها محمد أركون(6)، فقد تبنى هذا الرجل الدعوة إلى "أَنْسَنَة القرآن الكريم"، وكتَبَ فيها عدة كتب، وأجهَدَ نفسَه في تقريرها والمنافحَةِ عنها، إلا أنها بقِيَت قضية فلسفية غامضة، لم يستطع هو ولا رهْطُه من المتفلسفة الإنسانيين العرب(7) أن يقنعوا جمهور القراء بما يدَّعون، مثَلُهم في ذلك مَثَلُ المتفلسفة الوجوديين(8) من العرب.


ج ـ استمداد هذه الدعوى:
يستمدُّهؤلاء أفكارهم من الفلسفات المادية القديمة والحديثة، خاصة على مستوى المناهج، وطرائق البحث والتحليل(9)، تلك المناهج التي تعلي من شأن الإنسان والمادة، مقابلَ سلطة الدين والوحي، و "الفلسفة الإنسانية" تشبه في أفكارها وغموضها "الفلسفةالوجودية"، فكلاهما معادٍ للدين، منكرٌ للإله وللكتب والرسل في الجملة(10)، يقول أحد الوجوديين العرب: "الينبوع الدافق الثرّ للوجود الحيّ هو دائماً الإنسان، والإنسان فحسب، وإن نسيَ هو أو تناسى هذا الأصل فانشقَّ على نفسه، وفرض عنصراً من عناصره الوجودية على الآخر، حتى يجعل الصلة بينهما: صلة الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود"(11)"، وهذه دهرية محضة. ويستمدُّ أركون خاصَّةً فيدعوته هذه من فلاسفةٍ أوروبيين شتى، خصوصاً أولئك الذين نصروا المذهب الإنساني، ودعوا إليه، مثل "رينيه ديكارت"(1596ـ1650)، و "سبينوزا" (1632ـ1677م)، و"كانت" (172ـ1804م). ومعلومٌ أنّ هؤلاء كانت كتاباتهم ثورةً على دين محرَّف، وكنيسةٍ منحرفةٍ مستبدة، فجاء أركون ليجعل من فكره امتداداً لهذا الاتجاه، ولكن المتفلسف هذه المرة؛ يثور على دينٍ صحيح، لا كنيسةَ فيه، وكتابٍ محفوظ، لا ريبَفيه. كما أنه يستمدُّ أيضاً في دعواه هذه من كتابات بعض المستشرقين المعاصرين، الذين يضاهئون بقولتهم؛ قول الذين كفروا من قبل(12).
ويستلهم أركون -دائما- في دعوته إلى نزع القداسة عن القرآن الكريم، وخلعِها على الإنسان، تلك الصرخة الإلحادية التي جاهربها الفيلسوف الألماني "نيتشه" حين رفَعَ عقيرته قائلاً: "لقد مات الإله"!، وذلك إبَّانَ الثورة الصناعية في أوربا(13). ولا يعنينا هنا ما الذي كان يقصده "نيتشه" من أُغلوطته هذه؛ وإنما المهم أن "أركون" أراد أن يقول لأهل الإسلام: يجب أن تتخلوا عن إيمانكم بالله وبكتابه لكي تتقدموا، كما أن الغرب استقل ركب الحضارة لما أن تخلى عن إيمانه وأناجيله(14)، وهذا قياسٌ لا يصحُّ؛ إلا إذا صحَّ قياس اللبن على الخمر، وهيهات.
إذَن فمادة هذا الرجل خليطٌ من فلسفاتٍ مادية تُعلي من شأن المخلوق والمادة، وتغضُّ من شأن الخالق-جل في علاه- والوحي المنزل.


د ـ مسوغات هذه الدعوى:
أما المسوِّغات التي يستند إليها هؤلاء في دعوتهم, فهي الضعف الحضاري الذي يعاني منه العرب والمسلمون, وهم يعزون ذلك إلى تمسك المسلمين "بتراثهم"، وتقديسهم للقرآن الكريم, ويقترحون عليهم إعادة النظر في هذه المسلَّمة, ويطرح أركون السؤال الآتي: "من الذي لا يشعر اليوم بالحاجة الملحَّة لإعادة التفكير جذرياً بمسألة النزعة الإنسانية في الوسط الإسلامي؟" (15) ", والجواب: أنْ لا أحد, سوى أركون نفسه, وشرذمة قليلون ممن وافقه على هذه النحلة.
ويرى "أركون" أن من أعظم أسباب تخلف المسلمين اليوم, عودتُهم إلى دينهم خلال أربعين سنةً مضت, ولا يُخفي خيبة أمله في هذا الصدد, فقد كان يأمل أن يبتعد المسلمون عن دينهم, الذي هو في نظره لم يتعرض بعد للنقد المحايد،!! ويقول: إن "الدراسات القرآنية؛ تعاني من تأخرٍ كبيرٍ بالقياس إلى الدراسات التوراتية والإنجيلية, التي ينبغي أن نقارنها بها باستمرار"(16)"!!.
وبعد هذه الفرضية المتهافتة, الدالَّة على جهل "أركون" بدينه وكتابه, يبنيعليها دعوى أوسع منها, فيقول: "وهذا التأخر يعكس التفاوت التاريخي، بين المجتمعات الإسلامية, والمجتمعات الأوربية أو الغربية. فالقرآن لا يزال يلعب دور المرجعية العليا المطلقة، في المجتمعات العربية والإسلامية. ولم تحلَّ محلّه أيّة مرجعيّة أخرى حتى الآن" ، ثم يقول: "إنه المرجعية المطلقة، التي تحدد للناس ما هو الصَّح، وما هو الخطأ, ما هو الحق, وما هو الشرعي, وما هو القانوني, وما هي القيمة, الخ..."(17)"!!.
وهنا تبرز بعض مظاهر الزندقة، في هذا الغلو العلماني والغلواء المادية, التي يَتَبَطَّنُها هذا الرجل, فهو لا يكتفي بالمطالبة بتنحية القرآن الكريم فحسب, بل يدعو إلى نزع القداسة منه, وإزالة الهيبة من نصه بالكامل, بل يتجرّأ على القول بأنّه: "ينبغي أن ننظر إلى القرآن من خلال مقارنته معالكتب المشابهة له في الثقافات الأخرى -أي التوراة والإنجيل-, فالمقارنة هي أساس النظر والفهم "(18)"!!.


هـ- نقض الدعوى:
بعد هذا العرض المجمل لموقف "أركون" من القرآن الكريم، يحسن أن أُقَرِّرَ الحقائق الآتية، نقضاً لهذه الدعوى:

1ـ إنَّ تقديسَ المسلمين للقرآن الكريم من أصول دينهم، والفرق —عندهم- بينه وبين سائر الكلام، كالفرق بين الخالق والمخلوق، إذ هم موقنون بصحة نسبته إلى علاّم الغيوب عليه السلام، تلقَّوه صحيحاً، خلفاً عن سلف، ونُقِلَ إليهم بالتواتر التام، قرناً بعد قرنٍ، لا ينفرد بذلك جيلٌ عن جيل، وهم يرونه رسالة الله إلى الثقلين الإنس والجن، من صدر البعثة النبوية، إلى آخر الزمان.
وقد ذمَّ الله سبحانه من لا يقدر هذا القرآن قدره حين يتلى عليه، فقال تعالى: ?فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ?(19)، وامتدح عبادَه المؤمنين بقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً?(20).
وهذا فيصلُ تفرقةٍ بين الإسلام والزندقة، وقد حَكَى الإجماعَ على كفر من استخفَّ بالقرآنِ؛ غيرُ واحدٍ من أهل العلم، سواءٌ أعتقدَ الإهانةَ فيقلبه أم لا(21).
وتشبيه "أركون" للقرآن بالتوراة والإنجيل المعاصرَين؛ دعوىً فَجَّة، ومغالطة غير مقبولة, فأي مقارنة بين كتاب سماوي محفوظ, وكتب محرفة بشهادة النقد العلمي الرصين, لقد أزرى "أركون" بهذه المقولة بالمنصفين من المستشرقين, الذين اعترفوا بسلامة القرآن من التحريف, وأشهَرَ بعضهم إسلامه, بعد ماتبين له الهدى، فقد شابه بهذا من قال الله تعالى عنهم:? فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ ?(22).

2ـ إن هذا الموقف تجاه القرآن الكريم، نابعٌمن تعظيمهم للمتكلم به أولاً، وهو الله عليه السلام، وبرهانٌ على محبتهم له، واستجابة لأمرهالسامي، الوارد في قوله سبحانه:? ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِفَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ?(23).
ومما لا شكَّ فيه أنَّ " كلَّ من أبغضَ شيئاً من نصوص الوحي؛ ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحبَّ نصوص الوحي ففيه من وَلاية الله ورسوله بحسَب ذلك، وأصلُ العداوة البغض، كما أن أصلَ الولاية الحب "(24)، قال عبد الله بن مسعود: لا يَسألْ أحدُكم عن نفسه غيرَالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله (25)، وتأمَّلَ قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّاشَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}(26).

3ـ إنَّ إنكار أركون وأضرابه للقرآن الكريم، والاستكبار عن الإذعان لحكمه، وجحد مكانته وحُرمته؛ لهو من عظائم الذنوب، بل إنه -لعمرُ الله- معلومٌكفر من قال بهذا القول بالضرورة من دين الإسلام، إذ جحد هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان، قال تعالى: ? قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ?(27)، وقال تعالى: ? قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِوَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَوَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ?(28).
وإذا كان أئمة السلف قد أكفروا غلاةَ الجهمية، وهم لم يَبلُغوا هذاالمبلغ، وإنما حوَّمُوا حوله، وزعموا أنهم مقرّون به، بيدَ أنه عندهم مجرَّدُ أدلّةٍ لفظية، وظواهِر نقلية؛ لا تفيد علماً(29)، وأن العلمَ إنما يستفادُ منمقدماتهم الفلسفية حسبُ، وقد نقل ابن القيم عن بعض رؤساء الجهمية(30): "ليس شيءٌأبغض لقولنا من القرآن، فأَقِرُّوا به؛ ثم أَوِّلوه"(31)، كما نقل عن بشرٌ المريسي قوله: "إذا احتجوا عليكم بالقرآن؛ فقال طوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأخبار؛ فادفعوها بالتكذيب" (32).

4ـ ثَمّة مشكله نفسية يعاني منهاهؤلاء، بما فيهم "أركون" نفسه، أثَّرت على تفكيرهم ومناهجهم، تلك هي مشكلة الهزيمة الداخلية أمام التفوق المادي الغربي، و "أركون" ذلك العربي المهاجر، الذي قَبِلَ الفرنسيون به أستاذاً في كبرى جامعات فرنسا، وهي جامعة "السوربون"؛ يحاول أن يثبت للقوم أنه أكثر تحرراً منهم أنفسهم(33)، وربما شجعوه على ذلك فزاد تمرُّداً، وحين كتبَ طرفاً من سيرته الذاتية، أَوردَ ما يكشف بعضَ جوانب المشكلة،فقال: "يقولون -أي الغربيين- لي مستغربين أو مدهوشين: كيف يمكن لشخص مسلم مثلكأن يتحدث بهذه الطريقة؟، ياله من شيءٍ رائعٍ وباعث للأمل؛ أن نسمع مسلماًليبراليّاً أو متحرراً مثلك !!، ولكن لا يمكن أن تحظى بصفة تمثيلية في بلادك، أوبين أبناء دينك، فخطابك يمشي على عكس التيار، أو عكس الإسلام "(34)".

وأحسب أنهذا القدر كافٍ في بيان حقيقة الرجل، الذي ما يزال أعداء دينه يمدونه ? فِيالْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ?(35). وكيف يقدِّم شيئاً مذكوراً في حقلالإسلاميات، وهو يتحدث عنها كال أجنبي المغلوب، بحيث يغدو أسيراً لأفكار الغالب، وهذه أولى مثارات الغلط لديه(36).

5ـ إنَّ من الجور في النظر أن يقارَنبين القرآن الكريم -كتاب الله المحفوظ-، وبين باقي الكتب السابقة، التي داخَلَها التحريفُ والزيادة والنقصان، ولا يستقيم هذا مع تمام العلم والعدل، فأما مع الظلموالجهل فمتصوَّرٌ، بل هو واقعٌ، كما رأينا في طريقة "أركون"، بل إنَّه ليمتنع معتمام العلم والعدل أن يقف المرء من القرآن الكريم هذا الموقف الجافي المعانِد.

6ـ ليس من ذنبٍ للإسلام في أن يكون أركون أحد الذين شرقوا بدين الإسلام، أو عمُوا عن نوره، يقول أبو العباس ابن تيمية عن متأخري المتفلسفة: "وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية الإبراهيمية التوحيدية، تارةً بنبوة عيسى عليه السلام لمَّا ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام ومصر والروم وغيرها ،ثم بنبوة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأظهر الله من نور النبوة شمساً طمَسَت ضوء الكواكب، وعاش السلففيها برهةً طويلة، ثم خفي بعض نور النبوة، فعُرِّبَ بعضُ كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية، ثم طُلِبَت كتبهم في دولة المأمونمن بلاد الروم، فَعُرِّبَت ودَرَسَها الناس، وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر، وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية؛ كال حساب والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية،فأما الإلهية فكلامهم فيها نزرٌ، وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقيناً، وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نوراً وهدى"(37)".

7ـ إنَّ زعم أركون بأن سبب ضعف المسلمين مادّيّاً و تقنياً هوتمسكُهم بالقرآن الكريم، وجعلُه مرجعيةً لهم، لا يمكن أن يقبله عقل، ولا يتفق معحقائق التاريخ، فقد كان المسلمون أقوى الأمم، وأعظمها حضارةً وعمراناً؛ لما كانوامستمسكين بكتابهم، فلما ضعف تمسكهم به، ضعفوا بقدر ذلك، وهذه الظاهرة ماثلة في أطوار الأمة كلها.
بل إنَّ أوربا ذاتها حرمت نور الإسلام، حين حيلَ بينها وبينه، وذلك لما طرقت أكفُّ الفاتحين المسلمين أبوابها، فقامت الكنيسة بنصبِ محاكم التفتيش لإيقاف أسلمةِ أوربا، وكلَّفت الكتَّابَ بتشويه صورة الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلموكتابه، يقول المؤرِّخ البريطاني "ويلز" في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": "ولو تهيأ لرجل ذي بصيرةٍ نفَّاذة؛ أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضيَ إلا بضعة أجيال قليلة، لا يلبث بعدها العالم أجمع أن يصبح مغولياً، وربما أصبح إسلامياً "(38)".
وخلاصة القول في فكر"أركون", أنه لا يهتم بصحة نسبة القرآن الكريم إلى الله عليه السلام من عدمها, وإنما الذيي ستهدفه, هو نزع القداسة والمرجعية منه, واعتباره نصاً حِكْميّاً, كسائر مقولات الحكماء، أو مأثورات القدماء.
وقد سئل هذا الرجل مرةً: "هل أنت مستعدٌّ لأنتضع موضعَ الشك, ولو آيةً واحدةً من القرآن ؟", فجاء جوابُه برفض الجواب بنعم، أولا, بحجة أنَّ هذا منطقٌ قديم, وأنه لا يهتم بما إذا كانت تلك آية قرآنية أو لا, إذالمشكلة في نظره هي مشكلة "التقديس" كما يعبِّر, وعندما تُحَلُّ هذه المشكلة, فإنه يرى أننا سوف" نكتشفُ أن مشاكلَ الصحة والموثوقية, أو الاختراع والتحريف, الذي لحق بالنصوص، المتلقاة على أنها مقدسة, أقول -القائل أركون- : نكتشف بأنهذه المشاكل ثانوية في الحقيقة.
إن منطق الثالث المرفوع ـمنطق الصحة أو اللاصحةـ يبدو عندئذٍ تافهاً لا قيمة له "(39)".
وهذه إحدى مظاهر الخلل والاضطراب المنهجي لدى أركون, فهو تارة يعتبر أن مشكلة المسلمين هي أنهم يعتمدون القرآن مرجعاً لهم, بدون أن يقوموا بنقده تاريخياً, ثم لا يلبث أن يعود على كلامه بالنقض, ويَعُدُّ مسألة التوثيق التاريخي مسألة "تافهة".


ـــــــــــــــ الحواشي ــــــــــــــــ
(1) محمد أركون: مؤرخ ومفكر علماني، جزائري الأصل، ولد عام 1928م؛ بالجزائر، ودرس بها، ثم أتمها في باريس عام 1955م، حصل علىالدكتوراه من جامعة " السوربون "، عام 1969م، وطبعت رسالته بعنوان "نزعة الأنسنةفي الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي"، تأثر بكتابات المستشرقين حول مصادرالشريعة، ويعمل حالياً رئيس قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة المذكورة، منمؤلفاته: "الفكر العربي"، و "الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد"، و "تاريخية الفكرالعربي الإسلامي"، و "من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي".
(2) هذا الاتجاه انبعث من قلب الأكاديميات الغربية، وتتلمذ دعاتُه لكبار المستشرقين، وهؤلاء الدعاة رهطٌ ممن ينتسبون إلى الإسلام، بيد أنهم يفكرون بعقل "غربي"، ويزنون بمعايير غربية، ويبحثون في أصول الشريعة ومصادرها، مستضيئين بنار الفلسفات الغربيةالوضعية.
(3) انظر: نزعة الأنسنة في الفكر العربي، لمحمد أركون (10).
(4) الإحكام هنا بمعنى الثبات، وعدم القابلية للنسخ والتبديل، وهذا من معاني الإحكام، انظر القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة حكم (1416).
(5) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (36)، وقد تولى الردَّ على أطروحات هذا الرجل تفصيلاً: د.محمد بريش في سلسلة مقالات نشرت على التوالي في مجلة الهدى المغربية، التي كانت تصدر بفاس قبل أن تتوقف عن الصدور، انظر الأعداد (13 ـ19)، وذلك في المدة: من جمادىالأولى (1406هـ) إلى صفر (1409هـ)، وانظر: محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواتهدراسةً وتقويماً؛ د.هزاع بن عبد الله الغامدي (2/658) وما بعدها، رسالة دكتوراه غير منشورة، مقدمة إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، 1420هـ، وقد أشرف على الرسالة شيخي الدكتور أحمد بن علي سيرالمباركي ـ حفظه الله
(6) تقدّمالتعريف به آنفاً.
(7) النزعة الإنسانية هي: اتجاه فكري عام، تشترك فيهالعديد من المذاهب الفلسفية والأدبية والأخلاقية والعلمية، وقد ظهرت هذه النزعة فيشكلها المعاصر، في عصر النهضة الصناعية في أوربا، انظر: الموسوعة الميسرة فيالأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/809)، ومجلة عالم الفكر (2/ع3).
(8) الفلسفة الوجودية: فلسفة غربية حديثة، نشأت في أواخر القرن (19)الميلادي، وتستمد جذورها من الفلسفة اليونانية القديمة، وتعني: أنَّ مركز الوجود هوالإنسان لا غير، وفي الغرب ـ حيث نشأت الوجودية ـ وجودية ملحدة، ترفض الإيمان بوجود الخالق وتنكر الغيبيات، أو ما تسميه: الفلسفة الماورائية، وعلى رأس هذا المذهب الفيلسوفان الألمانيان مارتن هيدغر ونيتشه، ووجودية تعتقد بحلول الخالق في شخص المسيح، وزعيم هذا المذهب الفيلسوف الدانماركي كيركغارد، انظر: التيارات الكبرى للفكر الإنساني، د.حسين سبيتي (77ـ91)، دار المواسم، بيروت، طأولى،2002م.
(9) انظر: ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر؛ د.الزواوي بغورة(67،66)، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، 2001م.
(10) قد يوجد في هؤلاء من يقرُّببعض أصول الدين، مع إنكاره بعضها الآخر، ولا جَرَمَ فهي مذاهب مخترعة، لا تستندإلى قواعد محكَمَة.
(11) الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، لعبدالرحمن بدوي
(13)، دار القلم، بيروت، 1403هـ، ويقال إن عبد الرحمن بدوي قد تابَ فيآخر حياته، ونقض ما كان يقرره، وبخاصة أنه ألَّف كتاباً في الرد على شبهاتالمستشرقين حولَ القرآن الكريم، أمثال مرجليوث وجولدتسيهر؛ الذين اختلقوا" الفرضيات والنظريات الزائفة الوهمية، ليستخلصوا منها ما يشاءون من نتائج تجانبالصواب "، كما قال في صفحة (8) من كتابه الذي أسماه "دفاعٌ عن القرآن ضد منتقديه"، مكتبة مدبولي الصغير، القاهرة، ط أولى، 1988م.
(12) ومن هؤلاء الذين استقى منهم أركون:
1ـ جويل.ل.كريمر: وكتابه "الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام،الانبعاث الثقافي أثناء العصر البويهي "، منشورات بريل، ليدن، 1986م، بالإضافة إلىكتابه الآخر" الفلسفة في نهضة الإسلام، أبو سليمان السجستاني وحلقته العلمية"،بريل، ليدن، 1986م.
2ـ إيفريت.ك.راوزين: "رأي فيلسوف مسلم في النفس ومصيرها، كتابالعامري(الأمد على الأبد)"، الجمعية الشرقية الأمريكية، نيوهافن، 1988م.
3ـجورج مقدسي: وكتابه "دور الفلسفة الإنسانية في الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي"، مطبوعات جامعة أدنبرة، 1990م.
4ـ جوزيف فان إيس: وكتابه "اللاهوت والمجتمع فيالقرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في بدايات الإسلام"، برهين،اكتملت أجزاؤه الستة في 1995م، وهو باللغة الألمانية. ولا ينفكُّ محمد أركون يتحدث عن مزايا هذا الكتاب الأخير وعظمته، وأهميته الحاسمة بالنسبة للدراسات العربية والإسلامية، مما يكشف عن طبيعة المصادر التي يستقي منها فكرَه، انظر: نزعةالأنسنة، لمحمد أركون (6ـ7).
(13) انظر: المرجع السابق (24-25).
(14) وقضيةُ العقل هنا؛ أن يقبل قياس العكس، فيقال: إذا كان ترك الدين الفاسد يدفع إلى التقدم، فإن ترك الدين الصحيح يؤدي إلى التقهقر والتراجع.
(15) نزعة الأنسنة؛لمحمد أركون (8).
(16) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (22).
(17) المرجعالسابق.
(18) المرجع السابق.
(19) المدثر (49ـ51).
(20) الفرقان(73).
(21) انظر: الشفا؛ للقاضي عياض (2/1101)، وروضة الطالبين؛ للنووي(10/64).
(22) الفرقان (19).
(23) الحج (32).
(24) الصواعق المرسلة؛لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.
(25) المرجع السابق.
(26) الأنعام(112)، وانظر أيضاً: الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038).
(27) فصلت(52).
(28) الأحقاف (10).
(29) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم(2/633).
(30) ذكر ابن القيم أنه بشر المريسي أو غيره، أي: على الشك.
(31) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.
(32) المرجع السابق، وقد بين أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- مبدأ التجهُّم ومنتهاه،فقال: "فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم"، [درءالتعارض؛ لابن تيمية (10/316)]، قلت: وهذا مشاهد في نتاج بعض متثقفةعصرنا.
(33) وحال أركون في هذا، كحال كثيرٍ من المستغربين العرب، الذين فتنوابالتقنية المادية للغرب، وأولعوا بغضارة عيشه، فكتبوا متأثرين بهذه الصدمةالحضارية، وقد قال بعضهم : ( ما وضعتُ يدي في قصعة أحدٍ إلا ذللتُ له )، مجموع الفتاوي، لابن تيمية (1/98)، بواسطة : النظائر، د. بكر أبو زيد (297).
(34) قضايا في نقد العقل الديني؛ لمحمد أركون (22)، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، 1998م.
(35) الأعراف (202).
(36) عقد العلامة ابن خلدونفي "مقدمته" فصلاً فقال: "فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب..."، وبين وجه المغالطة النفسية في ذلك، فانظر: المقدمة؛ لابن خلدون (104).
(37) مجموع الفتاوي؛ لابن تيمية (2/83).
(38) معالم تاريخ الإنسانية؛ ويلز (3/966)، نقلاً عن: رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر؛ لمحمد قطب، دار الوطن، الرياض، طأولى، 1411هـ، (29).
(39) الفكر الإسلامي؛ لمحمد أركون (57ـ 58).




أركون ... التمهيد للردة العامة عن الإسلام
بقلم د. خالد بن عبد الله المزيني
09-1-2008
__________________
تم حذف كافة تواقيع الأعضاء من قبل إدارة الرس اكس بي ونامل منكم مراجعة قوانين المنتدى قبل إعادة بناء توقيعك وشكراً

آخر من قام بالتعديل بلقيس ،; بتاريخ 05-02-2008 الساعة 04:45 PM.
بلقيس ، غير متصل   الرد باقتباس

 
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً: 1 (0 من الأعضاء و 1 من الزوار)
 
أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
اكبر مجموووعة برامج الجوال عاشق الاتحاد منتدى الصور و هواة التصوير و الكمبيوتر و التقنية 2 03-08-2007 05:14 PM
دليل مختصر مصور لفهم الإسلام بالإنجليزية قطرة المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن 4 07-07-2007 05:28 PM
الطب الوقائي في الإسلام..من صحة الأرواح إلى صحة الأجسادوالبيئة قطرة المواضيع المنقولة وأخبار الصحف والوطن 3 07-07-2007 12:07 PM
الممتلكات العامة.. و"حلال عمك لا همك"!! صوت الرس منتدى الافراح والمناسبات و التغطيات والتهاني 9 26-06-2007 01:39 PM
أنت ياحزبي وأنت ياجامي .. تفضل واقرأ كلامي قلم الرس المنتدى العام والمواضيع المتنوعة 12 12-06-2007 12:26 AM


الساعة الآن +3: 01:20 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0 ©2011, Crawlability, Inc.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19